أوباما يعلن توبته لنتنياهو

فرشت إسرائيل السجّاد الأحمر احتفاءً بالرئيس الأمريكيّ الذي جاء من أجل مخاطبة الشعب الإسرائيليّ بعد أن اختار في الانتخابات الأخيرة حكومة جديدة يحتلّ فيها اليمين المستوطن المتطرّف وزارات ذات وزن سياسيّ واقتصاديّ كبيرين. بعد أربع سنوات من التوتّر والعلاقات الفاترة بين البيت الأبيض ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وفي الوقت الذي أمل فيه كلّ من أوباما ونتنياهو أن يخسر الآخر الانتخابات، جاء الوقت لتقبّل النتيجة ورصّ الصفوف بعد أن حصلا على ثقة متجدّدة من شعبيهما.

الصحيح هو أنّ نتنياهو فقد ثلث قوّته البرلمانيّة واضطرّ لقبول الشروط التي وضعها أمامه التحالف المستهجن بين حزب المستوطنين بقيادة نفتالي بنيت وحزب الطبقة الوسطى بقيادة يئير لپيد اللذين عملا على إقصاء حلفاء نتنياهو التاريخيّين من الأحزاب المتديّنة شاس وأچودات يسرائيل. أمّا أوباما فقد نجح في الفوز في الانتخابات ولكن بعد صعوبات جمّة ودون أن يحلّ المشكلة الأساسيّة التي تواجهه؛ وهي سيطرة الحزب الجمهوريّ على الكونغرس الأمريكيّ مما يعرقل قدرته على تمرير سياسته الاقتصاديّة. دفع نتنياهو وأوباما ثمن خيبة الأمل الكبيرة من أدائهما الاقتصاديّ الذي وسّع الفجوات الاجتماعيّة لصالح الأغنياء على حساب العمّال.

لكنّ أوباما لا يأتي إلى إسرائيل من أجل حلّ مشاكلها الاقتصاديّة التي تتمحور أساسًا حول عجز كبير في ميزانيّتها نظرًا لشحّ الإيرادات من الضرائب، لأنّ المشاكل الاقتصاديّة التي تعاني منها أمريكا هي أكبر بكثير، وبخلاف ما يحدث في إسرائيل، تعاني الإدارة الأمريكيّة من شلل سياسيّ نتيجة الصراع المحتدم بين أوباما والمعارضة الجمهوريّة في الكونغرس. لذا فإنّ السبب الحقيقيّ لزيارة أوباما هو رأب الصدع بينه وبين نتنياهو نظرًا للتقلّبات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي تهدّد مصالح البلدين.

منذ زيارة أوباما للمنطقة وخطابه في جامعة القاهرة، شهد الشرق الأوسط تحوّلات جذريّة وكثيرة؛  فليبيا وتونس ومصر واليمن والعراق وسورية ولبنان تشهد شبه حروب أهليّة تهدّد كيان هذه الدول، لتنتشر ظاهرة الصومال إلى الشرق الأوسط برمّته. وقد تجاوزت الثورات العربيّة الممالك العربيّة في المغرب والسعوديّة والأردن والإمارات العربيّة المتّحدة، التي أصبحت بالإضافة إلى إسرائيل بؤر الاستقرار في المنطقة وحلفاء طبيعيين لأمريكا. وإذا كانت قضيّة فلسطين في الماضي قد تصدّرت الأجندة العربيّة وكانت مصدرًا للصراع بين الدول العربيّة المعتدلة ودول الممانعة، فاليوم أصبحت فلسطين القضيّة الأقلّ أهمّيّة بعد أن كشفت الشعوب العربيّة بأنّ قضيّتها لا تقلّ خطورة عن القضيّة الفلسطينيّة وبأنّ قمع الأنظمة لشعوبها قد تجاوزت حدّته أحيانًا القمع الذي تمارسه إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطينيّ.

ومن هنا فزيارة أوباما لإسرائيل تهدف إلى الوصول إلى أعلى درجة من التنسيق في التعامل مع التحوّلات الاستراتيجيّة التي تشهدها المنطقة، وعلى رأسها النفوذ الإيرانيّ الذي يهدّد الاستقرار في دول الخليج وفي مقدّمتها السعوديّة ومن ثمّ البحرين والعراق وسورية ولبنان. وإذا كانت القضيّة النوويّة الإيرانيّة هي الذريعة للحدّ من النفوذ الإيرانيّ في المنطقة؛ فسوريّة هي القضيّة الساخنة التي تستوجب علاجًا طارئًا نظرًا للمخاطر التي تهدّد بتفكّك الدولة وانعكاساتها على أمن الدول المجاورة وتحديدًا تركيا ولبنان وإسرائيل.

وفي هذا الإطار الإقليمي، فقدت القضيّة الفلسطينيّة من أهمّيّتها وخطورتها الاستراتيجية، وتحوّلت من مشكلة عربيّة عامّة إلى مشكلة إسرائيليّة داخلية لا غير. إنّ استمرار النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ يهدّد أمن إسرائيل ، وعليها أن تتعامل معه دون أخذ الدول العربيّة المجاورة في حساباتها. ان بالنسبة لإسرائيل، فدوام الوضع القائم هو الحلّ، كما تدلّ على ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة. ولاية نتنياهو التي امتدّت على مدار أربع سنين دون تفاوض مع الفلسطينيّين كانت الأكثر هدوءً من الناحية الأمنيّة ممّا أتاح للإسرائيليّين فرصة لصبّ اهتماماتهم في القضايا الداخليّة مثلهم مثل سائر شعوب العالم دون أن يلتفتوا بتاتًا إلى ما يحدث في الجانب الثاني من جدار الفصل في الضفّة الغربيّة. أمّا بالنسبة لغزّة، ترى إسرائيل أنّ ما تقوم به حماس من قصف بالصواريخ بعد أن انسحبت إسرائيل وأزالت المستوطنات لا مبرّر له إطلاقًا.

إنّ التحوّل السياسيّ في مصر وسيطرة الإخوان المسلمين على الحكم قد عاد على إسرائيل بالفائدة، حيث أتاح وجود الإخوان في السلطة فرصة التوصّل إلى اتّفاق مع حماس بعد الحرب الأخيرة، هذا الاتّفاق الذي يضمن لحماس السيطرة على غزّة، ويتيح لمصر وقطر تمويل ورعاية مصالح الحكومة في غزّة. وبالنسبة للضفّة الغربيّة، فالحكومة الفلسطينيّة برئاسة سلام فيّاض تموّلها إسرائيل التي تجبي أموال الجمارك ومساعدات الدول المانحة وتحوّلها إلى السلطة الفلسطينيّة، الأمر الذي يكرّس تعلّقها التامّ بإسرائيل وأمريكا. انقسمت فلسطين إلى قسمين؛ الأوّل يتبع لأمريكا بالكامل والثاني للإخوان المسلمين وقطر، وكلّ محاولات التوفيق بين الطرفين باءت بالفشل.

وقد دخلت حماس في مواجهة مع الرأي العامّ المصريّ وتحديدًا مع المعارضين للإخوان المسلمين، الذين يتّهمونها بالتورّط في قتل الجنود المصريّين أثناء تناول الإفطار في شهر رمضان في رفح المصريّة وبالمسّ بالأمن المصريّ وتهريب الوقود المدعوم عبر الأنفاق التي تربط بين سيناء وغزّة. أمّا السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة فتواجه أزمة اقتصاديّة خانقة بسبب العجز في ميزانيّتها الذي يؤدّي إلى تأخير دفع رواتب موظّفيها وإلى بطالة 250 ألف عاطل عن العمل. وقد استغلّت حركة فتح هذا الوضع لتنظيم إضرابات مهنيّة ضدّ حكومة سلام فيّاض كجزء من الصراع على الهيمنة على الحكم، وفي الوقت الذي تشترط فيه أمريكا تقديم مساعداتها الماليّة بوجوب ترأّس فيّاض للحكومة، تشكو فتح من إبعادها عن السلطة والمناصب.

ومن هنا أصبح الحديث عن دولتين لشعبين شعارًا خاويًا، ليس بسبب الرفض الإسرائيليّ المطلق فحسب، بل لأنّه لا يحظى بإجماع فلسطينيّ داخليّ. في الواقع توجد إمارة اسلاميّة في غزّة ترتبط بمصر وحكم ذاتيّ في الضفّة الغربيّة حاز على صفة دولة مراقبة في هيئة الأمم المتّحدة. ومن هنا حسم الجمهور الإسرائيليّ الأمر وتبلور الإجماع الصهيونيّ العامّ حول الفرضيّات التالية: لا يمكن التوصّل إلى حلّ نهائيّ للصراع مع الفلسطينيّين، لا بدّ من الإبقاء على المستوطنات في كلّ تسوية مستقبليّة، لا يوجد شريك فلسطينيّ يملك القدرة على تمثيل الشعب بكامله، مسألة التسوية مع الفلسطينيّين ليست مسألة رئيسيّة بل المسألة الأساسيّة هي القضيّة الاقتصاديّة والعلاقات الداخليّة بين اليهود المتديّنين الذين لا يخدمون في الجيش، والمواطنين العرب الذين لا يعترفون بيهوديّة الدولة ولا يخدمون في الجيش أيضًا وسائر قطاعات الشعب الإسرائيليّ.

جاءت حكومة نتنياهو الجديدة “لتطبيع” الاحتلال، وبعد أن تخلّت عن غزّة وتوصّلت إلى تسوية غير معلنة مع حماس، تبحث الحكومة الجديدة عن حلّ غير معلن مع السلطة الفلسطينيّة. في مقدور إسرائيل تخفيف صعوبة الحياة الاقتصاديّة في الضفّة الغربيّة من أجل الحفاظ على الهدوء النسبيّ مقابل السكوت الفلسطينيّ على البناء في المستوطنات. هذا هو التوجّه العامّ للحكومة الحاليّة التي تريد أن يبقى الفلسطينيّين سكّانًا بدون مواطنة داخل ما يسمّى دولة فلسطين في حدود مؤقّتة.

هذا هو الوقع الذي ينتظر أوباما في زيارته، ومهمّته الأساسيّة هي منع إسرائيل من تصعيد الأمور اكثر ممّا هي عليه اليوم. ومع ذلك، الصعوبات التي تواجه أوباما داخل الولايات المتّحدة نفسها، من ديون متراكمة وفجوات اجتماعيّة كبيرة وبطالة متفشّية، بالإضافة إلى الأزمات في أوروبا والعالم العربيّ، تشير إلى مزيد من التحوّلات السياسيّة التي ستشهدها أمريكا والعالم برمّته. أمّا إسرائيل فهي تعتقد بأنّ الأزمة الاقتصاديّة التي أصابت قبرص في الآونة الأخيرة، قد تتوقّف عند شواطئها، ولن تدخل إسرائيل، ولذلك يمكنها الاستمرار في نهجها الاقتصاديّ الرأسماليّ الذي أثبت فشله في كلّ مكان. فالنفقات على الاستيطان وميزانيّة الأمن هي على حساب العمل والسكن وباقي الخدمات ممّا يصعّب على الجمهور العامّ الحفاظ على مستوى معيشته. أمّا بالنسبة للفلسطينيّين فالوضع الحاليّ سيؤدّي عاجلاً أم آجلاً إلى الانفجار، واللامبالاة الفلسطينيّة الحاليّة ستتحوّل إلى غليان عارم لأنّ المال لا يمكن أن يعوّض عن الحرّيّة والسعي إلى الاستقلال.

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.