الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل دفن حل الدولتين

كان اعتراف الرئيس الامريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل بمثابة دق المسمار الاخير على تابوت حل الدولتين-  دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. لقد نزع ترامب بهذا الاعلان القناع عن السياسة الامريكية تجاه الصراع الاسرائيلي الفلسطيني منذ التوقيع على اتفاق اوسلو. فاذا كان ترامب قد انحاز علناً لصالح اسرائيل فإن الحكومات الامريكية المتعاقبة قد انحازت لصالح اسرائيل ضمنيا، أو بمعنى اخر سلبيا حيث امتنعت عن ممارسة أي ضغطٍ كان على الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لوقف التوسع الاستيطاني وتقديم التنازلات اللازمة من اجل الوصول الى الحل على اساس الدولتين.

إن الانتظار لمدة 25 سنة منذ التوقيع على اتفاق اوسلو والترويج المستمر لحل الدولتين ساهم مساهمة حاسمة في تقوية اليمين الاسرائيلي وقوض عمليا الفرصة لإنشاء دولة فلسطينية جرّاء التوسع الاستيطاني الذي أدى الى توطين نصف مليون مستوطن على امتداد الضفة الغربية المحتلة.

وقد كان فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل سنة ونيّف الحدثَ الذي أدى بحزب دعم للإعلان بشكل واضح وصريح تبنيه لحل الدولة الديمقراطية الواحدة. إن انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة يشكل تحوّلاً جذريًا ليس في السياسة الامريكية فحسب بل في السياسة العالمية قاطبة. فالخطوات الاولية التي اتخذها مثل الانسحاب من اتفاق باريس حول قضية الاحتباس الحراري وانسحابه من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ التجاري كان بمثابة تنازل عن دور امريكا القيادي في العالم واستبدال السياسة المفتوحة على العالم بسياسة قومية ومنغلقة على نفسها. ان شعار “امريكا اولا” لم يمثل رأي الشرائح الاكثر محافظة وعنصرية فحسب بل كان رد فعل للأزمة الاقتصادية التي راحت ضحيتها ملايين غفيرة من المواطنين الامريكان والتي امتدت الى العالم بأسره. وفي سنة 2008 انكشف امام العالم كله زيف النهج الرأسمالي النيوليبرالي الذي زعم أن اقتصاد السوق الحرة سيفيد المجتمع ككل، بحيث كلما ارتفعت ثروة الاغنياء سترتفع ايضا ثروة الفقراء. النتيجة كانت عكسية- أزداد الاغنياء غنىً، اما الفقراء فأصبحوا أشد فقر لدرجة ان 42 شخصا من اغنياء العالم يملكون اليوم ثروة تعادل ثروة نصف سكان المعمورة حسب احصائيات منظمة أوكسفام.

وكان واضحا ومنذ البداية بأن ادارة ترامب ترى في الحكومة اليمينية في اسرائيل شريكاً إيديولوجياً كون القاعدة الانتخابية لترامب تتمثل في المسيحيين الإنجيليين، والذين يتبنون الصهيونية من منطلق عقائدي – ديني. ومن هذا المنطلق لم يتنصل ترامب من كل تعهدات سابقه أوباما في سياسته الداخلية مثل سياساته في مجال الصحة، الهجرة، قضية المرأة، الضرائب وغيرها بل حتى في القضايا الخارجية وعلى رأسها الاتفاق النووي مع ايران، النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وغيرها من الملفات الراهنة. وكان تعيين ثلاثة من اليهود المتدينين المقربين من المستوطنين مثل صهره جاريد كوشنر، ومحاميه جيسون غرينبلات والسفير لدى اسرائيل ديفيد فريدمان عبارة عن تغيير في السياسة الامريكية ودلالة على الانحياز التام لصالح اسرائيل. ومن هذا المنطلق كان واضحاً لدينا بأن انتخاب ترامب قضى نهائيا على حل الدولتين تماشيا مع موقف اليمين الاسرائيلي والحكومة الحالية في اسرائيل والتي ترى الوضع الحالي بصفته وضعاً دائماً.

وفي الوقت الذي هللت به اسرائيل لاعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل قرر محمود عباس مقاطعة الوساطة الامريكية ورفض لقاء نائب الرئيس مايك بينس الذي زار المنطقة واسرائيل في اواخر كانون ثان 2018. وقد اتضحت فيما بعد فحوى “صفقة القرن” التي تعهد بها ترامب وقت لقائه مع كل من نتنياهو وعباس في واشنطن بداية ومن ثم في زيارته لإسرائيل وبيت لحم المحتلة لاحقا، وهي تعبر عن الموقف الاسرائيلي بكل تفاصيله. ومن الجدير ذكره بأن هذه الخطة التي تم نشرها في وسائل الاعلام حظيت بموافقة سعودية ومصرية، حيث يمارس النظامين السعودي والمصري الضغوط المستمرة على السلطة الفلسطينية للقبول بالخطة الامريكية ومن بينها القبول بأبو ديس عاصمة لفلسطين. وفيما يتعلق بالاستيطان والحدود فتمنح الخطة الامريكية الكتل الاستيطانية و10% من اراضي الضفة الغربية لإسرائيل. اما السلطة الفلسطينية فستتحول الى دولة، ولكن تحت الوصاية والسيادة العليا الاسرائيلية، فالجيش الاسرائيلي سيبقى متواجدا في غور الاردن، المعابر ستبقى تحت رقابة اسرائيلية. وقد وصف صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين “صفقة القرن” بالصفقة “التصفوية الإملائية التي تُبقي الوضع القائم على ما هو عليه، ما يعني دولة واحدة بنظامين، أي تشريع الأبرتهايد والاستيطان بمعايير أمريكية، من خلال حكم ذاتي أبدي.”

الشعب الفلسطيني بين المطرقة والسندان

أما بالنسبة لحزب دعم فلقد تم، بنظره، دفن حل الدولتين في اتفاق اوسلو، عندما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل واكتفت بالاعتراف بمنظمة التحرير عِوَضَ الاعتراف في بدولة فلسطينية. وكان ذلك بمثابة تنازل تاريخي قضى بدوره على الدولة الفلسطينية. اما انشاء السلطة الفلسطينية، وربطها بإسرائيل من خلال اتفاق باريس الاقتصادي، وامنيا من خلال التنسيق الامني، خلق واقعا سياسيا جديدا وتعايشا جديدا بين اسرائيل كقوة محتلة وبين سلطة فلسطينية متعلقة كليا – امنيا واقتصاديا – بالاحتلال. وقد تحولت السلطة الفلسطينية من كيان مؤقت دوره فتح الطريق امام اقامة دولة، الى كيان ثابت له امتيازاته الخاصة التي لا تتماشى مع النضال من اجل الاستقلال والتحرر من الاحتلال. وكان ولا يزال شعار الدولتين غطاءً لهذه العلاقة الغريبة بين دولة الاحتلال وسلطة فلسطينية  ترى نفسها ممثلا ً لنضال الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال.

واذا كان اتفاق أوسلو قد رسّخ الاحتلال والاستيطان بشكلهما الحالي فإنه السبب في كارثة ليست اقل خطورة-  ألا وهو الانقسام الفلسطيني الداخلي بين فتح وحماس وبين الضفة الغربية وغزة. وقد أصبحت السلطة الفلسطينية موضوعا لصراع داخلي بين فتح وحماس بدل ان تكون كيانا مرحليا موحدا في مرحلة ما قبل انشاء الدولة. وبالرغم من معارضة حماس لاتفاق اوسلو ولإنشاء السلطة الفلسطينية فانها استغلت فرصة اجراء انتخابات ديمقراطية ونزيهة في سنة 2006 لكي تستغل احباط المواطن الفلسطيني من اداء فتح وتفوز بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي. وكانت هذه الانتخابات هي الاولى والاخيرة، حيث حولت حماس الحكومة الفلسطينية لحكومة “مقاومة” ومن ثم انقلبت على السلطة الفلسطينية واستولت على قطاع غزة. واصبحت السلطة موضع انقسام، حرب، دمار وكل ما يمكن تخيله من الويلات التي يعاني منها الشعب الفلسطيني على أرض الواقع.

وما نتج عن هذه السلطة الغريبة هو صراع دموي بين فريقين فلسطينيين تفوق الكراهية بينهما عدائهما للإحتلال ولإسرائيل، فكل فريق يتشبث بسلطته وكلاهما على حده ينسق مع الاحتلال، فهما مصرين على الحفاظ على سلطاتهما وعدم التفريط بامتيازاتهما على حساب معاناة الشعب في كل من الضفة الغربية وغزة. وكان واضحا من خطاب عباس امام المجلس المركزي الفلسطيني في كانون الثاني 2018 الذي انعقد على خلفية اعلان ترامب وكشف خطورة “صفقة القرن” بأن يحتفظ بالسلطة ويبقي الباب مفتوحا امام الامريكان، ولا يريد ان يغير شيء من الاتفاقات الاقتصادية والتنسيق الامني مع اسرائيل، وفي نفس الوقت ابقى الانقسام مع حماس على ما هو عليه بذريعة “التمكين” الذي تعني تنازل حماس عن السلطة وعن السلاح.

ان سلطة فتح من ناحية وسلطة حماس في غزة من الناحية الأخرى تشكلان نظامين ديكتاتوريين مثلها كمثل بقية الانظمة العربية الفاسدة التي كنسها الربيع العربي حتى وإن لم ينجز مهمته بالكامل. مع ذلك، فإن فتح وحماس اللتين تتصارعان على السلطة تبقيان بنفس الوقت محاصرتين من كل جانب: فحماس من جهتها محاصرة من قبل النظام العسكري المصري، سلطة رام الله، واسرائيل، اما والسلطة الفلسطينية من الجهة الأخرى فقدت بدورها  الدعم المصري والسعودي بعد ان انحازت هذه الانظمة الى ترامب واسرائيل، مما يبرز عبث هذا الانقسام والصراع على من سيحكم الحكم الذاتي الفلسطيني المتعلق تماما بإسرائيل التي تحاصرهم من كل جانب. من الواضح انه في هذه الحالة سترفض فتح وحماس حل الدولة الواحدة الديمقراطية وتروج للفكرة الكاذبة بان الابواب لبناء دولة مستقبلية لا تزال مفتوحة،  وأن الصراع هو حول طبيعة هذه الدولة، هل ستكون ديكتاتورية فتحوية ام اسلامية، دولة الى جانب اسرائيل ام دولة مقاومة؟!

الشروط الثلاثة لقيام الدولة الديمقراطية الواحدة

مجرد وجود السلطة الفلسطينية يقطع الطريق امام طرح الدولة الواحدة بديلاً لنظام الابرتهايد الذي يتشكل شيئا فشيئا في ظل غياب حل الدولتين، ليس ذلك فحسب بل إن وجود السلطة كغطاء للاحتلال يُبقي في يد اليمين الاسرائيلي المتطرف الحاكم الاحتكارَ المطلق للساحة السياسية في اسرائيل. ان وجود السلطة الفلسطينية يخدم اليمين الاسرائيلي مرتين، فعباس اصبح ممثلا لكل شر ، يمنع السلام بعناده على رفضه الاعتراف في اسرائيل كدولة للشعب اليهودي كما يدعون والحجة المعروفة بان لا شريك للسلام، الرأي الذي يشاركه فيه حزب العمل وأحزاب المركز. من ناحية ثانية فإن وجود السلطة الفلسطينية يخلق الانتباه داخل اسرائيل بان الشعب الفلسطيني يفضل السلطة على الفوضى، التنسيق الامني يخلق شعورا بالأمان لدى الاسرائيليين، ومن هنا تشكل اجماع على ان هذا النوع من التعايش الغريب: وجود سلطة فلسطينية الى جانب اسرائيل، من الممكن ان يستمر الى الابد ما دامت الحكومة الاسرائيلية حريصة على سلامة السلطة الفلسطينية وتمتنع عن ضم المناطق المأهولة بالسكان لإسرائيل.

اما وجود السلطة الفلسطينية فيمنح اليسار الاسرائيلي المتمثل بالحزب الشيوعي والجبهة وحزب ميريتس بالاستمرار في ترويج وهم حل الدولتين والادعاء بان السلطة الفلسطينية هي الشريك الحقيقي في عملية السلام. ان موقف الحزب الشيوعي نابع من موقفه الفكري التقليدي من حل الدولتين وهذا منذ قيام دولة اسرائيل سنة 1948. اما في سنة 1992 فقد تشكلت الكتلة المانعة التي مكنت رابين من تشكيل الحكومة دون ان تكون للائتلاف الحكومي اغلبية عادية في البرلمان، ومن ثم تحمست لاتفاق اوسلو بالادعاء انه يقود إلى دولة مستقلة خاصة وأن ياسر عرفات قائد مثالي لا يمكن الطعن به. اما اليوم فنظرتهم العدائية والمشككة تجاه الربيع العربي، موقفهم الإيجابي من نظام السيسي ودعمهم لنظام الاسد، كل هذا وغيره من الظروف المتراكمة يقودهم الى دعم عباس دون قيد او شرط. اما حزب ميرتس فإنه يبنى على خوف اليهود من العرب وكراهية العرب تجاه اليهود كي يطرح موقفا مبنيا على اساس الانفصال القومي-  دولة يهودية لليهود وأخرى عربية للعرب.

اما حزب التجمع العالق في نزاع حاد مع شركائه في القائمة المشتركة حول مجرد مقعد واحد في الكنيست فلقد بدأت تظهر لديه ثمة مراجعة فكرية حول ماهية الحل للقضية الفلسطينية، وذلك بعد ان تبين لعدد لا بأس به من اعضائه بان اعلان ترامب وخطوات الحكومة اليمينية قد وضعت حدا لحل الدولتين. كون التجمع تشكيلا سياسيا يضم اكثر من تيار توحدها النظرية القومية، فمن الصعب على هكذا خلفية ان يتوصل الى نتيجة حتمية تلغي بدورها برنامج الدولتين وتتبنى – على أطلاله – برنامج حل الدولة الواحدة. ان تباين الآراء في موضوع الدولة الواحدة يشبه تباين الآراء بخصوص الربيع العربي وتحديدا الموقف من ايران وسوريا. ان العلاقة الحميمة مع دولة قطر تقيد من حرية اتخاذ المواقف في حزب التجمع، وفي اغلب الاحيان لا يتخذ التجمع موقفاً موحدًا من القضايا الساخنة ما عدا في موقفه ضد الحكومة الاسرائيلية وموقفه الناقد للسلطة الفلسطينية.

وامام هذا الوضع المعقد، وفي حال انعدام قوى عربية او يهودية في الوقت الراهن قد تتبنى فكرة الدولة الواحدة رغم تلاشي حل الدولتين يبقى السؤال إلى ماذا يؤول حزب دعم بطرحه فكرة الدولة الواحدة. الجواب البسيط سيكون: غياب حل الدولتين- وفي هذه الحالة لا مفر من طرح بديل جذري وديمقراطي لصالح المجتمع الفلسطيني والاسرائيلي على حد سواء. اما الجواب الاكثر شمولا وجدلية في آن هو ان الصراع من اجل الدولة الديمقراطية الواحدة هو صراع ايديولوجي- سياسي – اقتصادي في آن. ان الظروف التي ستسمح ببناء حركة شعبية واسعة النطاق، فلسطينية واسرائيلية من جانبي الخط الاخضر تطالب بدولة ديمقراطية موحدة تتعلق بهزيمة اليمين التبشيري المتطرف في امريكا وفي اسرائيل بالتزامن. ان الصراع لا يقتصر على كيفية تنظيم الحياة السياسية بين الاسرائيليين والفلسطينيين فحسب بل على كيفية تنظيم الحياة على مستوى عالمي. انه صراع وجود بين قوى محافظة، منغلقة وعنصرية وبين قوى ثورية، مفتوحة على العالم واممية في طبيعتها.

ومن هنا فإن الشروط الثلاثة التي نتحدث عنها هي:

أولا- تغيير جذري داخل الدول الصناعية وهزيمة القوى العنصرية التي تريد العودة الى الوراء برجعيتها من خلال  شعارات رنانة مثل “امريكا اولا”،

ثانيا- هزيمة النظام السياسي العربي القائم عبر توسيع ونجاح الربيع العربي،

ثالثا- تحول جذري داخل المجتمع الفلسطيني على الصعيد السياسي من خلال تشكيل قوى بديلة لفتح وحماس. هذا التحول المطلوب له جانبين: اقتصادي ويفترض الانتقال الى الاقتصاد الحديث على اساس الطاقة المتجددة والانترنت، واجتماعي يفترض الانتقال من مجتمع تقليدي محافظ الى مجتمع عصري تحظى المرأة فيه بكل حقوقها ضمن مناخ مساواة شاملة بين الجنسين. للوهلة الاولى يتبين بان مطلب الدولة الواحدة هو مطلب افتراضي كون الشروط الثلاث التي نتحدث عنها تظهر وكأنها من المستحيلات، ومع ذلك فإن الحقبة التاريخية التي نعيش فيها تثبت باننا اقرب الى تحقيقها وان الاسس المادية لما يعرف بالثورة الصناعية الثالثة قد توفر الامكانية لإحداث تغييرات جذرية وتاريخية.

النظام الديمقراطي في حالة طوارئ

زيارة مايك بينس الى اسرائيل والاستقبال الحافل الذي حظى به يشهدان على العلاقة الاستراتيجية بين اليمين الاسرائيلي واليمين الامريكي. ان الرفض الاسرائيلي المطلق لكل تسوية مع الفلسطينيين ورفضها للانسحاب من المناطق المحتلة مبني على الدعم الكلي من قبل التيار الانجيلي التبشيري الامريكي الذي تحول الى القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري الامريكي. الا ان الحزب الجمهوري منشق على نفسه بين تيارات مختلفة لدرجة انه لم يتوصل الى اتفاق حول شخص يمثله، الأمر الذي مهّد الطريق للاستيلاء عليه من قبل ترامب، والذي لم يكن ابدا عضوًا في هذا الحزب وكان في الماضي من داعمي كلينتون.

هذا الانشقاق الداخلي في الحزب الجمهوري، بالإضافة إلى الانشقاق الداخلي في الحزب الديمقراطي بين انصار هيلاري كلينتون وانصار المرشح اليساري برني سندرز، ما هو إلا مؤشر على وجود أكبر ازمة حقيقية تمر بها الولايات المتحدة منذ ازمة القطاع المصرفي سنة 2008. وقد كشفت هذه الازمة الناتجة عن طمع مدراء البنوك، وفساد الشركات العملاقة والبنوك التي مولتها، بان النظام السياسي على حزبيه الاثنين يعمل لصالح رؤوس الاموال على حساب المواطن البسيط. وبالتالي فإن الشعب الامريكي قد فقد الثقة بالنظام الديمقراطي المتمثل بما يعرف ب”واشنطن” والاستقطاب السياسي المتمثل بدعم مرشحين وعدوا ب “تجفيف المستنقع” ومحاربة البنوك، وقد مثله ترامب ومستشاره ستيف بانون اليمين المتطرف، اما بيرني ساندرز فقد مثل اليسار الراديكالي وكلاهما وعد بمحاربة وول ستريت. ومع انتخاب ترامب احتدّ الاستقطاب السياسي وحُرقت كل الجسور بين اليمين واليسار، بين امريكا الوسطى اليمينية المحافظة وامريكا الشواطئ- الشرقي منها والغربي، نيويورك وكاليفورنيا الغنيتين مقابل الوسط الفقير والذي قام بدعم ترامب.

ان الصراع ليس اقليميا وطبقيا فحسب بل هو صراع على الرؤية المستقبلية، فإن نيويورك وكاليفورنيا تمثلان المستقبل، إذ أنهما تشملان مراكز التحديث التكنولوجي، وتصنعان الاقتصاد الجديد المتمثل بشركات الانترنت الجديدة، مقابل الشركات التي تعتمد على الصناعة التقليدية وتتراجع مقابل التقدم التكنولوجي. ان النظام الرأسمالي النيوليبرالي وصل الى طريق مسدود، خلق بطالة، زاد من تلوث البيئة حتى اصبحت الكرة الارضية في خطر، زاد من الفقر، افسد السياسة والسياسيين بحيث لا يوجد سياسي على الخريطة السياسية لا يخضع لإملاءات اصحاب الاموال، ومن بينهم نتنياهو واعضاء الحكومة الاسرائيلية نفسها. ان الشرائح التي تدعم اليمين في امريكا، بريطانيا، فرنسا او اسرائيل هي شرائح الطبقة العاملة مثل عمال شريكة “طيڤاع” الذين فقدوا اماكن عملهم بسبب المنافسة من قبل اليد العاملة الرخيصة في بلاد مثل الصين او بسبب الانتقال الى الصناعة المعتمدة على الروبوت. فقد تشكل رأي عام على مستوى عالمي يدرك بان النظام السياسي لا يخدم المواطن، وان الاقتصاد يعمل لصالح رأس المال ويقذف العامل الى الفقر مما يدفع بالمجتمع الى البحث عن بدائل جذرية وثورية.

ان وعد ترامب للقاعدة الانتخابية التي تتشكل من عمال الصناعات الثقيلة الذين اصبحوا عاطلين عن العمل هو العودة الى القرن الماضي من خلال الانسحاب عن العولمة، بناء جدار جمركي لمحاربة استيراد من الصين، بناء جدار فولاذي لمنع الهجرة من المكسيك، والأنكى من ذلك هو خفض نسبة الضريبة على الشركات من 35% الى 21% الامر الذي يخلق عجزا في ميزانية الدولة الفدرالية. جميع هذه الخطوات تخلق جوا من الفوضى على الصعيد العالمي، حروبا تجارية بين اوروبا، اسيا وامريكا، وتهدد بوقوع كارثة اقتصادية جديدة. وقد حذر تقرير بنك اسرائيل الاخير من انهيار اقتصادي جديد نظرا للفوضى التي قد يخلقها ترامب بتصرفاته وقراراته هذه على مستوى الاقتصاد العالمي، ونظرا الى نسبة الفائدة الصفرية التي ادت الى ارتفاع غير طبيعي في قيمة الاسهم والى ارتفاع حاد بسعر العقارات بسبب نسبة الفائدة المنخفضة والتي تشجع على الاقتراض بشكل غير منضبط.

اما على الساحة الاقليمية فقد اثبتت المظاهرات الاخيرة في ايران والتي طالبت لأول مرة بإسقاط النظام، مظاهرات ضد الغلاء في السودان وفي تونس، المظاهرات المستمرة في المغرب، جميعها يشير الى أن الاسباب التي ادت الى انفجار الربيع العربي لا تزال  قائمة. واذا كان قد دخل النظام السياسي في الدول الصناعية الكبرى في ازمة (في المانيا لم تتشكل حكومة حتى الان، في اسبانيا هنالك ازمة انفصال إقليم كتالونيا، فرنسا تشهد على انهيار الحزبين الكبيرين، بلجيكا في ازمة حكومية مزمنة، بريطانيا والبريكسيت) ففي العالم العربي الوضع اسوأ بكثير، ورغم فشل الحركة الشبابية في مصر ببناء مجتمع ديمقراطي إن نظام السيسي لا ينفك يفقد كل مصداقية بسبب الارهاب الفكري الذي يمارسه ضد الشعب ناهيك عن الحالة الاقتصادية المزرية. نظام الاسد لم يتمكن ولن يتمكن من استرجاع حكمه على سوريا ما قبل الثورة، في اليمن الحرب مستمرة مثلها مثل ليبيا، اما العراق فلا تعرف يوما واحدا من السكينة. كل هذا يدل على ان التطور الذي بدأ في عام 2011 لم ينته بعد.

اما ما يحدث في الخليج وتحديدا في السعودية من ازمة سياسية حادة في أعقاب الانقلاب الابيض الذي قام به ولي العهد محمد بن سلمان يدل على ان حقبة النفط التاريخية وصلت الى نهايتها. ان التغييرات الداخلية، الانكفاء عن النهج الوهابي المتطرف، اعتقال ابناء العائلة المالكة ومحاكمتهم بتهم الفساد، فتح السينما، السماح للمرأة بقيادة السيارة، حضور نسائي في مباريات كرة القدم- كلها لم تأت من فراغ بل من اعتراف من قبل السعوديين بأن “دولة المنح” المبنية على العائدات النفطية ونظام الشريعة ليس بإمكانها الإستمرار نظرا لهبوط اسعار النفط والعجز الكبير في ميزانية الدولة. ان المملكة السعودية مثلها مثل النظام الايراني غير جاهزة لاستقبال الثورة الصناعية الثالثة، الثورة التي تسعى لدمقرطة الاقتصاد والنظام السياسي بحيث تُمنح للمواطن شتى الحريات والإمكانيات لكي يعبر من خلالها عن رأيه ويتحصل على المعلومات دون أي رقابة كانت.

ان ما يحدث في السعودية من انقلاب سياسي واصلاح اقتصادي واجتماعي من ناحية والمظاهرات الاحتجاجية في ايران يشكلان دليلاً اضافيا على انهيار النظام السياسي العربي. ان الساحة السياسية في الشرق الاوسط لطالما كانت رهينة الصراع بين النظامين السعودي والايراني منذ الثورة الاسلامية في ايران سنة 1979. كما وأن المال السعودي والايراني قد تمكن من إفساد كل الانظمة العربية والحركات الشعبية، من منظمة التحرير الفلسطينية الى حركة الاخوان المسلمين- حماس وصولا الى حزب الله والنظام السوري. اختفاء هذه الاموال، وسقوط هذه الانظمة الفاسدة البالية، التي تعارض كل تقدم وتكفّر الديمقراطية يعني سقوط التيار المحافظ والانظمة الاستبدادية المدعومة منها، وسقوط الاسلام السياسي الذي ارتزق حتى اللحظة الراهنة من هذه الاموال لشراء عقول الفقراء وغسل دماغهم. ان الثورة الصناعية الثالثة المبنية على الطاقة المتجددة تفتح المجال للقوى المثقفة العربية التي قادت الربيع العربي، جيل الإنترنت، شبكات التواصل الاجتماعي، شركاء في الثورة المعلوماتية – ان يحتلوا الحيز العام وان يشكلوا قوة سياسية وان يقودوا بلادهم نحو التحول السياسي الديمقراطي المنشود على اساس اقتصاد تعاوني جديد.

نتنياهو مثل ترامب يواجه السقوط

ان البرنامج القومي المنغلق الذي يمثله كل من ترامب ونتنياهو لا يمكنه الصمود امام التطور التاريخي وامام النقلة النوعية في الاقتصاد من الاقتصاد الصناعي المبني على النفط والماكينة، الى اقتصاد مبني على الطاقة المتجددة، الانترنت، العقل الاصطناعي والروبوت. ان ثورة الطاقة والثورة المعلوماتية تمحوان الحدود الاقليمية والاختلاف العرقي وتقرّبان بين ابناء البشرية على اسس جديدة دون وساطة الدول والحكومات. ويمثل نتنياهو النهج الاقتصادي النيوليبرالي القديم الذي ادى الى فجوات اجتماعية داخل المجتمع الاسرائيلي، الى ازمة سكن، والى غلاء معيشة بسبب خصخصة الاقتصاد لصالح الاحتكارات الضخمة. وكما هو في كل الدول الصناعية الكبرى فإن المواطن الاسرائيلي يراقب عن كثب كيف لرؤوس الاموال الكبيرة التي سلمت لهم الموارد والمرافق الاقتصادية من خلال الاقتراض من البنوك قد اعلنت – مؤسسة تلو الأخرى- عن إفلاسها ولم تفي بدينها الذي وصل الى مليارات الدولار.

ليس فقط هذا، بل قد تورط الجهاز السياسي بالفساد النابع من القرابة الوثيقة بين رأس المال والحكم، حيث قامت الحكومة بسن قوانين تفيد الشركات الكبرى التي افلست فيما بعد ودخل اكثر من مسؤول حكومي الى السجن وعلى رأسهم رئيس الحكومة الاسبق إهود أولمرت. اما نتنياهو نفسه فيخضع للتحقيق بسبب قرابته لاحد هؤلاء المليونيرين، كما يتورط اقرب مستشاريه في قضية فساد حول مناقصة لتوفير الغواصات الالمانية لإسرائيل. فاذا كان ترامب خاضعا تحت وطأة التحقيق بتهمة التواطؤ مع الروس، فإن نتنياهو مشتبه بالفساد، ولا غرابة في ذلك كونهم يمثلون مصالح الاغنياء وفي نفس الوقت يتبنون خطاب شعبوي – تعبوي ضد ما يسمى النخب الحاكمة المتمثلة بالحزب الديمقراطي في امريكا وحزب العمل الاسرائيلي الذي يعتمد على النخب من اصل اشكناز (اوروبا).

ان الفساد هو ظاهرة نابعة من الطريق المسدود التي وصل اليه اليمين الاسرائيلي. ففي حقيقة الامر لا يطرح نتنياهو واليمين الاسرائيلي افكارا جديدة، لا في كل ما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين ولا في المجال الاقتصادي. فبالنسبة لنتنياهو إن الواقع ليس حقيقيا بل افتراضيا، وهو بمثابة “اخبار كاذبة” كما ينعتها ترامب. ان الربيع العربي بالنسبة لنتنياهو هو عبارة عن تفكك المجتمع الطائفي القبلي العربي وفرصة لتوطيد العلاقة الاستراتيجية مع الانظمة الاستبدادية مثل مصر، الاردن والسعودية. بنظره إن النظام الديمقراطي لا يليق بالمجتمع العربي المتخلف، ولا يرى في حاضره ومستقبله سوى المزيد من التفكك النابع عن هشاشة الانظمة من ناحية والازمة الاقتصادية الخانقة التي ألمّت بالدول العربية من ناحية أخرى.

ورغم ان مصير هذه الانظمة معلق على كف عفريت بسبب عدم امكانيتها لمواجهة المشاكل الاقتصادية الاجتماعية الجمة التي تراكمت عبر السين فإن نتنياهو لا يزال يتخيل محورا استراتيجيا إقليميا مع هذه الانظمة الآيلة الى السقوط. وقد ينظر نتانياهو الى المظاهرات الاحتجاجية في ايران وكأنها تهدف الى عودة الشاه ومن ثم يتلوها علاقة استراتيجية مع اسرائيل ضد العرب. وهو يرفض فكرة ان الشباب والعمال الايرانيين مثل المصريين يناضلون من اجل نفس الهدف- ألا وهو اسقاط النظام الديكتاتوري وبناء نظام ديمقراطي بديل بعيد عن نظام الشاه الاستبدادي. ان التهديد الحقيقي لليمين الاسرائيلي ليس الصواريخ النووية الايرانية بل التحول الديمقراطي في ايران والعالم العربي الذي سيضع اسرائيل في عزلة مطلقة كدولة دينية واستعمارية في آن.

اما على الصعيد الاقتصادي ففي الوقت الذي تساهم فيه  الشركات الاسرائيلية الناشئة في المجال التكنولوجي مساهمة كبيرة في تطوير تكنولوجيا الانترنت، الروبوت، السيارة الذاتية، والتكنولوجيا الحديثة في مجالات blockchain ، البيوتكنولوجيا، معالجة الماء والطاقة المتجددة الا ان الحكومة مستمرة في استخدام نفس الاسلوب والنهج هو ذاته الذي كان قبل 30 سنة. أكبر مثال على ذلك هو المصادقة على ميزانية الدولة لسنتين التي تضمن سلامة الائتلاف ولكن خالية من أي رؤية موضوعية للتغييرات المستقبلية.  فالحكومة التي تنشغل في سن قوانين عنصرية، في تقييد صلاحيات المحكمة العليا، في فرض رقابة على الابداع الثقافي، في ادخال مضامين يهودية الى المناهج الدراسية، في منح الأولوية الى رؤوس الاموال الكبيرة، في تشجيع استخدام الغاز على حساب الشمس، وتشجيع السيارة الخاصة، وفي عدم الاهتمام في التأهيل المهني، هي حكومة لا تدرك بان العالم ينتقل الى جيل متقدم من الطاقة والصناعة وان اليد العاملة تفقد من مكانها ومن مكانتها لحساب العقل الاصطناعي والروبوت، الامر الذي يخلق مشاكل اجتماعية كبيرة تتطلب التحضير والتجهيز مسبقا نظرا للحقيقة بأنه وحتى عام 2025 ستختفي 2 مليار مهنة من سوق العمل في العالم من اصل 4 مليارات.

ومنذ انهيار النظام النيوليبرالي في سنة 2008 دخل العالم الى طور اقتصادي جديد متمثل باللامركزية واكبر دليل على ذلك هو ظهور البيتكوين كعملة رقمية لا تخضع لرقابة أي هيئة مركزية كانت مثل البنوك المركزية. ان عدم الثقة في البنوك التي انهارت وسببت بفقدان الإدخارات لدى الملايين من الناس حول العالم، ادى الى اختراع نظام مصرفي جديد يعتمد على الشفافية ومراقبة المجتمع ككل من خلال شبكة الإنترنت. وما يهمنا هنا ليس البيتكوين بحد ذاته بل تكنولوجيا blockchain التي تؤدي الى دمقرطة الانترنت ومن خلاله الى دمقرطة المجتمع ككل. ومن هنا يباشر هذا النظام- ومعه الطاقة المتجددة التي تعتمد على انتاج الطاقة على سطح كل مواطن- في مرحلة دمقرطة الاقتصاد، واختفاء الاحتكارات، وتضاؤل مكانة ومركزية الدولة المركزية كحاكمة لمصير المواطن.

نشاط حزب دعم المستقبلي

ان رؤية حزب دعم المستقبلية مبنية على هذه التغييرات الاقتصادية والسياسية على مستوى العالم والتي تفرض نفسها على الشرق الاوسط وعلى اسرائيل والفلسطينيين. ان برنامج الدولة الواحدة الذي يتبناه حزب دعم يكتسي اليوم مضمونا جديدًا، فهو ليس مبنيا فقط على نفي برنامج الدولتين فحسب وخاصة بعد ان أصبح هذا الطرح غير عملي نظرًا لما خلقه اتفاق اوسلو من علاقات غير متوانة وغريبة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. اننا ننطلق من الادراك العميق بان الثورة الصناعية الثالثة قد غيرت من المفاهيم وفتحت المجال لبناء مجتمع تعاوني جديد على اساس دمقرطة الانترنت والطاقة المتجددة. ان كل الاختراعات الجديدة، في مجال العملة الرقمية، التجارة عبر الانترنت، الثورة المعلوماتية، الصناعات الجديدة مثل السيارة الكهربائية الذاتية، العقل الاصطناعي – جميعها تعتمد على الاشخاص ومساهماتهم المركزية في بناء الاساس المعلوماتي المكشوف امام كل المستخدمين، كنموذج ويكيبيديا، غوغل او فيسبوك.

وقد يدرك المثقف العربي بان انضمام المجتمعات العربية الى الثورة الثالثة في كل مجالاتها هو الشرط المسبق – بأل التعريف – لإنقاذها من الزوال. ان سقوط النظام العربي الاستبدادي الفاسد القديم، سقوط انظمة النفط مثله مثل سقوط برنامج الدولتين لا يعني بالضرورة ظهورا لبديل افضل منها. ان سقوط هذه الانظمة يفتح المجال لبناء بديل عصري ليس على اسس القومية القديمة بل على اساس تعاوني يربط العالم العربي مع العالم من خلال تبني منطق وبنيان الطاقة المتجددة والاقتصاد العصري المعتمد على الانترنت، والذي اصبح بدوره اداة غاية في الأهمية بين ايدي الشباب من اجل اسقاط الانظمة الاستبدادية بعد ان انتُزع منها الاحتكار على المعلومات واحتلالها للحيز العام. هذه الخطوة يجب ان يليها بناء هيكل سياسي، اقتصادي واجتماعي بديل بعيدا عن الميول الدينية، التقاليد والعادات التي تحكم المجتمع العربي والمنطقة ككل.

ان التقدم نحو الحل على اساس الدولة الواحدة مرهون بالتطورات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم بما فيه العالم العربي، ومن هنا دعمنا الكلي للربيع العربي وما يمثله من دعم للشعب الفلسطيني وتأثيره على المجتمع الاسرائيلي في آن. ان الشعب الفلسطيني لم ينضم الى الربيع العربي بل بقى لا مبالٍ في حضرة هذه الثورات العظيمة نتيجة لإحباطه ويأسه من الواقع الذي يعيشه- محاصر من قبل سلطة فلسطينية من جهة، ومن سلطة حماس والاحتلال من أخرى. ومع ذلك فإن سياسة نتنياهو تقود لا محالة الى انهيار السلطة الفلسطينية، إما بسبب العزلة السياسية او نظرا لضعفها الاقتصادي او بسبب نهوض حركة شبابية جديدة مثلها مثل الشباب في العالم العربي تريد لنفسها مستقبل يليق بمستوى طموحاتها، ثقافتها، وكونها مرتبطة بالتطورات في العالم المعاصر من خلال الانترنت.

اما داخل المجتمع الاسرائيلي فعلينا ان نضع برنامجا اجتماعيا واقتصاديا مبنيا على دمقرطة المجتمع من خلال تشجيع الطاقة المتجددة وكل المبادرات التعاونية التي تسعى الى التحرر من سيطرة الدولة والى استغلال الاحتكارات الكبيرة في مجال الانتاج والاستهلاك. ان المجتمع الإسرائيلي نفسه يمر بأزمة هوية عميقة، فقد طرح اليمين التبشيري الحاكم المعادلة التالية: إما ان تكون يهوديا او ان تكون ديمقراطيا، إما ان تكون مع حقوق الفلسطينيين او مع تفوق مصلحة اليهود على أي مصلحة تُذكَر. وهذا الانقسام يفرض نفسه على كل مجالات الحياة: على التربية والتعليم على قيم دينية او التعليم الحر الملحد، على قبول او عدم قبول اللاجئين من افريقيا، على الإجابة عن سؤال المساواة مع المواطن العربي، على المساواة للنساء وليس العربيات منهن فقط بل اليهوديات اللواتي يتعرضن لهجمة شرسة من قبل الاحزاب الدينية، على اغلاق المتاجر يوم السبت او احترام رغبة الاغلبية بالتسوق في هذا اليوم.

ان اصرار اليسار والليبراليين على ابقاء اسرائيل دولة يهودية والإنفصال عن العرب يحصرهم في بوتقة من الضعف امام استفحال اليمين المتزايد بلا انقطاع. ان اضمحلال حل الدولتين من ناحية وتبني اليمين خطابا تحريضيا قوميا دينيا يحشر اليسار الاسرائيلي في الزاوية المعتمة دون برنامج بديل. ان اليسار الاسرائيلي يراهن على الشرطة والمستشار القانوني للحكومة بأن يقدموا لائحة اتهام ضد نتنياهو، أي أنهم يريدون اسقاطه من خلال محكمة وليس عبر صندوق الاقتراع كونهم لا بديل لديهم غير وهم يشاركون اليمين به بأن لا شريك للسلام في الطرف الآخر، ناهيك عن عدم امتلاكهم لبرنامج اقتصادي ثوري يتماشى مع التطور التكنولوجي الذي يتم تطبيقه بشكل جزئي وفي الوقت الحاضر، في الصين، المانيا ودول إسكندنافيا.

علينا اذا ان نطوّر كل مبادرة قد تتماشى مع اهدافنا، من خلال توسيع دائرة التحالفات مع من يتفق معنا على الحاجة الماسة لمبدأ الدولة الدمقراطية الواحدة داخل اسرائيل وفي المناطق المحتلة، من خلال نشر افكارنا ومقالاتنا، ومن خلال تقوية نقابة “معاً” والتي تقوم بدورها بتنظيم ومعالجة قضايا عمال عرب واسرائيليين، من خلال مبادرة لإنشاء تعاونيات مثل تعاونية النظافة مع شباب هشومير هتسعير، تعاونية في مجال الطاقة الشمسية وغيرها من المبادرات التي من المحتمل ان تطرح امامنا من قبل كل هؤلاء الناشطين الاسرائيليين منهم والفلسطينيين الراغبين تماما مثلنا ببناء مجتمع حديث مبني على العدل والمساواة بين الشعبين ودمقرطة المجتمع والاقتصاد التعاوني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.