إسرائيل: الحملة ضد “المندسين” في الداخل

الساحة السياسية الإسرائيلية تهج وتمج في أعقاب حادثين مختلفين لكن بينهما قاسماً مشتركاً هو الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. لا نقصد هذه المرة عمليات الطعن أو الدهس التي يقوم بها الشباب الفلسطينيون بل اعتقال المشتبه بهم بحرق وقتل عائلة الدوابشة في قرية دوما الذين يتعرضون ولأول مرة للتعذيب القاسي من قبل المخابرات بهدف انتزاع اعتراف منهم بأنهم هم من قام بتنفيذ الجريمة. ان التعذيب أمر عادي حين يستعمل ضد الفلسطيني ولكنه غير مقبول ضد اليهودي وتحديدا ضد المستوطنين الذين يتمتعون بحماية الجيش والمخابرات. ولكن ما حدث في دوما في أيلول 2015 وقبل ذلك عندما تم قتل وحرق الشاب محمد أبو خضير كان له تأثير كبير في دفع الشبان الفلسطينيين على اتخاذ مبادرات فردية ضد المستوطنين وحتى المواطن الاسرائيلي العادي مما أقلق الحكومة اليمينية.

ولكن نحن بصدد حادثة مختلفة والتي لها أيضا علاقة مباشرة بالوضع الأمني الغير مستقر داخل إسرائيل ألا وهي الحملة التحريضية الشرسة التي بادرت إليها الجمعية اليمنية “إذا أردتم” (إم ترتسو) ضد الجمعية اليسارية “نكسر الصمت” (شوفريم شتيكا) تحت عنوان “المندسين”. الحملة ضد جمعية “نكسر الصمت” تتهم هؤلاء بأنهم خونة يعملون لصالح دول أجنبية معادية لإسرائيل. وقد تقدم النائب في الكنيست الإسرائيلي من الليكود يؤاب كيش بمشروع قرار ينص على إغلاق كل الجمعيات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان بتمويل من الخارج وتضم الحملة أيضا “صندوق إسرائيل الجديد” وهي مؤسسة إسرائيلية تتلقى أموالها من يهود أمريكا وتموّل الكثير من الجمعيات الليبرالية والتقدمية الإسرائيلية اليهودية والعربية في البلاد. وتحظى هذه الحملة التحريضية بدعم كلي من قبل رئيس الحكومة، ووزير الدفاع ووزير التربية والتعليم مما يعني أننا لسنا أمام حملة تمثل الهوامش الراديكالية في اليمين بل اليمين الوسطي الحاكم أيضاً.

ما يثير غضب الحكومة الإسرائيلية هو ما تعتبره اجتيازاً للخط الأحمر من قبل جمعية “نكسر الصمت” التي تنظم ضباطاً وجنوداً في الجيش من الذين قرروا الخروج عن الصمت حول ممارسات الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة. إننا نتكلم عن جنود وضباط في الوحدات القتالية مما يضفي على شهاداتهم مصداقية إضافية، إنهم يعلنون إخلاصهم للجيش وللدولة اليهودية ولا يمكن اتهامهم بتاييد العدو مثل ما تقوم به إسرائيل بالنسبة للفلسطينيين بأنهم يكذبون عمداً أو منحازون إلى الفلسطينيين. وقد جمعت الجمعية أكثر من ألف شهادة ووصل الأمر إلى ذروته في الحرب الأخيرة على غزة “الجرف الصامد”. أثناء الحرب وقبل دخول غزة تم توزيع تعليمات على الجنود مفادها عدم وجود مدنيين في الأحياء السكنية وكل من يتحرك هو هدف عسكري مسموح قتله. النتيجة المأساوية لهذه التعليمات كانت واضحة فأغلبية من تم قتلهم أو جرحهم أثناء الحرب لم يكونو من المقاتلين بل مدنيين وبينهم مئات من الأطفال الأبرياء.

وإذ تمثل “إذا أردتم” اليمين الوسطي في إسرائيل فالضباط الذين قرروا الخروج عن صمتهم لم يمثلو الهوامش في المجتمع الإسرائيلي وهم يتلقون الدعم من قبل أهم الشخصيات التي تمثل المؤسسة الأمنية في إسرائيل ومن بينهم إثنين من رؤساء المخابرات (الشين بيت) وهما عامي آيالون ويوفال ديسكين، ومن كان قائد الجبهة الشمالية ونائب رئيس الموساد الجنرال عميرام ليفين وغيرهم من قادة الجيش والشرطة. وما يجمعهم كلهم هو الاعتقاد بأن الاحتلال يكبد المجتمع الإسرائيلي ثمناً أخلاقياً غالياً جداً والإستيطان الذي يمنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة يقود إلى دولة أبارتهايد مما سيفقد إسرائيل صفتها الديمقراطية وأغلبيتها اليهودية. وقد يشمل هذا الإعتقاد شريحة كبيرة جداً في المجتمع الإسرائيلي التي تريد إنهاء الاحتلال ليس من باب التعاطف مع الفلسطينيين بل من باب الخوف منهم وأحياناً عنصريتهم.

إن الحملة الشرسة ضد “العدو الداخلي” تعبر عن احتدام الإنقسام بين اليمين واليسار الصهيوني الذي تعمق بعد الانتخابات الأخيرة التي سد فيها نتانياهو الباب أمام إمكانية الوصول إلى حل مع الفلسطينيين وحرض ضد المواطنين العرب في إسرائيل. إنه ولأول مرة اضطر نتانياهو إلى تشكيل إئتلاف يميني صرف دون غطاء يساري مثلما كان في الحكومات السابقة التي كان قد شكلها في عام 1999 وفي 2009 وفي 2013. الحكومة الحالية تحظى بأغلبية ضئيلة في البرلمان إذ يشمل الإئتلاف على 61 عضو كنيست من أصل 120 وهو يتعرض إلى ضغط كبير من الخارج في أوروبا وأمريكا وإلى موجة من أعمال مقاومة فردية لا مثيل لها. إن اليمين الإسرائيلي والمستوطنين في موقف حرج لدرجة أنهم لا يتحملون نشاط منظمات حقوق الانسان التي تنشط في إسرائيل منذ سنوات طويلة وأصبحت الآن مستهدفة ككيانات مدسوسة تعمل لصالح أجندات خارجية.

ورغم كون اليمين في حالة من العزلة الدولية ودون جواب لأهم مشكلة وجودية تقلق أغلبية الإسرائيليين وهي مستقبل الدولة على ضوء رفض البحث عن أي حل مع الفلسطينيين إلا أنه ما من بديل سياسي له يهدد سلطته وحكومته. إن الإنقطاع التام بين اليسار الإسرائيلي والفلسطينيين، عدم وجود أي نوع من التعاون بين حزب العمل والقائمة العربية المشتركة في الكنيست يقوي من قوى اليمين وادعاءاتهم بأنه لا شريك للسلام وبأن كل ما يريدوه الفلسطينيون هو تدمير إسرائيل والعودة إلى يافا وعكا. إن المقاطعة العربية لكل ما هو إسرائيلي بغض النظر عن الموقف السياسي هو هدية لليمين الإسرائيلي وموقف يعبر عن يأس وإحباط أكثر مما هو موقف مبدأي مقاوم.

ويدور اليوم نقاش في الأوساط السياسية الفلسطينية وداخل أروقة السلطة حول مستقبل القضية الفلسطينية، هل الإستمرار بالتمسك في الدولة المستقلة أو العودة إلى شعار الدولة الواحدة الديمقراطية. والحقيقة أن هذا النقاش هو مصطنع وخارج النطاق السياسي. إن من يدعو إلى دولة مستقلة لا بد أن يجد لنفسه شريكاً في الطرف الإسرائيلي للوصول إلى اتفاق على تقسيم فلسطين إلى دولتين. أما من يريد دولة واحدة فلا بد له من أن يجد لنفسه من يشاركه من اليهود الذين سيكونون مواطنين متساوي الحقوق في مثل هذه الدولة المستقبلية. فكيف يمكن الحديث أن أي حل دون الاشتباك مع هؤلاء اليهود الذين من المفترض أن يكونوا شركاء في الحل. إن المقاطعة المطلقة لكل ما هو إسرائيلي ليس يعبر إلا عن ضعف وفقدان البرنامج وهذا يساند اليمين الإسرائيل ويضعف القوى الديمقراطية في إسرائيل التي سئمت من الاحتلال وممارساته.

من الممكن الإدعاء بأن القوى المناهضة للاحتلال في المجتمع الإسرائيلي هي قوى ضعيفة وهامشية. (رغم أنها تحظى بدعم من قلب المؤسسة الإسرائيلية مثل ما أسلفنا) لكننا نرى بأن قوتها أو ضعفها لا يمكن فصله عن التأثير السلبي الذي يمارسه الطرف الفلسطيني والذي أصبح منذ اتفاق أوسلو منقسماً على نفسه وصاحب رسالة مزدوجة. صحيح أن قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية قدمت كل التنازلات ولم تتمكن من إزاحة ولو مستوطنة واحدة لكن هذا يدل على ضعف موقفها وهشاشة أسلوبها. إن السلطة الفلسطينية منذ أول يوم لتشكيلها لم تكن جدية أبداً في إصرارها على إزالة الإستيطان. موقفها كان يحمل رسائل مزدوجة: يد واحدة تنسق مع الاحتلال واليد الثانية تحارب حماس وما من يد قوية للتفاوض الجدي حول حل جذري للقضية. إن السلطة الفلسطينية تقدم هدية لليمين من خلال التنسيق الأمني والمجتمع المدني الفلسطيني يقدم هدية ثانية من خلال المقاطعة، ومن يدفع الثمن هو أولا الشعب الفلسطيني الذي يجد نفسه دون حليف وكذلك القوى الديمقراطية الإسرائيلية التي تتعرض اليوم إلى حملة تحريض شرسة من قبل اليمين الذي يسعى إلى نزع كل شرعية عنها. إن العزوف عن التدخل في النقاش الداخلي في إسرائيل هو لا شك غباء سياسي وتضييع لفرصة ضرب اليمين والمستوطنين وفي المقابل بناء شراكة مع كل من لا يعارض بل يساند النضال الفلسطيني ضد الاحتلال. إن الرد على التنسيق الأمني هو التنسيق السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يبحثون عن مستقبل مشترك بعيد عن التطرف القومي والديني من قبل كلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء.

        

אודות