أين إسرائيل من سورية

أغار الطيران الإسرائيلي على مطار المزة العسكري القريب من دمشق واستهدف مخازن للأسلحة كانت كما يبدو موجهة من طهران إلى حزب الله. وكانت هذه الغارة الثانية التي تقوم بها إسرائيل خلال أسبوع وبنفس الحجة أي منع وصول أسلحة من إيران إلى حزب الله اللبناني. وتتزامن هذه الغارة مع التقدم الملحوظ للقوات النظامية وشركائها في حلب التي أوشكت على السقوط مما سيكون بلا شك ضربة قوية جداً للمعارضة وللشعب السوري وانتصاراً للنظام وحلفائه من الروس والإيرانيين. ويتبين من تطور الأحداث أنه كلما تقدم النظام في حسم معركة حلب ليحقق هدفه في السيطرة على “سورية المفيدة” يتزايد التدخل الإسرائيلي وتعلو وتيرة الهجمات التي لم تعترف بها إسرائيل رسمياً ولكن ومع الوقت تصبح شيئاً اعتيادياً لا يمكن التهرب منه أو نفيه.

ورغم هذا الانتصار الوشيك لمحور الشر الجديد الذي تلقى الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي المنتخب حديثاً دونالد ترامب فالتدخل الإسرائيلي في سورية يكشف القليل من النوايا الإسرائيلية تجاه سورية ما بعد حلب. إن هذه الهجمات المتكررة التي تتم بمعرفة الروس وبالتنسيق معهم تدل على أن “الانتصار” في حلب من الممكن أن يعتبر انتصاراً على المعارضة ولكن لا يعني أن سورية انتصرت أو أن النظام السوري سيعيد لنفسه السلطة والسيادة على البلاد بل بالعكس. فمن يقاتل في حلب هم الروس وإيران والميليشيات التابعة لها والنظام هو الواجهة فقط، الطرف الرسمي الذي يمنح للروس وإيران الشرعية ليستبيحا حلب عن بكرة أبيها. ربما صحيح أن المعارضة المسلحة هُزمت في معركة حلب ولكن النظام قد هزم معها وأصبحت سورية محمية تحت انتداب أربع قوى إقليمية رئيسية وهي تركيا، إيران، إسرائيل وروسيا.

وإذا دلّ التنسيق الروسي الإسرائيلي على شيء فإنه يدل على أن لروسيا وإسرائيل هدفاً مشتركاً وهو أن لا تتحول سوريا إلى قاعدة إيرانية. إن انتخاب ميشيل عون حليف حزب الله رئيساً للبنان بموافقة سعد الدين الحريري يشير إلى أين تتجه الرياح، وزيارة قاسم سليماني فوق ركام حلب تؤشر أيضا إلى أن إيران ترى في نفسها السيد ليس في لبنان فحسب بل في سوريا أيضاً. إن الكابوس الأكبر بالنسبة لاسرائيل هو أن تمتد جبهتها مع إيران من الجنوب اللبناني وصولاً إلى هضبة الجولان وأن يتحول الاقليم السوري الكبير إلى ساحة خلفية لحزب الله. إن الهدف الإسرائيلي لا يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية الروسية التي أنزلت هي أيضاً جنودها في حلب وبعثت قوافل الإغاثة الإنسانية مزينة بالعلم الروسي لتظهر إنسانيتها ولتمنع من إيران الاستفراد بالنصر الكبير على حلب وسكانها العزل.

هنالك من يدعي بأن وجود النظام السوري “العلوي” هو من مصلحة إسرائيل بسبب الهدنة التي التزم بها طيلة 40 سنة في هضبة الجولان ولكن للحقيقة فإن الموقف الإسرائيلي من هذا النظام كان دائماً مزدوجاً، ففي الوقت الذي قيّم عالياً حرصه على الهدوء في الجولان إلّا أنه اعترض وبقوة على دعم النظام السوري لحزب الله وتحالفه مع طهران. ومن هنا فالموقف الإسرائيلي من الثورة السورية كان أيضاً موقفاً مزدوجاً فلا يتحمّس للثورة السورية مثلما تخوّف من الربيع العربي بسبب تداعياته الإقليمية وتحديداً كونه يشكل خطراً على وجود الأنظمة العربية الصديقة في مصر والأردن والسعودية ولكن وفي نفس الوقت تتخوف من السيطرة الإيرانية على سورية. ومن هنا فقد حددت الحكومة الإسرائيلية حدود تدخلها في سوريا وهي منع انتشار حزب الله على الحدود في هضبة الجولان، منع نقل الأسلحة عبر مطار المزة، ومنع سيطرة طهران على دمشق وكل هذا بالتنسيق مع الروس.

أما من يدعي من هؤلاء “الممانعين” بأن الانتصار الإيراني، الروسي، الأمريكي والأسدي في حلب هو ضربة لإسرائيل فكل ما يقصده هو تبرير المجزرة الرهيبة والجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الشعب السوري وسكان حلب العزل، فهذه الجريمة قامت بإيعاز من الرئيس الامريكي المنتخب ترامب وهو أكبر حليف لنتانياهو وعدو لدود لإيران وبفضل التدخل الروسي الذي أنقذ النظام الذي كان على وشك السقوط. إن التدخل الروسي لإنقاذ النظام لا علاقة له بالممانعة بل على العكس فروسيا تريد الهيمنة المطلقة على سورية وتنافس طهران ومن هنا قد تتناسق مع إسرائيل وتركيا لتتقاسم النفوذ عليها. فإذا كانت إسرائيل وأمريكا تدعم المعارضة السورية بقوة كما يدعي الممانعون لكان النظام السوري قد سقط ومنذ زمن بعيد وكان بوتين يحسب ألف حساب قبل أن يتدخل وبشكل سافر ليذبح في الشعب السوري وهو يستفيد من لا مبالاة العالم برمته.

ومن ناحية أخرى يوجد اليوم وبعد أن وقعت الثورة السورية في محنتها الصعبة من يتهم إسرائيل بأنها لا تريد سقوط النظام وهي السبب الرئيسي لفشل المعارضة وسقوط حلب. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن لسقوط حلب أسباب كثيرة جداً وإسرائيل ليست سوى واحدة منها ولكن ليست الرئيسية. إن الثورة السورية أصبحت ضحية للغدر والخيانة من كل من ادعى بأنه صديقها وعلى رأسها الرئيس الامريكي المهزوم براك أوباما الذي وعد الكثير ووفى بالقليل ومنع عن المعارضة الصواريخ المضادة للطيران. وقد تمزقت المعارضة السورية بين قطر والسعودية وتركيا التي دعمت وسلحت الميليشيات المتعددة التي تنافست بل وأحيانا تقاتلت الواحدة ضد الثانية بحثاً عن تقاسم جلد الدب قبل اصطياده وبالتالي أضرت بسمعة الثورة ومشروعيتها. إنها ثورة فقدت قيادتها التي انشقت هي ايضا من الداخل حسب الولاءات الإقليمية وبالتالي تركت فراغاً سياسياً كبيراً امتلأ بالجهاديين من كل الأنواع والأجناس.

لم نكتب من باب تبرئة إسرائيل بل من باب الدعم الكلي للربيع العربي والثورة والشعب السوري. إن شيطنة إسرائيل ليست سوى سلاح ذو حدين، يستخدم من قبل هؤلاء الذين يريدون أن يغطوا على ضعفهم الذاتي وفي نفس الوقت تستخدم من قبل كل من يريد أن يبرر الجرائم التي ترتكب بحق الشعوب العزل. فباسم الممانعة سيطر حزب الله على لبنان، وباسم تحرير القدس يقمع نظام الملالي شعبه في إيران ونظام الأسد يذبح شعبه ويهجر الملايين. من يريد أن يتهرب من محاسبة الذات، من التعلم من الاخطاء، من تصحيح المسار يشير بإصبع الاتهام إلى إسرائيل. نعم إسرائيل هي دون شك عدو للعرب بسبب احتلالها في فلسطين ودعمها لكل الأنظمة القمعية في المنطقة وهي ليست عدو للعرب فقط بل هي عدو للديمقراطية. ومع ذلك ليست العدو الرئيسي بل أصبحت عدوا ثانويا بعيدا عن النفوذ الذي تمتعت به في عقود سابقة.

من يراقب ما يحدث في الشرق الأوسط سيجد أعداء كثر وهم يشكلون خطراً داهماً على وجود المجتمع العربي ومستقبله، فإيران وكل حلفائها من حزب الله إلى الحوثيين إلى النظام العراقي يتسببون بحروب أهلية قد دمرت بلاد بأكملها، والسعودية وقطر تساهمان أيضا في نشر التطرف الديني كلقاح ضد الفكر الليبرالي الديمقراطي، ولا يمكن القفز عن داعش التي تتسرب كالجرثومة إلى الجسم العربي الضعيف وإذا أضفنا النظام القيصري في روسيا والقيصر الأمريكي الجديد سنصل إلى الاستنتاج الطبيعي بأن إسرائيل ورغم كل جبروتها العسكري ونفوذها الإقليمي ليست سوى حلقة واحدة من الحلقات المتعددة التي تخنق بل تحارب حركة الشعوب العربية التي تطلب لنفسها الحق الطبيعي للعيش بمجتمع ديمقراطي وعادل مثلها مثل بقية شعوب العالم.

אודות يعقوب بن افرات