الاستيطان باق والدولة في مهب الريح

كان قرار مجلس الأمن الذي أدان الإستيطان بمثابة هزة أرضية أصابت الساحة السياسية في إسرائيل، ليس بسبب مضمونه فقط، بل أيضاً بسبب موقف إدارة أوباما التي امتنعت عن التصويت ومنحت بل وشجعت نيوزيلندا على أن تقدم مشروع القرار بدلاً عن مصر التي تراجعت عن تقديم القرار بضغط من نتانياهو وطاقم دونالد ترامب. ولم تكتفِ إدارة أوباما بحجب دعمها الديبلوماسي الكلي عن إسرائيل بل قام وزير خارجيتها جون كري بإلقاء خطاب مطول سرد فيه موقف الولايات المتحدة من الإستيطان الذي وحسب رأيه ورأي معظم دول العالم يقضي على إمكانية إنشاء دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية. كانت وراء أوباما ثمانية سنين كاملة ليبادر إلى مثل هذا القرار ولكنه انتظر حتى انتهت ولايته، ولم يكن لهذا القرار سوى معنى معنوي جاء في وقت متأخر جداً.

وقد خرج دونالد ترامب مباشرة بتغيردة تقول “”بالنسبة إلى الأمم المتحدة، ستكون الأمور مختلفة بعد 20 كانون الثاني/ يناير”. مما يعني أن الإدارة القادمة ستغير موقفها من إسرائيل رأساً على عقب، فترامب ليس معجباً ببوتين فقط بل هو ربيب نتانياهو ولم يخفِ نواياه أبداً وقام بتعيين ديفيد فريدمان سفيراً في إسرائيل وهو شخصية معروفة بعلاقاتها الحميمة مع قيادة المستوطنين وعبّر خلال حملة الانتخابات للرئاسة الأميركية عن دعمه لتوسيع الإستيطان في الضفة الغربية المحتلة. ولم يكتفِ ترامب بهذا التعيين الإستفزازي بل أعلن عن نيته بتعيين جيسون غرينبلات مستشاراً خاصاً ومبعوثاً للشؤون الإسرائيلية الفلسطينية وهو الذي أدلى بتصريح للإذاعة الإسرائيلية قائلا: “إن ترامب لا يعتقد أبداً أنه ينبغي التنديد بالبناء في المستوطنات، والبناء خلف الخط الأخضر ليس عقبة أمام عملية السلام”.

وقد يرى وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت بانتخاب ترامب فرصة تاريخية ليؤكد من جديد بأن مشروع الدولة الفلسطينية أصبح شيئاً من الماضي قائلا: “إن حل الدولتين لن يحدث أبداً، نحن نضحك على أنفسنا وعلى العالم. أنا مع قول الحقيقة وهي أنه لن تكون هنا دولتين. وأنه يجب فرض القانون الإسرائيلي على مناطق ج، وبدء هذه العملية في معاليه ادوميم”. وقد جلب هذا التصريح رداً تلقائياً من قبل وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان الذي عارض الفكرة قائلا أن ما يريده الوزير بينيت هو كسب مزيد من الأصوات الإنتخابية على حساب نتانياهو ومشروع الضم لمناطق ج لا يمكن أن يتحقق. من ناحية أخرى قال ليبرمان الذي يعرف نفسه كممثل اليمين البراغماتي: أنه على إسرائيل أن تركز مجهودها الإستيطاني في ما يعرف بالكتل الإستيطانية التي حظيت بموافقة أمريكية وهي ستضم إلى إسرائيل في حالة الوصول إلى اتفاق نهائي مع الفلسطينيين بعملية تبادل أراضٍ بنفس مقدار المساحة.

إن موقف ليبرمان الذي يمثل المهاجرين الروس إلى إسرائيل يشكل ما هو متفق عليه كإجماع سياسي في إسرائيل وهو أن الإستيطان في القدس ومحيطها، محيط الخليل وفي وسط الضفة الغربية حيث يمكث أغلبية المستوطنين يعتبر أراضٍ إسرائيلية ويبقى الخلاف حول المستوطنات “المعزولة” على الجبال في ما يعتبر منطقة “ب” التابعة إداريا للسلطة الفلسطينية ولكن تحت السيطرة الأمنية للاحتلال.

إن موقف اليسار الصهيوني المتمثل بحزبي العمل وميريتس يتماشى مع موقف إدارة أوباما الذي يرى في المستوطنات “المعزولة” المتواجدة في منطقة “ب” عقبة أمام إقامة دولة فلسطينية. ولكن برنامج الدولة الفلسطينية لا يحظى بدعم شعبي إسرائيلي كبير لدرجة أن حزب العمل وحسب استطلاعات للرأي أجريت في نهاية العام تراجع إلى 8 مقاعد مما يعني فقدان 16 مقعداً لصالح حزب “يش عتيد/ يوجد مستقبل” برئاسة يئير لابيد الذي يميل نحو اليمين ويتفوق على حزب الليكود نسبة 27 مقعد مقابل 23.

إن هيمنة اليمين المتطرف على الساحة السياسية في إسرائيل ليس صدفة بل ناتج عن الواقع الذي ترسخ منذ التوقيع على اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية في ما يسمى منطقة “أ” والتي تشمل المدن الفلسطينية المأهولة بالسكان. فما أراده حزب العمل الإسرائيلي هو الإنفصال عن الفلسطينيين ولكن دون الاعتراف بالسيادة الفلسطينية الكاملة على الأرض. وقد أصبح شعار “حل الدولتين” صمام الأمان أمام  الدولة الواحدة، فما يقوله وزير الخارجية الأمريكي جون كري في خطابه الأخير وما يردده اليسار الإسرائيلي ليلاً ونهارا هو أنه إذا لم يتم الإنفصال عن الفلسطينيين ستفقد إسرائيل صفتها كدولة يهودية وديمقراطية. وقد ينظر اليسار الصهيوني إلى الفلسطينيين بعين التشكيك بل والخشية لدرجة أنه لا يتصور الحياة المشتركة في دولة واحدة مما يقوي من ادعاء اليمين المتطرف أن الفلسطينيين أعداء يريدون تقويض الدولة اليهودية والاعتراف بالدولة الفلسطينية يشكل خطراً على وجود إسرائيل.

إن اليمين الإسرائيلي يستغل شعار الدولتين من أجل الحفاظ على الواقع الحالي، وهو التعايش بين الإستيطان وبين وجود سلطة فلسطينية تتمتع بحكم ذاتي. فشعار الدولتين يحرر إسرائيل من ضم الضفة الغربية في الوقت الذي تستمر بتكريس الإستيطان على الأرض. إن رفض اليمين الإسرائيلي ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل يسمح له بالامتناع عن الإختيار بين يهودية الدولة وبين نظامها الديمقراطي، ففي حالة منحت لفلسطينيي الضفة الغربية كامل الحقوق المدنية ضمن دولة واحدة ستفقد صفتها اليهودية أما إذا جردتهم من هذه الحقوق فستتحول إلى دولة فصل عنصري – أبرتهايد. ولكن  شعار الدولتين يفيد السلطة الفلسطينية أيضاً لأنه يكرس وجودها ويبرر استمرار تدفق المنح والهبات من الدول المانحة من أجل بناء الدولة رغم أنها هدف لا يمكن تحقيقه.

وإذا نظرنا للظرف السياسي الراهن مع مجيء دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، قدوم فرانسوا فيون كمرشح اليمين في الانتخابات القادمة في فرنسا، تفكك بل وانشقاق الجامعة العربية نتيجة الصراع في سوريا والفوضى الحالية في بلدان الربيع العربي، التراجع الملحوظ لليسار الإسرائيلي أمام صعود اليمين المتطرف، الإنشقاق الفلسطيني الداخلي بين الضفة الغربية وغزة وحتى داخل حركة فتح نفسها بين أنصار أبو مازن وأنصار محمد دحلان لا يبقى مجال للشك بأن الدولة الفلسطينية أصبحت شعاراً لا أرضية سياسية له للتطبيق في المستقبل المنظور وربما الغير منظور.

ولم يغير الواقع السياسي القائم شيئاً من سلوك القيادة الفلسطينية بشقيها – فتح أو حماس. فحماس تكتفي بسلطتها على غزة الفقيرة المحاصرة التي لا ماء للشرب فيها، لا كهرباء وبالكاد مستشفى وأما فتح فتنظم مؤتمرها السابع وتبشّر الشعب الفلسطيني بأن أبو مازن باق رغم أنه أصبح هرماً ونجاحه الكبير هو أنه قذف بمحمد دحلان خارج صفوف الحركة.

أما في كل ما يتعلق بالواقع الحالي فيكتفي أبو مازن بلقاء وفد من ميريتس ليبلغه للمرة المليون بأنه يتمسك بالدولة الفلسطينية، وهو يريد أن يحضر مؤتمر باريس برعاية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي كما أوباما يوشك على إنهاء دورة حكمه، ويحتفل بالنصر الكبير في مجلس الأمن مما يدل على أن الرجل فقد الصلة مع الواقع. لا شك أن اليمين الإسرائيلي وجد لنفسه شريكاً مريحاً يضمن له الاستمرار في السلطة للسنوات القادمة. نعم السلطة الفلسطينية وحماس أصبحتا الضامن لاستمرارية اليمين الإسرائيلي في السلطة، وكل الكلام عن النضال، التوجّه الى الهيئات الدولية والمقاومة ليس سوى مسرحية يستفيد منها نتانياهو للدعاية الداخلية ويستفيد منها أبو مازن ليبرر تمسكه بالسلطة التي تحولت إلى حكم ذاتي وستبقى كذلك إلى جانب الإستيطان وتحت الاحتلال. ليس نتانياهو وحده من دفن الدولة الفلسطينية، بل إن شركاءه الفلسطينيين ساهموا في ذلك مساهمة كبيرة.

אודות