أزمة وباء كورونا.. حادث مفصلي في تطور الإنسانية

رؤية حزب دعم الناشط في إسرائيل

نقدم هنا تقرير اللجنة المركزية لحزب دعم، في جلستها، والتي عقدت في شهر أكتوبر 2020 وخصصت لمناقشة أزمة كورونا وإنعكاساتها على الوضع السياسي العالمي والإقليمي والمحلي. ان التطورات الهامة التي جاءت بعد كتابة التقرير، مثل فوز بايدن على ترامب والإعلان عن الإنتخابات الجديدة في إسرائيل، رفعت من مصداقية التحليل، الذي طرحه الحزب ومن أهمية توجهه وموقفه إزاء هذه التطورات التاريخية.

كتب التقرير وطرحه على جلسة اللجنة المركزية لحزب دعم في تاريخ 18 تشرين الأول/ أكتوبر ، الأمين العام للحزب الرفيق يعقوب بن افرات.

شهدت الساحة السياسية على نطاق عالمي ومنذ شهر شباط /فبرابر الماضي تقلبات نوعية، لم يكن بمقدورنا أن نتوقعها، حيث انتشر وباء كورونا (كوفيد-19) خلال فترة قصيرة في شتى أنحاء المعمورة، وتكاد لم تبقَ بؤرة جغرافية من دون أن يصلها تأثيره المدمر. ومن ناحية أخرى فقد كشف وباء كورونا عن طبيعة العولمة التي وحدت مصير الإنسانية والعلاقة المتبادلة بين الشعوب بغض النظر عن الحدود القومية والعرقية.

وقد تطورت الأزمة من حادث صحي محلي في سوق لحوم للحيوانات البريّة في مدينة ووهان بالصين في شهر كانون أول/ديسمبر عام 2019 ليتحول في غضون شهرين إلى كارثة صحية عالمية امتدت في أرجاء العالم بأسره.

وباء كورونا كشف العيوب المخفية للأنظمة السياسية

كشف وباء كورونا وطريقة التعامل معه من قبل الأنظمة السياسية الحاكمة طبيعة هذه الأنظمة ومواطن الخلل فيها، وعيوب النظام الاقتصادي الرأسمالي النيو-ليبرالي، الذي وصل إلى طريق مسدود في عام 2008، حين انهار الاقتصاد الأمريكي وجرّ وراءه العالم كله إلى كساد كانت له أبعاد خطيرة.

وقد برز خلال الأزمة الحالية النظام الصيني والنظام الأمريكي كقطبين متناقضين في طريقة معالجة أزمة كورونا. حيث قام النظام الصيني الشيوعي الديكتاتوري بإخفاء الوقائع حول أول حالات الإصابة بالفيروس للحفاظ على سمعته، لأن ظهور الفيروس وانتشاره سببه غياب المراقبة الصحية السليمة للأسواق. وفي المقابل قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو أيضاً، بإخفاء خطورة الوباء عن الشعب الأمريكي خوفاً من تأثيراته على بورصة الأوراق المالية في وول ستريت. وبينما كان النظام الصيني يفرض إجراءات صارمة وإغلاقاً كاملاً على 40 مليون مواطن في ووهان لمدة شهرين وأكثر لمنع انتشار الفيروس، اعتمد ترامب أسلوباً مختلفاً ورفض اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية، وذهب إلى أبعد من ذلك حين وجه انتقاداً إلى حكام الولايات من الحزب الديمقراطي الذين أعلنوا عن الإغلاق وفرض إجراءات وقائية كضرورة التباعد الاجتماعي لمنع انتشار الوباء، واستهزئ من منافسه المرشح الديمقراطي جو بايدن، الذي يضع الكمامة على فمه واعتبره جباناً.

لقد أثبت النموذج الصيني ناجعته في معالجة الجائحة، فقد استطاعت بكين القضاء على الوباء خلال فترة زمنية قياسية نتيجة الإجراءات الاستثنائية التي فرضتها على السكان بموجب ما هو مسموح به تحت حكم النظام الاستبدادي. في المقابل فشلت واشنطن فشلاً ذريعاً في مواجهة الوباء، إذ لا يزال وباء كورونا يستمر بالانتشار في الولايات المتحدة، وقد وصل في نهاية شهر تشرين أول/أكتوبر الماضي إلى أكثر من 7 ملايين مصاب وما يزيد عن 225 ألف حالة وفاة، أي بما يزيد بنسبة 20% من عدد الوفيات على المستوى العالمي في حين يشكل عدد سكان الولايات المتحدة نسبة 4% من سكان المعمورة.

هذا وقد دخل المجتمع الأمريكي في صدمة حقيقية بسبب تصرف الرئيس ترامب المغامر وغريب الأطوار إزاء انتشار الوباء الخطير على طول البلاد وعرضها. وتفاقمت الأزمة نتيجة الانهيار الاقتصادي الناتج عن فرض الإغلاق مما أثر على حياة ملايين المواطنين. وإذا كانت الولايات المتحدة والصين القوتين الاقتصاديتين العظميين اللتان قادتا الاقتصاد العالمي في العقدين الأخيرين فقد كشف وباء كورونا أنه لا يمكن للإنسانية أن تعتمد على الصين رغم نجاحاتها الاقتصادية بسبب نظامها الديكتاتوري أو على الولايات المتحدة التي انهارت بسبب هشاشة نظامها السياسي، والدليل لو لم يكن هشاً لما سمح لشخصية غير مستقرة ومتقلبة المزاج وصاحبة سوابق جنائية مثل ترامب بأن تستولي على الحكم. واكتشف الأمريكيون بأم أعينهم أن بلادهم عاجزة، بسبب نظامها الاقتصادي وتحديداً جهازها الصحي الخاص، لا يمكنها أن تواجه كارثة صحية عامة من هذا القبيل.

وباء كورونا يجب أن يعلمناً درساً هاماً حول نموذج الصين التنموي الذي شهد خلال عقدين نسبة ارتفاع سنوية قريبة من 10% في الإنتاج الإجمالي القومي، الأمر الذي سمح بإغراق الأسواق العالمية بالبضائع الرخيصة وأدى إلى تدمير الصناعات المحلية في أغلب بلدان العالم وزاد من ثقافة الاستهلاك المفرط. وقد كلف هذا التطور المشوّه الإنسانية ثمناً اقتصاديا وسياسيا غاليا وجاء اليوم وباء كورونا ليكشف بأن التكلفة هي أكبر بكثير مما كنا نتصور من قبل. صحيح أن النظام الصيني وفر لسكان البلاد خلال ربع القرن الأخير رفاهية حين ارتفع مستوى الحياة لمئات الملايين من سكان الصين لكن ذلك كان مقابل موافقتهم لسيطرة النظام الديكتاتوري غير الشفاف والمقيّد للحريات الأساسية ولحقوق الإنسان على حياتهم بشكل مطلق. إن الخوف اليوم هو أن يستعمل النظام الصيني جبروته الاقتصادي لفرض النموذج الدكتاتوري على بلدان أخرى.

في المقابل رأينا في الولايات المتحدة الأمريكية كيف يهيمن رأس المال والشركات الاحتكارية العملاقة على النظام الديمقراطي ما أدى إلى تحول العملية الديمقراطية إلى أمر شكلي، وفقدت الأحزاب السياسية مصداقيتها نتيجة خضوعها الكامل لإملاءات رأس المال، وبالتالي يفقد المواطنون الثقة بالنظام الديمقراطي مما يدفع العديد منهم إلى التيارات الشعبوية والفاشية. وخير مثال على ذلك هو التأييد الشعبي لترامب كمرشح خارجي عن الجهاز السياسي حين وعد الشعب الأمريكي “بتجفيف المستنقع في واشنطن” وتطهير العاصمة أو النظام السياسي الحزبي من الفساد.

إن الرأسمالية الديكتاتورية في نمطها الصيني وصلت إلى طريق مسدود في حين تبين أن النموذج الأمريكي مع رأسمالية الاحتكارات أدى إلى إفقار الشعب وخلق فجوات اجتماعية عميقة، وأفرز التيار الشعوبي القومي الخطير بقيادة دونالد ترامب مما يعني أن كلا النظامين الصيني والأمريكي بحاجة إلى تغيير جذري، سياسيا واقتصاديا على حدٍ سواء.

كورونا حافز للتغيير السياسي

وقد أثر الوباء على الواقع السياسي في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يؤدي إلى خسارة ترامب في الانتخابات النيابية والرئاسية في مطلع الشهر المقبل، ويعتبر أحد أهم أسباب تراجع شعبية نتنياهو نتيجة الطريقة الفاشلة التي أدار بها الأزمة في إسرائيل. ولكن التغيير الأكبر حدث بلا شك في الولايات المتحدة التي تشهد أكبر حركة احتجاجية منذ عقود يقودها ائتلاف واسع جدا في مقدمته حركة السود تحت شعار “حياة السود لها قيمة” (Black Lives Matter)، التي نظمت المظاهرات الشعبية بعد مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد في شهر أيار/مايو الماضي، الأمر الذي كشف عن وجود إجماع مناهض يناضل ضد عنصرية المؤسسة الحاكمة الأمريكية وانعكس ذلك لصالح إجماع يدعم المرشح الديمقراطي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، أول امرأة سوداء تترشح لمنصب نائب الرئيس. وهذا يعدّ مؤشراً حقيقياً على حدوث تغيير جذري في أوساط المجتمع الأمريكي وعلى وجه الخصوص داخل الحزب الديمقراطي منذ الانتخابات الأخيرة عام 2016 ، وقتها كانت هيلاري كلينتون مرشحة الحزب لخوض السباق الرئاسي وكان نائبها آنذاك رجل أبيض محافظ في مواقفه السياسية، وكان من أهم أسباب خسارتها هو تحفظ عدد كبير من مؤيدي الحزب وخاصة مؤيدي المرشح بيرني ساندرز على ترشحها بسبب فساد الجهاز المسيطر على الحزب الديمقراطي وانحيازها إلى مواقف محافظة في قضايا داخلية وخارجية، ما أدى إلى امتناع عدد لا بأس به منهم عن التصويت لها، الأمر الذي ساهم في فوز ترامب عليها.

انتصار ترامب على كلينتون عام 2016 كان مفاجأة كبرى، بل صدمة، ليس على مستوى الولايات المتحدة فحسب، وإنما عالمياً. فقد شكل هذا الانتصار فرصة احتفى بها الطغاة مثل بوتين وأردوغان وكيم جون أون والسيسي والأسد ومحمد بن سلمان وبيبي نتنياهو؛ ودفعة قوية لقادة الأحزاب الانعزالية في أوروبا من أمثال بوريس جونسون. في المقابل شكل فوز ترامب صدمة لبقية زعماء العالم وعلى رأسهم قادة الاتحاد الأوروبي بعد تهجمه على حلف الناتو وإسراعه في الإعلان عن انسحاب واشنطن من اتفاق المناخ في باريس ومن الاتفاق النووي الإيراني.

خلال أربع سنوات التي تولى فيها ترامب إدارة البيت الأبيض وصاغ سياسة الولايات المتحدة على مقاسه، شهدنا في المقابل زيادة ملموسة وهامة في قوة تأثير التيار اليساري داخل الحزب الديمقراطي، الأمر الذي أجبر الحزب على تعديل توجهاته. ومن أهم الدروس والعبر التي تعلمها الديمقراطيون من جراء أخطاء إدارة أوباما ومن ترشيح هيلاري كلينتون هي توصلهم لقناعة بأن حزبهم لا يمكن أن يستمر بانحيازه لصالح رأس المال والاحتكارات الكبيرة والمصارف في وول ستريت على حساب تعميق الفقر والفجوات الاجتماعية. لقد أدرك الحزب الديمقراطي أن النفاق وازدواجية المعايير ستكلفه ثمنا باهظاً، إذ لا يمكنه أن يعتمد على حركة شعبية في صفوف السود والأقليات والعمال ويبقى مخلصاً لرأس المال الكبير. هذه السياسة هي التي خلقت خيبة أمل من فترة أوباما وسياساته، وأدت بعد ذلك إلى رفض الكثيرين في قاعدة الحزب لترشيح كلينتون للرئاسة مما مهد الطريق لترامب لدخول البيت الأبيض. وربما تبقى مقولة ترامب “أوباما هو السبب لوصولي إلى السلطة” هي الحقيقة الوحيدة التي نطق بها من بين آلاف الأكاذيب التي يطلقها يوميا.

ومن هذا المنطلق فقد زادت الأصوات داخل الحزب الديمقراطي تطالب بتغيير جذري في سياسية الحزب، وحققت نتائج سياسية مباشرة كانتخاب نواب جدد في الكونغرس كممثلين للحزب الديمقراطي بدل الأعضاء القدامى الذين يمثلون الجهاز الديمقراطي الفاسد والمحافظ. ومن بين هؤلاء المرشحون الجدد هناك عدد من أعضاء مجلس النواب السود والنساء الشابات التي تبرز بينهم النائبة من نيويورك ألكساندريا أوكاسيو كورتيز التي تمكنت بشكل مفاجئ عام 2018 من هزيمة مرشح مجلس النواب القديم كراولي الذي حصل على ترشيح منطقة رقم 14 في نيويورك (منطقة برونكس وكوينس) خلال 20 سنة. واستطاعت كورتيز الحصول على مقعد في الحزب بفضل مواقفها وتبنيها بشكل صريح رؤية اشتراكية وبرنامج الاقتصاد “نيو ديل الاخضر”.

إلى جانب ذلك نرى بروز دور عضوة مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، اليزابيت وارن، التي تقود حملة قوية ضد الشركات الاحتكارية وتحديداً شركات الإنترنيت الخمس العملاقة (فيسبوك وامازون وأبل وغوغل وميكروسوفت)، وتطالب الحملة بتفكيك هذه الشركات لمنعها من ممارسة الاحتكار في السوق بالطريقة التي اعتمدتها أمريكا في الماضي في احتكارات النفط والاتصالات. إن الحملة الشعبية والمظاهرات الجماهيرية التي عمت الولايات المتحدة في الشهور الأخيرة تحت شعار “حياة السود لها قيمة” جاءت بدون شك تعبيراً عن مزاج شعبي معارض لترامب وأعطت دفعة من الحماس الإضافي للحملة الانتخابية الداعمة لمرشح الحزب الديمقراطي بايدن. وأوضحت الاستطلاعات الرأي خلال الشهور الأخيرة قبل الانتخابات أن المرشح الديمقراطي يفوز على منافسه ترامب بفارق ملحوظ.

إن وجود شخص مثل ترامب في سدة الحكم يفرض تحديات على الأمريكيين عليهم مواجهتها، وتشكل الانتخابات الوشيكة امتحاناً مصيرياً للوقوف بوجه رئيس فشل في علاج أزمة الوباء وتصرف إزائها بطريقة صبيانية مغامرة عندما تهجم على كل من حذر من خطورتها بمن فيهم العلماء والمتخصصين وحكام الولايات والسياسيين، وذهب أبعد من ذلك عندما اتهم الحزب الديمقراطي باختراع الوباء وتضخيم مخاطره لمصالح انتخابية ضيقة، على حد زعمه. كما تبنى ترامب مواقف عنصرية حين مدح الحركات العنصرية التي تدعي تفوق العرق الأبيض، وقام بمجهود كبير لإلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف بـ “أوباما كيير” (Obama Care)، ودعم تشريعاً يمنع الإجهاض وتبنى نظريات المؤامرة ودفع نحو سيطرة القضاة المحافظين على جهاز القضائي. ووصل به الأمر في أيامه الأخيرة إلى التعنت والتلويح بعدم الالتزام بالنقل السلمي للسلطة وتهجم بمصطلحات حقيرة على مرشحي الحزب الديمقراطي وحتى على أعضاء حزبه الجمهوري الذين عارضوا موقفه، حتى أصبح وجوده في السلطة خطراً على سلامة النظام الديمقراطي الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى نشوب شبه حرب أهلية داخل المجتمع الأمريكي.

خطورة الموقف وعمق الأزمة الراهنة تضع الحزب الديمقراطي أمام خيار واحد لا ثاني له. وهو على الحزب إحداث تغيير جذري على المستوى السياسي من خلال إبعاد نفوذ رأس المال وسطوته على السياسيين وإجراء إصلاحات اقتصادية عميقة وإصلاح جذري للجهاز الصحي وسوق العمل ورفع الأجور وضمان حماية حق التنظيم النقابي وتغيير السياسة الضريبية التي تفضل الأغنياء على حساب الفقراء. إضافة إلى ذلك مطلوب من الحزب الديمقراطي إحداث إصلاح في الجهاز التعليمي لرفع مستوى التعليم وتأهيل الجيل الصاعد وإلغاء الرسوم العالية للتعليم في الجامعات وإعفاء ملايين الطلبة من القروض التي تثقل كاهلهم عندما يتخرجون من الجامعات. كما لا بد للحزب أن يتبنى خطة لتطوير الطاقة المتجددة وتفكيك الاحتكارات ومعالجة مشكلة العمل الموسمي (gig economy) غير المستقر وإصلاح الجهاز القضائي ومعالجة العنصرية المُمارسة بحق أصحاب البشرة السوداء من قبل الشرطة وإلغاء السجون الخاصة وتغيير قوانين مثل حيازة سموم سهلة التي دفعت ملايين من السود إلى السجون وتعديل جهاز العلاج النفساني وغيره من الإجراءات، التي من شأنها أن تغيّر نمط الحياة وتضمن الاستقرار لعشرات الملايين من الفقراء المهمشين وتشكل بالتالي أساسا متيناً للاستقرار وتمنع صعود إنسان مثل ترامب إلى الحكم من جديد.

امتحان كورونا وفشل نتنياهو

وصل وباء كورونا إلى شواطئ تل أبيب في مطلع شهر شباط/فبراير 2020، وكانت إسرائيل في خضم أجواء الجولة الثالثة لانتخابات الكنيست المتعثرة، ولم تحسم نتائج هذه الجولة التي جرت في الثاني من آذار/مارس  النتائج أيضاً كسابقتيها (في نسان وأيلول 2019)، مما يعني أن المأزق السياسي العميق في البلاد بقي في مكانه بعد فشل نتنياهو وشركائه من المتدينين والمستوطنين في الحصول على 61 مقعداً (الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة)، وبسبب هذا الفشل جر نتنياهو البلاد إلى ثلاث جولات انتخابية في أقل من عام والسبب الكامن وراء ذلك واحد لا غيره وهو محاولته التهرب من المحكمة التي تنتظره بعد أن قُدمت بحقه لائحة إتهام تتعلق بتهم الفساد والاحتيال وخيانة الأمانة العامة. وإن مجرد ترشحه لرئاسة الحكومة، وهو يواجه تهم خطيرة من شأنها أن تضعه السجن، أثار أزمة دستورية عميقة في إسرائيل وانشقاق في داخل المجتمع بين من يدعمونه رغم التهم الموجهة إليه وبين من يراه فاسداً لا يليق للمنصب المرموق.

بعد فشل نتنياهو في المرة الثالثة في آذار/مارس 2020 في تحقيق أغلبية 61 مقعداً ومع ظهور أزمة كورونا تولد شعور ونمى باستحالة الذهاب إلى جولة رابعة. المأزق السياسي الذي منع كلا الكتلتين المتصدرتين في نتائج الانتخابات من تشكيل حكومة ومرد ذلك يعود إلى كون الكتلة المعارضة لنتنياهو والمنافسة له في المشهد السياسي ورغم حصولها على 62 مقعداً لم تكن متجانسة سياسيا ولا تحمل قواسم مشتركة سوى الاستياء من شخصية نتنياهو. فهؤلاء لم ينجحوا في تشكيل تكتل يزيح نتنياهو عن سدة الحكم وفشلت محاولاتهم في هذا الصدد، ورأينا ما حدث عندما دعمت القائمة العربية المشتركة التوصية البرلمانية لصالح زعيم أزرق أبيض الجنرال المتقاعد غانتس كمرشح لتشكيل الحكومة إلا أن الأخير لم يتمكن من الجمع بين زعيم “إسرائيل بيتنا” اليميني افيغدور ليبرمان وبين رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة. يضاف إلى ذلك رفض الجنرال المتقاعد موشيه يعالون، أحد الرموز المركزية في أزرق أبيض، الشراكة أيضاً مع العرب مما حيّد المعارضة ومنعها من تشكيل حكومة لا تضم نتنياهو الذي يجلس في منصب رئيس الوزراء منذ 2009 من دون انقطاع.

بعد انتهاء الفترة المتاحة قانونيا لغانتس بناء على التوصية البرلمانية ومن بعده لنتنياهو لتشكيل حكومة، وتحت ضغط تفاقم الوضع الصحي والاقتصادي من جراء كورونا، قرر غانتس أن يدخل في شراكة سياسية مع نتنياهو لتشكيل حكومة وحدة، بالتوقيع على “وثيقة الائتلاف الحكومي”، مما أدى لحدوث انشقاقات في صفوف أزرق أبيض فقد رفض معظم أعضاء الكتلة برئاسة يائير لابيد وموشيه يعالون الدخول في الائتلاف الحكومي برئاسة نتنياهو مفضلين البقاء في المعارضة.

وفقا لوثيقة الائتلاف الحكومة تشكلت حكومة وحدة بالتناوب بن نتنياهو وغانتس، على مبدأ التقاسم، حيث حصل حزب أزرق أبيض على نصف الحقائب الوزارية بينما ذهب النصف الآخر لكتلة اليمين المشكلة من الليكود وحزبي المتدينين المتزمتين “أغودات إسرائيل” و”شاس”. نصف الحقائب كانت صفقة مغرية لغانتس لقبول مشاركة نتنياهو بتشكيل الحكومة والتضحية بكتلته أزرق أبيض، ولكن لم ينضم معه سوى 14 عضو منها إلى الائتلاف الحكومي، مقابل 50 عضو كنيست لليكود واليمين، الأمر الذي أضعف من مكانته ونفوذه. وقد استغل نتنياهو هذا الوضع ليبدأ بحملة تحريض شرسة ضد المستشار القضائي للحكومة والنيابة، وتراجع عن الاتفاق مع غانتس ببعد قيام الحكومة وتحديدا فيما يتعلق بإقرار ميزانية الدولة والتي من دونها تنحل الحكومة تلقائيا.

في الفترة الأولى كان هناك اعتقاد بأن ما يسعى إليه نتنياهو هو التهرب من تنفيذ مبدأ التناوب مع غانتس الذي من المقرر أن يتم في تشرين الأول/أكتوبر 2021 والذهاب إلى جولة رابعة من الانتخابات آملاً بالحصول على أغلبية تمكنه من سن قانون للالتفاف على المحكمة العليا وغيرها من الإجراءات التي تمكنه من البقاء في الحكومة خلال سنوات المحكمة أو حتى تأجيل محاكمته لأجل غير محدد. وتعزز هذا الاعتقاد في الفترة التي تلت انتهاء من حالة الإغلاق إبان الموجة الأولى من كورونا في ربيع 2020 وبعد حدوث انخفاض كبير في نسبة المصابين بالفيروس في إسرائيل، وقتها سارع نتنياهو إلى إعلان الانتصار على الوباء ونسبه لنفسه ومادحاً ذاته كقائد حكيم ووجه نداءات للشعب الإسرائيلي يدعوهم فيها للعودة إلى الحياة العادية، الأمر الذي رفع من شعبيته حتى أن استطلاعات الرأي بينت أنه مرشح للفوز بـ 40 مقعداً. وشكلت تلك الأجواء فرصة له لفرض جولة رابعة من الانتخابات.

إلّا أن الأمور انقلبت بسرعة رأسا على عقب وعاد الوباء لينتشر بسرعة فائقة مرة أخرى ابتداءً من شهر تموز/يوليو. في هذه المرحلة عارض نتنياهو اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية ورفض فرض الإغلاق من جديد خوفا من غضب الجمهور وتراجع شعبيته لما للإغلاق من تداعيات اقتصادية على حياة السكان، وأدرك الجميع بأن تفاخره المبكر بـ “الانتصار” كان كاذبا. مع الوقت اتضح بأن اعتبارات نتنياهو لم تكن نزيهة وموضوعية أو أنها مبنية على قراءة موضوعية للمستجدات الصحية، بل كل ما يعنيه هو مصيره الشخصي ولإنقاذ نفسه من المحكمة التي تنتظره ولا شيء سوى ذلك. وقد وصلت الأزمة ذروتها بعد أن وصلت إسرائيل في شهر أيلول/سبتمبر إلى المرتبة الأولى في العالم بعدد المصابين اليومي بالنسبة لعدد سكانها وعدد حالات الوفاة أرتفع حتى وصل إلى أكثر من 2000 نسمة. ومثلما ارتفعت شعبية نتنياهو بسرعة بعد رفع الإغلاق الأول فقد شهدنا في هذه المرة هبوطاً لشعبيته بشكل مضطرد بعد اضطراره لفرض الإغلاق الشامل من جديد، مما فاقم الأزمة الاقتصادية التي أضرت بحياة الملايين من المواطنين مستقبلهم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تفاقم الوضع الصحي له علاقة مباشرة بضعضعة مكانة القيادة السياسية وفقدان السيطرة والتأثير على الجمهور. ومن بين الأمور التي زادت من فقدان ثقة الجمهور بالحكومة وبنتنياهو هو تعاملها مع المدن الحمراء ذات الغالبية السكانية من أنصاره المتدينين المتزمتين (الحاريديم) حيث امتنعت الحكومة لفترة طويلة عن فرض الإغلاق في هذه المدن بسبب حاجة نتنياهو لدعم من ممثليها في الحكومة. وفي الوقت نفسه شن نتنياهو حملة تحريض شرسة ضد معارضيه الذين يتظاهرون أمام بيته في القدس واتهمهم في التسبب بزيادة انتشار الوباء وامتنع عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لوقف التجمهر في المجتمع المتدين مما زاد من حالة الغضب والتشكيك في نواياه.

النتيجة كانت زيادة الرفض الشعبي لإجراءات الإغلاق الانتقائية، لكي تشمل أغلبية ساحقة من الجمهور، وهناك من يقول أن نتنياهو فرض الإغلاق العام لأنه يخاف من فرضه على أحياء المتدينين من دون غيرها وذلك لحسابات سياسية، وهناك من يتهمه بأنه يريد الإغلاق ومنع التجمهر لمنع المظاهرات ضده وإسكات منتقديه، وهناك من يقول بعدم منطقية إغلاق الأماكن التجارية الصغيرة ومنع السباحة في البحر، إضافة لمن يعارض إغلاق الصفوف الدنيا في المدارس كون الأطفال الصغار لا يصابون بالعدوى من حاملي الفيروس. يمكننا الجزم بوجود إجماع في إسرائيل على أن الحكومة الائتلافية فشلت بشكل قاطع في إدارة الأزمة، وقناعة لدى الكثير من الناس بأن نتنياهو المشغول بالاستعداد للمحاكمة لا يمكنه أن يقود البلاد في أزمة خطيرة مثل أزمة وباء كورونا.

شعار “لا لبيبي” (ارحل) يفيد اليمين

كشف وباء كورونا نقاط الضعف في المجتمع الإسرائيلي على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

أولاً على المستوى السياسي، بات من الواضح أن إسرائيل تسير في طريق مسدود ولم تتمكن منذ سنتين من تشكيل حكومة مستقرة لإدارة البلاد. وقد خلق المأزق الحكومة والانقسام السياسي الذي يعيشه الشارع الإسرائيلي حالة من الاستقطاب الحاد بين من يؤيد نتنياهو ومن يعارضه، وتمترس كل طرف في خندقه، الطرف الأول هو مؤيدو نتنياهو الذين لا يرون في التهم الموجهة إليه بأنها تشكل عائق أو مشكلة، وفي مقدمتهم قاعدة الليكود الانتخابية التي استفادت ماديا من السلطة من خلال الحصول على مناصب ووظائف ومراكز قوة وامتيازات. ويقف إلى جانبهم أولئك الذين يرون بالاستقرار الاقتصادي والرفاهية، التي استفادت منها الطبقة الوسطى والموظفين في المرافق الحكومية خلال العقد الأخير، دليل على عبقرية نتنياهو لذا يتمسكون به ويعتبرونه القائد الوحيد الذي لا بديل له. ومن ثم المتدينون وهؤلاء يدعمون نتنياهو لأنهم يميلون إلى اليمين، والأهم من ذلك لأن نتنياهو أكثر المرشحين استعدادا لزيادة دعمهم مادياً عبر ضمان الميزانيات الهائلة لتمويل الجهاز التعليمي ومرافق أخرى تخدم الشرائح المتدينة اليهودية، ورأينا مع مرور الوقت كيف حازت هذه الشرائح على امتيازات تشبه الحكم الذاتي يدار بشكل مستقل عن المجتمع العام.

أما الطرف الثاني يشكل النصف الآخر من المجتمع، يشمل الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي ترى في نتنياهو وقاعدته الانتخابية خطراً على الديمقراطية وعلى سلامة الدولة نفسها كونه يسعى لتدمير الجهاز القضائي ويحارب أجهزة “الدولة العميقة” حسب قوله كالإعلام والمحكمة العليا لأنها تقف بوجه طموحاته الشخصية. كما يرى هؤلاء في مخطط نتنياهو لضم المناطق المحتلة إلى إسرائيل خطوة تفقد إسرائيل صفتها كدولة تضمن الأغلبية اليهودية مما يحول النظام السياسي في البلاد إلى نظام فصل عنصري (أبرتهايد)، الأمر الذي يضر بمكانة إسرائيل في المنظومة الدولية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الجناح الهام من المجتمع الإسرائيلي يعتبر تحالف نتنياهو مع المتدينين وانحيازه إلى اليمين المتطرف خطراً على الطابع العلماني ونمط الحياة الليبرالي في إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك هناك طرف ثالث، هم المواطنون العرب الذين يتعرضون لحملة تحريض عنصري من قبل نتنياهو تهدف إلى إضفاء صفة غير شرعية على القائمة المشتركة العربية، وبالتالي سد الباب أمام إمكانية تحول القائمة العربية إلى عنصر فعال وشريك في ائتلاف بديل لنتنياهو. الهدف هو منع قيام تحالف لخصوم اليمين في الوقت الذي تتردد في الساحة السياسية مقولة معروفة مفادها من دون القائمة العربية ليس لليسار الإسرائيلي فرصة للفوز في تشكيل حكومة.

في الماضي توصل دائماً اليمين واليسار الصهيونيين إلى اتفاقات. فكانت عام 2009 حكومة شملت نتنياهو وحزب العمل وقبلها حكومة شملت الليكود والعمل برئاسة شارون. وفي عام 2013 انضم إلى حكومة نتنياهو حزبا يائير لابيد وتسيبي ليفني. لكن منذ عام 2015 تغيرت الصورة إذ رأينا كيف استفراد نتنياهو بالحكم وطرد كل من انتقد أسلوبه داخل حزب الليكود، وتشبث بائتلافه مع المتدينين والمستوطنين. وبعد تقديم لوائح الاتهام ضد نتنياهو أغلقت الأبواب أمام أي حل وسط بين الكتلتين، وباتت المعارضة لوجود نتنياهو بالسلطة لا تعدو كونها “معارضة شخصية” وتحولت إلى موضة إذ يطالب الكثيرون برحيله من دون حدوث شيء على أرض الواقع، أي المعارضة من أجل المعارضة من دون العمل على البديل. 

ومن أهم نقاط الضعف على المستوى الاجتماعي تجلت في عدم القدرة على إدارة الأزمة الصحية لأن كل شريحة من شرائح المجتمع راحت تتصرف بشكل مستقل من دون الانصياع للسلطة المركزية. ويشير ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا في الوسط العربي بأن المجتمع العربي لا ينصاع للحكومة ويتصرف ضد التعليمات ويستمر في تنظيم الأعراس الجماهيرية وأداء الصلوات في المساجد في حالة نكران تام لوجود الوباء، وكان بمقدور رؤساء السلطات المحلية العربية أن يضبطوا الأمر ويتدخلوا مع الشيوخ والوجهاء لمنع التجمهرات والحفلات. كما جرت الأمور بطريقة مماثلة في مجتمع المتدينين حيث يرفض الحاخامات تعليمات الحكومة ويستغلون نفوذهم السياسي ويبتزون نتنياهو لمنع اتخاذ إجراءات ضدهم.

أما الشريحة الثالثة وهي عامة الجمهور وعلى رأسها الطبقة الوسطى العليا، التي تشمل المثقفين والشباب المتعلم والجنرالات ورجال الأمن المتقاعدون والصحفيين، هؤلاء وحدتهم كراهيتهم لنتنياهو لأنه في نظرهم كل ما يطمح إليه هو إرضاء المتدينين من ناحية وقمع المتظاهرين ضده من الناحية الأخرى.

الفشل الاقتصادي

أما على المستوى الاقتصادي تبيّن بأن عدم الاستثمار في البنية التحتية وتقليص ميزانيات قطاع الصحة وتجميد بناء المستشفيات وعدم زيادة الطواقم الطبية وعدم الاستثمار في بناء غرف تعليمية لمنع الاكتظاظ في المدارس ورفع مستوى الأجور للمعلمين لكي يرتفع مستوى المعلمين، وعدم الاستثمار في شراء جهاز كمبيوتر لكل طالب والتأخر في تطوير شبكة الإنترنيت السريع في البلاد وشطب برامج التأهيل المهني والاعتماد على العمل الموسمي المؤقت والاعتماد على الطاقة الملوثة (كالغاز والنفط والفحم) وعدم الدخول في عصر الطاقة المتجددة وعدم الاستثمار بوجود جهاز رفاه متطور لدعم العاطلين عن العمل وتقليص قيمة مخصصات الشيخوخة التي لا تكفي اليوم لأبسط مستلزمات الحياة – كل هذه العيوب هي في سلم الأولويات الإسرائيلي ويزداد الالحاح لمعالجتها اليوم بشكل غير مسبوق وسط أجواء أزمة كورونا وتداعياتها.

من دون مستشفيات جاهزة أو مدارس مؤهلة ومراكز للتأهيل المهني للعاطلين عن العمل ومن دون المساعدات الطارئة لمن يضطر لإغلاق شركته بسبب كورونا ستبقى البلاد تعاني من أزمة متفاقمة ومن غير المعروف متى ستنتهي. فإذا جمعنا بين الاحتقان السياسي والانشقاق الاجتماعي والفشل الاقتصادي فإننا فعلاً أمام أزمة عميقة ولا حل في الأفق.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يحدث على نطاق عالمي من ضرورة التحرك لإحداث تغيير جذري في النظام الاقتصادي والسياسي وطبيعة الأزمة في إسرائيل سيتضح بأن شعار “لا لـبيبي” لا يكفي لإحداث التغيير الجذري المطلوب لمعالجة مشاكل المجتمع الإسرائيلي المستفحلة. فكيف نحارب اليمين من دون رفع قضية الاحتلال وحل القضية الفلسطينية، حلاً عادلاً؟! وكيف يمكن تقسيم الديمقراطية بين ديمقراطية لليهود وأبرتهايد للفلسطينيين؟! وكيف ممكن محاربة اليمين وسياسته النيو ليبرالية من دون طرح برنامج اقتصادي بديل على أساس “النيو ديل” الأخضر؟ الذي يعني الاستثمار في القطاع العام والتعليم والصحة والتأهيل المهني والمواصلات والطاقة المتجددة والتوقف عن سياسة الخصخصة التي تبيع المرافق الاقتصادية للصين والإمارات أو لصناديق استثمار كل ما يهمها الأرباح السريعة من دون الاكتراث لمصير المجتمع وحياة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

التغيير في أمريكا هو الأساس

السؤال الأول الذي لا بد من أن نسأله لأنفسنا، ماذا ينتظرنا في المستقبل القريب؟ ما هي التطورات التي من الممكن أن تفتح أمامنا وأمام القوى التقدمية محليا وفي العالم فرص سياسية جديدة؟ كيف ستؤثر الأزمة الحالية والتطورات السياسية الكبرى على وعي الجماهير الفلسطينية والإسرائيلية؟ هل شعارنا “دولة واحدة – اقتصاد أخضر” يملك إمكانية تخولنا تجنيد الجماهير حوله؟ أو إنها ستبقى فكرة مستقبلية من دون إمكانية تطبيقها على أرض الواقع؟

بالإجابة على هذه الأسئلة الجوهرية من الممكن أن نقول بأن برنامج حزب دعم بدأ يتلأم مع الواقع العالمي والعربي الجديد منذ 2008 عقب انهيار الرؤية النيو-ليبرالية. وقد رأينا الأحداث في مصر لا سيما إضراب عمال المحلة الكبرى في عام 2008 كأول شرارة لما سمي فيما بعد بثورات الربيع العربي ابتداء من عام 2011. الحركة الشعبية الثورية التي اندلعت في عدد من البلدان العربية وتمكنت من الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية في كل من مصر وليبيا وتونس واليمن وامتدت إلى البحرين وسوريا. في نفس السنوات شهدت أوروبا وأمريكا حركات احتجاج مشابهة ضد النظام الرأسمالي.

هذه التطورات الدراماتيكية كانت بالنسبة لحزب دعم تمثل تجسيداً لبرنامجه، وقد تبنينا مطالب وأهداف الربيع العربي بشكل كامل لأنه يرفع شعاراته الثلاث – الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية – وهي المطالب الأساسية الضرورية لإحداث انتقال المجتمعات العربية إلى القرن الـ 21. وكنا نتوقع آنذاك في أن تصل رياح الربيع العربي إلى فلسطين وحتى إلى المجتمع العربي داخل إسرائيل ولكن رد فعل الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والأحزاب العربية التي شكلت فيما بعد القائمة المشتركة كان مخيباً للآمال حين اعتمدت أغلبية القوى السياسية مواقف الثورة المضادة ودارت ظهرها للثوار الشباب في العالم العربي وخاصة في سوريا.

وفي سبيل مواجهة المطالب الشعبية بالتغيير والحرية، التي هددت عروش الأنظمة العربية المستبدة في 2011، وقفت العديد من الدول لها نفوذ إقليمي ودولي بما فيها السعودية وقطر والإمارات وإيران وتركيا وروسيا والقوى المحلية التي تعمل باسم هذه الدول مثل حزب الله والتنظيمات الجهادية. وتمكنت هذه القوى من قمع الربيع العربي وأغرقته بالدم وشردت ملايين السوريين من وطنهم، وأما اليمن فقد دخلت في حرب أهلية لا نعرف متى ستنتهي، كما انقلب الجيش المصري على الثورة.

نظراً لهذه التطورات المؤسفة تولد شعور عام بأن الربيع العربي قد انتهى بالفشل. ولكننا وبمخالفة هذا الرأي بقينا ثابتين بموقفنا بأنه ورغم كل ما حدث لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل. وبالفعل لم ننتظر كثيراً حتى اندلعت المظاهرات ضد النظام في إيران، ومن بعدها الثورة الشعبية في العراق وصولا للبنان عام 2019. وقد تبنت هذه الثورات نفس الشعارات، “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. وإذا توهم النظام خامنئي بأن “انتصاره” في سوريا شطب الروح الثورية فقد فاجأهم الشباب العراقي واللبناني عندما هتفوا بغضب لا لإيران ووكلائها. وفي السودان قامت ثورة مدنية عظيمة أطاحت بنظام عمر البشير الذي اعتمد على دعم الإخوان المسلمين واستطاعت أن تفرض حلاً وسطاً بين المدنيين والعسكريين، كما شهدت الجزائر خروج المظاهرات الشعبية ضد نظام بوتفليقة تدعو إلى إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية. لكن في الواقع لم نر حتى بعد هذه الثورات الشعبية أي تأثير على الفلسطينيين سواء في المناطق المحتلة أو في داخل إسرائيل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف أهدر الفلسطينيون الفرصة وتجاهلوا مثل هذا الحدث التاريخي الذي كان من الممكن أن يغيّر موازين القوى في المنطقة ويضع إسرائيل أمام واقع سياسي جديد؟ كيف ممكن للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال منذ عقود ويعانون من فساد سلطة منقسمة على بعضها بين فتح وحماس، كيف لهم أن يبقوا صامتين في وجه السلطتين معاً والاحتلال الإسرائيلي؟ كيف يمكن تفسير القطيعة الشعبية الواضحة وانعدام الثقة المطلق من قبل فلسطينيي الضفة الغربية وغزة تجاه سلطتي حماس وفتح، وعدم وجود أي تحرك سياسي يذكر لتغيير هذا الوضع؟ مع العلم أن الثورات التي انطلقت في كل أنحاء العالم العربي كانت تطرح نفس الأسئلة؟ كيف ممكن أن نفسر انتقال أغلبية الشعب الفلسطيني من التأييد لدولة فلسطينية مستقلة وحل الدولتين إلى تبني خيار الدولة الواحدة من دون أن يترجم هذا الميل الشعبي إلى بلورة تجمع سياسي جديد ليرفع هذا الشعار ويحظى بتأثير شعبي؟ جزء من الجواب يكمن في فشل الربيع العربي في كل من مصر وسوريا والعراق ولبنان في بناء نظام عصري ديمقراطي جديد.

إلّا أن هذه التطورات في العالم العربي لم تحدث من فراغ، فقد تظافرت مع تطورات وسياقات دولية لاسيما مع وصول ترامب قبل أربعة سنوات إلى البيت الأبيض، الأمر الذي كان بمثابة الهدية لأنظمة الخليج الاستبدادية التي ترى في الديمقراطية عدوها الأول والأخير. كما دعم ترامب التدخل الروسي في سوريا والتدخل السعودي بقيادة محمد بن سلمان في اليمن ودعم التدخل الإماراتي السعودي في مصر وليبيا، كما سمح لأردوغان في التدخل بسوريا وليبيا مما ساهم في تحييد وخنق الحركة الثورية. إضافة إلى ذلك بدأ ترامب بتنفيذ “صفقة القرن” لفرض الجبروت الإسرائيلي على المنطقة وقام بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ووقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية وأعترف بضم الجولان لإسرائيل ومنح الشرعية لضم المستوطنات إلى إسرائيل (مع أنه تراجع عن هذه الخطوة لاحقاً). وقد مارست إدارة ترامب ضغوطاً كبيرة لكي تدفع السعودية والإمارات والبحرين والسودان إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل الأمر الذي أخرج القضية الفلسطينية من الحسابات العربية.

ولكن السحر انقلب على الساحر، بعد استشراء أزمة كورونا انتقل “الربيع” إلى قلب أمريكا نفسها التي تشهد منذ شهر أيار/مايو الماضي أكبر حركة جماهيرية احتجاجية تحت شعار “حياة السود لها قيمة” قادها مواطنون أمريكيون من ذوي البشرة السوداء ضد العنصرية للمطالبة بالعدالة الاجتماعية. والأسباب التي دفعت الشباب العرب إلى الشوارع والميادين – نظام فاسد غير عادل وعدم وجود مستقبل وقمع الشرطة الوحشي – هي نفسها الأسباب التي دفعت الشباب السود والبيض في أمريكا إلى الشوارع اليوم، رافعين ذات الشعارات والمطالب. ولكن على عكس ما حدث في العالم العربي فالحراك في الولايات المتحدة اليوم وجد صدى سياسي عبر ارتفاع صوت الدعوات المنادية بإسقاط ترامب من خلال التصويت لمرشح الحزب الديمقراطي بايدن وكسب الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس الأمريكي.

فما يجري في أمريكا اليوم هو تأكيد لما توقعناه في حزب دعم، منذ تأسيسه قبل 25 عاماً، بأن التغيير سيأتي من دول الغرب الصناعية كون العالم الثالث لا يملك الموارد الكافية لإحداثه. وإذا أردنا الإجابة على سؤال ماذا نتوقع أن يحدث على إثر أزمة وباء كورونا؟ نقول الجواب يكمن بفوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة والإطاحة بترامب.

شعار المرحلة “دولة واحدة.. اقتصاد أخضر”

ومن هذا المنطلق علينا في حزب دعم أن ندقق ببرنامجنا السياسي ونمنح لشعارنا الأساسي “دولة واحدة – اقتصاد أخضر” معناه الصائب على ضوء الأزمة الراهنة وما تحمله من دروس. وإن تبنينا لشعار “دولة واحدة” ليس ناتجاً عن إدراكنا لفشل شعار “دولتين للشعبين” وفشل اتفاق أوسلو فحسب، وإنما مشتق من الواقع العالمي الجديد الذي ألغى السوق القومية وخلق سوق عالمي بفضل الثورة المعلوماتية والإنترنيت وشبكة النقل العالمية التي تسهل تنقل البضائع والناس بسرعة فائقة. ومن هنا فالعلم القومي والنشيد الوطني والانتماء للوطن فقدت معناها في عالم بات يعيش وحدة المصير، هذا العالم لم توحده مواجهة كورونا لوحدها بل توحد في نمط الإنتاج والاستهلاك وألغى الحدود الجمركية. وإذا أضافنا المجهود العالمي لمنع الاحتباس الحراري وإنقاذ البشرية والكرة الأرضية من الانقراض، فهذه مهمة إنسانية تاريخية جبارة لا يمكن إنجازها من دون وحدة المجهود البشري على نطاق العالم بأسره والتزام كافة الدول والشعوب من دون استثناء بالانتقال إلى الطاقة المتجددة لوقف تلوث البيئة.

أما على مستوى الاقتصاد فمن الواضح بأن النظام الاقتصادي الحالي قد فشل في توفير الجواب للأزمة الصحية. وإن خصخصة القطاع العام بما فيه الخدمات الأساسية خلال العقود الأخيرة بالتزامن مع إهمال الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والسكن والرفاه والتشغيل – كل ذلك قد ساهم في تفاقم الأزمة وأثبت أن الشرائح الأكثر فقراً والعمال هي أول من يدفع ثمن الأزمات. وقد اضطرت الحكومات على ضوء الوباء لإغلاق الاقتصاد، لأن الجهاز الصحي لم يكن جاهزاً لاستيعاب عدد كبير من المرضى، لا من ناحية الأسرة والأجهزة الطبية الضرورية ولا من ناحية الطواقم الطبية. كما أن جهار التعليم لم يكن جاهزاً لاتخاذ التدابير الواقية سواء من ناحية جودة البرامج التعليمية وسواء فيما يتعلق بالأجهزة والمعدات للتعليم من البعيد. كما أن نظام الرفاه لم يكن جاهزاً لاستقبال ملايين من العاطلين عن العمل أو أصحاب المهن الحرة والمشاغل الصغيرة المستقلين الذين فقدوا مصدر رزقهم. وإضافة إلى تفضيل القطاع الخاص على القطاع العام الحكومي، وهذا القطاع هدفه الربح لن يكترث بتاتا لمصير الشعوب وهو مستمر في تكديس ثروات كبيرة والاستفادة من الأزمة نفسها من دون إمداد يد العون لتخفيف وطأتها.

ومن هنا فعندما نتحدث عن “اقتصاد أخضر” فإننا نتحدث عن اقتصاد جديد تعاوني مبني على أسس ديمقراطية حقيقية، مما يعني نظام سياسي وأحزاب تخدم الجمهور وليس رأس المال. وإن دور الدولة هو إدارة الاقتصاد واتخاذ الخطوات التي تقوي البنية التحتية الأساسية لصالح المجتمع على كافة المستويات الصحية والتعليم والإسكان وتطوير المواصلات العامة والاتصالات عبر الإنترنيت وتأهيل العاملين للعصر الجديد ودعم قوة العمال التفاوضية أمام أرباب العمل، وتقديم تعويضات مالية أو تقسيم ساعات العمل بين كل العمال لتوفير مصدر رزق محترم لكل أفراد المجتمع. التقديرات السائدة لما قد ستكون عليه صورة عالم ما بعد كورونا هي أن الكثير من المهن التي قد اختفت بفترة كورونا لن تعود، وإن الاقتصاد العالمي يتوجه نحو نمط إنتاج جديد محكوم بالروبوتات والعقل الاصطناعي والتجارة عبر الانترنيت وتطبيقات الإنترنيت، وبما أننا مقبلين على الانتقال إلى مرحلة الاعتماد على الطاقة المتجددة والسيارة الكهربائية والذاتية. واضح أن الأزمة الكونية الناتجة عن وباء كورونا كانت بمثابة الحافز لهذا التطور العلمي الذي يستوجب فكر سياسي واجتماعي جديد.

إن عالم ما بعد كورونا، وما بعد سقوط ترامب سيكون عالماً متغيراً. وستحظى الكثير من التطورات والقضايا العالقة في الشرق الأوسط، سواء في مصر أو سوريا أو إيران وبقية الدول العربية، باهتمام من خلال تحقيق ما لم يتم تحقيقه في الحلقة الأولى من مسلسل الربيع العربي. وإذا أراد ترامب أن ينقذ مصير النظام السعودي وحلفائه في الخليج من خلال التحالف غير المقدس مع إسرائيل فالتغيير في أمريكا سيبشر بنهاية هذه الأنظمة التي أصبحت منبوذة في العالم بعد تدخلها الدموي في اليمن وقمعها للمعارضة الداخلية وانحيازها المطلق لترامب. كما إنها تبشر بنهاية عهد نتنياهو الذي فقد شعبيته ولم يعد الناخب الإسرائيلي يثق به، سيمثل أمام المحكمة التي تلاحقه بتهم جنائية وسيواجه إدارة أمريكية جديدة لا يمكنها أن تنسى ما قام به نتنياهو من دعم لترامب وبالتالي ساهم في الكارثة التي تعيشها أمريكا.

هذا التغيير لن يكون تلقائياً بل يتطلب مجهوداً وعملاً فكرياً وسياسياً ونضالياً جباراً. وأصبح من الواجب اليوم على شرائح واسعة الانحياز إلى جانب التغيير بعدما كشفت الشعوب الانتكاسات الخطيرة نتيجة بقاء النظام الاقتصادي السائد، الذي يقود إلى الدمار وإلى الفاشية، فمن يريد القضاء على هذه الانتكاسات عليه أن يغير من توجهاته ويعتمد تحولات جذرية في كافة مجالات الحياة. في عالم ما بعد كورونا لا مجال لزعماء فاشيين وشعبويين مثل ترامب أو للأنظمة الاستبدادية مثل نظام السيسي في مصر أو أنظمة الفساد والقمع في الخليج، كما ليس هناك مكاناً لنظام الأبرتهايد الإسرائيلي.

ومن هذا المنطلق نرى أن من يتظاهر ضد نتنياهو في شوارع القدس وتل أبيب تحت العلم الإسرائيلي بأنه يقوم بانتقاد نفسه بنفسه ويبقى خارج صيرورة التاريخ. فمظاهرات السود في أمريكا ترفض التحية للعلم الأمريكي بسبب العنصرية المواجهة ضدهم، وفي إسرائيل هذا العلم لا يعبر لا من قريب ولا من بعيد عن توجه جذري للتغيير المطلوب. نحن متيقنون بأن التغيير في إسرائيل سيكون متأثراً بالتغييرات العميقة التي تمر بها أمريكا وسيكون له أثراً إيجابياً في تقوية التوجه الديمقراطي في العالم العربي. ومن المقرر أن يظهر التغيير الديمقراطي في المجتمع الإسرائيلي بنضال مشترك إسرائيلي فلسطيني لأنه إذا بقى النضال محصوراً بإسقاط نتنياهو فالنتيجة ستكون فوز اليمين واستمرار الأزمة.

المهمة الملحة اليوم قبل كل شيء هي خلق حوارا أوسع حول المستقبل والمساهمة به من خلال عملنا الميداني الجماهيري، وكذلك من خلال نشر مواقفنا بمقالات وتحليلات وندوات وتطوير التعاون والحوار وتنظيم الحملات مع كل من يريد التغيير بهدف بناء ائتلاف ديمقراطي واسع فلسطيني إسرائيلي كجزء من الربيع العربي والحركة الديمقراطية في أمريكا. إننا نرى بكل تحرك ديمقراطي ضد السلطة الفلسطينية وضد حماس، الذي يطالب بالحرية وبالديمقراطية حليفاً طبيعياً لنا.

والتاريخ يرفض أن يتوقف، وما الثورة المعلوماتية والإنترنيت والتنقل السريع بين كل التجارب الثورية في العالم إلا أدوات تفتح المجال للتغيير هنا داخل فلسطين وإسرائيل. لذا تشكل الأزمة الحالية، داخل إسرائيل من ناحية وداخل السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى، فرصة ودافع وتفتح الطريق أمام التغيير وطرح أفكار جديدة. إنها مبادرة لفتح حوار واسع حول كل القضايا ابتداءً من العلم والنكبة والشراكة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والبيئة والنظام الاقتصادي والطاقة المتجددة ووصولاً إلى كل ما يوحدنا كبني البشر.  

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.