الأقصى في خطر شعار وبرنامج

هبّة فلسطينية جديدة تعمّ في أنحاء فلسطين تشمل مناطق 48 وكل حزب، تيار او محلل يجتهد في تسميتها بل وتلوينها بالألوان التي تناسبه، مع أن الشعار واضح ولكن البرنامج غامض. غموض البرنامج يسمح لكل واحد أن يُلبس هذه الانتفاضة تارة بلباس قومي، تارة اخرى بلباس شيوعي ولكن من يصغي بإمعان للحديث وهتافات الشعب لا يمكن أن لا يميز الطابع الديني الذي أصبح وقود التحرك لهذه الهبّة الشبابية الجديدة.

واضح كل الوضوح من هو المسؤول عن اندلاع هذه لانتفاضة وهنالك إجماع واسع النطاق حتى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بأن حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتانياهو تتحمل كامل المسؤولية على ما يحدث. إن من رفض التفاوض مع الفلسطينيين، استمر في توسيع الاستيطان، بل ويقول صراحة بأن لا مجال لدولة فلسطينية وبـأنه على الشعب الإسرائيلي أن يقبل التعايش مع الاحتلال، وهو في نزاع دائم مع الفلسطينيين، لا يُبقى مجالاً إلّا لليأس والاحباط الذين يتفجران في وجهه عن طريق انتفاضة السكاكين.

لا بل وزيادة على ذلك وبالتوازي مع النشاط العسكري المستمر منذ سنة 1967 والذي يعتقل، ويهين الشعب على الحواجز ويقتل الأبرياء بين الحين والآخر، ينشط المستوطنون المدعومون من قبل الجيش ووظيفتهم ترهيب المواطن الفلسطيني من خلال اعتداءات جسدية، اعتداءات على الاملاك وكروم الزيتون وحتى حرق عائلة بكاملها احتجاجا على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية التي أمرت بهدم البيت الذي أُقيم بشكل غير قانوني على أرض تابعة لمواطن فلسطيني في الضفة الغربية. وزير الدفاع يعلن بأنه يعرف من قام بالعمل الإجرامي الفظيع ولكن حتى الان لم يعتقل أحد.

وإذا كان كل هذا غير كافٍ فالوضع الاقتصادي في المناطق المحتلة يزيد من اليأس، الإحباط وبشكل طبيعي الغضب العارم. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نسبة البطالة بين الشباب الفلسطيني تصل في الضفة الغربية إلى 30% أما في غزة فتصل إلى 63% من الممكن فهم لماذا يخرج الشباب وبكثافة إلى الشوارع ويقومون بعمليات شبه انتحارية غير منظمة فحتى وحسب اعتراف الجهاز الأمني الإسرائيلي لا أحد يقف وراء هؤلاء الشبان سوى ما يسمى الشبكات الاجتماعية التي تثير مشاعرهم وتدفعهم إلى القيام بمثل هذه الأعمال.

وإذا كانت الأسباب واضحة المعالم فلا بد من الوقوف عند البرنامج الغائب عن هذه الانتفاضة والتي دون شك استطاعت أن ترهب بل وتربك الحكومة الإسرائيلية التي تقف عاجزة أمامها ومعزولة لأن دول العالم وعلى راسها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قد حذرت نتانياهو مرراً وتكراراً بأن سلوكه الغبي سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى نشوب انتفاضة ثالثة. إن المنطق يقول بأنه اذا كان من قام بعمليات الطعن غير مؤطر سياسياً فمن الطبيعي أنه لا يوجد وراء العملية برنامج سياسي. أكثر من ذلك فالسلطة الفلسطينية في رام الله تكرر بانها ليست معنية بانتفاضة وهي تستمر بالتنسيق الأمني مع إسرائيل وفي نفس الوقت حركة حماس معنية بهدنة من أجل إعادة بناء غزة بعد الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

أكثر من ذلك فالكل متفق بأن الوضع العربي اليوم، الإنقلاب العسكري في مصر وعدوانية عبد الفتاح السيسي تجاه الفلسطينيين، الحرب في اليمن، الحرب الأهلية في سوريا وفي العراق يصرف الاهتمام العربي نحو قضايا أكثر سخونة من قضية فلسطين ويشهد على ذلك ملايين اللاجئين السوريين ومئات الآلاف الذين يخاطرون بحياتهم في سعيهم للوصول إلى بر الأمان في أوروبا. كل هذا يعزز من القناعة بأنه ما من برنامج أو رؤية شاملة تقود هذا الحراك الشعبي العفوي.

غير أن “الاقصى في خطر” الذي أصبح الشعار الرئيسي في كل المظاهرات التي عمّت القرى والمدن الفلسطينية داخل إسرائيل تدلّ على أن الهدف واضح الملامح وهو منع الانتهاكات الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف. ولكن إذا كانت عمليات الطعن عفوية فالمظاهرات ليست عفوية بل منظمة مثلها مثل شحن الباصات يوميا من القرى الفلسطينية داخل إسرائيل وتمويل وتنظيم المرابطين والمرابطات في مهمة حماية المسجد من خلال الهتاف “الله أكبر” كلما يقترب مستوطن من المكان. وإذا أضفنا إلى ذلك قناة “جزيرة” القطرية التي حولت الأقصى إلى موضوع رئيسي لدرجة أنها بعثت المذيعة خديجة بن قنة لتراسل من باحة الأقصى نفسه فنكتشف بأن هنالك من يُدبر، يُنظم بل ويُمول كل هذا النشاط الهائل تحت شعار “الأقصى في خطر”.

وقد شخّص نتانياهو الحركة الإسلامية “الشمالية” كمسؤول عن هذا النشاط وأعلن عن نيّته إخراجها عن القانون ورئيسها الشيخ رائد صلاح حكم عليه بالسجن 11 شهر. إن الحركة الإسلامية “الشمالية” إنشقّت عن الحركة الإسلامية في إسرائيل بعد أن اتخذ الجناح الجنوبي قراراً بالمشاركة في الانتخابات للكنيست عام 1996. وكان الانشقاق الذي أدّى إلى تشكيل الحركة الإسلامية الشمالية ليس سياسيا بل يعود إلى منطلق شرعي محض فهي لا تعترف بالنظام الديمقراطي والتشريع البرلماني بل في شرع الله فقط مثلها مثل بقية الحركات السلفية الجهادية. إنها تختلف عن حركة الإخوان المسلمين في كل الدول العربية التي تشارك في البرلمانات وهي مقربة فكرياً أكثر إلى تنظيمات مثل “جبهة النصرة” وغيرها من التنظيمات التي توسعت على امتداد العالم الإسلامي.

ومن يراهن على أن الوضع العربي لا يسمح للانتفاضة الفلسطينية بالنجاح ومن يقول أن الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس يمنع مواجهة حقيقية مع إسرائيل يختلف مع الشيخ رائد صلاح الذي يرى كيف أن ضعف الإخوان المسلمين في مصر، سوريا، اليمن وليبيا، فتح المجال أمام دعاة الإسلام الحقيقي. إن سيناء والرقة والموصل والمكلّا ودرنة هم خير دليل على أن الربيع العربي قد يبشّر بإعادة الخلافة الإسلامية مثلما تنبأ حذيفة بن اليمان: “ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةٍ”. وكان هذا الموقف واضحا عندما صرّح الشيخ كمال خطيب قبل سنة وهو نائب الشيخ رائد صلاح وبرفقته أعضاء الكنيست من التجمع في أحد المظاهرات التي أقيمت أمام الحرم الشريف: “في وسط هذا الوكر الظالم نحن نؤكد على حقنا على ثباتنا على صبرنا على رباطنا هنا في القدس نعم قلت وأؤكد ، القدس ليست فقط عاصمة الدولة الفلسطينية بل عاصمة الخلافة الإسلامية الراشدة القادمة إن شاء الله”. ومن يريد أن يفهم ما هو البرنامج وراء شعار “الأقصى في خطر”  أن يأخذ هذا التصريح على محمل الجدية.

إن في إسرائيل تماماً مثل ما في سورية، هنالك من يرفض كل حل سياسي ويعتمد فقط على العنف لقمع طموح الشعب في الحرية والعدالة الإجتماعية يخلق الظروف المواتية لنشوء هذه الظاهرة الخطيرة. ومع كل الاختلافات، فإن الخيط الذي يربط بين الأسد وبين نتانياهو هو واحد – ايديولوجيا طائفية وأسلوب القمع بدلاً عن طريق التفاوض والاعتراف بحقوق الناس بالحرية، والعدالة الاجتماعية. وإذا أصبح إسقاط الأسد شرطاً مسبقاً لدحر داعش ومثيلاتها فإسقاط الاحتلال ومنح الفلسطينيين حقهم في الحرية والمساواة هو شرط لإسقاط التطرف الديني في فلسطين. إن إخراج الحركة الإسلامي عن القانون لا يلغي الأسباب اتي أدت إلى وجودها بل وزيادة قوتها وهو الاحتلال، العنصرية، الاستيطان الذي يشكل الأساس للهبة الشبابية الحالية التي حتى إذا قُمعت ستظهر لا محالة من جديد إذا استمر اليمين الإسرائيلي المتطرف في سدة الحكم وإسرائيل في رفضها لحل على أساس الاعتراف بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

אודות اساف اديب