الحزن يغمر الرياض وتل ابيب

الاتفاق بين إيران والدول الكبرى حول المسألة النووية الإيرانية يشكل بلا شك أهم وأخطر إنجاز ديبلوماسي للإدارة الأمريكية منذ تولي الرئيس أوباما الحكم قبل ست سنوات ونصف وقد تحتفل كل من واشنطن وطهران في الوقت الذي يغمر الحزن والاحباط كلاً من الرياض وتل ابيب. نعم أمريكا اعترفت بحق إيران في امتلاك مشروع نووي، ونعم القيود على المشروع النووي والتفتيش ستنتهي بعد 15 سنة وفي المقابل سترفع عن إيران العقوبات الاقتصادية التي هددت وجود النظام. والأخطر من ذلك أن هذا الاتفاق لا يذكر لا من قريب أو بعيد التدخل الإيراني الإقليمي الذي يعيث فساداً في الشرق الأوسط من اليمن إلى سوريا ولبنان. والسؤال المهم هنا هو لماذا تخلت أمريكا عن أهم حلفائها في المنطقة، إسرائيل والسعودية لصالح نظام يصفها بالشيطان الأكبر؟ هل ضعف وغباء أوباما هو التفسير لسياسة مبرمجة تم تخطيطها على مدار السنتين الأخيرتين بعد فوز حسن روحاني في الانتخابات؟

كلا، الإدارة الأمريكية غيرت سياستها الخارجية 180 درجة بعد الإفلاس الاقتصادي الذي لحق بها عام 2008 بسبب سياسات الرئيس جورج بوش والتي كان أبرزها تحمّل نفقات الحرب على العراق والتي بلغت قيمتها ألف مليار دولار أمريكي. عام 2009 بدأت ولاية أوباما وفي نفس السنة اندلعت الثورة الخضراء في إيران التي استبقت الربيع العربي بسنة ونصف. وقد تماشى الربيع العربي مع رياح التغيير في السياسة الأمريكية الداخلية التي تبنت شعار “نعم نحن قادرون” على التغيير وانتخاب أول رئيس من أصل أفريقي أمريكي وشجع الإدارة الأمريكية الجديدة على دعم التغيير الديمقراطي اعتقاداً منها أن الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي وصلت إلى نهايتها التاريخية. ومن هنا بدأت الخلافات مع حلفائها في السعودية وإسرائيل اللتين نظرتا إلى الربيع العربي كتهديد استراتيجي لسلامة كيانهما.

لقد وضع أوباما نصب عينيه الوصول إلى أهم إنجاز ديبلوماسي لسياسته الخارجية من خلال التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد استثمرت أمريكا لهذا الغرض جل مجهودها الديبلوماسي تحديداً في الولاية الثانية لأوباما الذي تعهد مراراً وتكراراً بان الدولة الفلسطينية ستقوم خلال سنة. ولكن إسرائيل برئاسة نتانياهو وبدعم حزب العمل رفضت كل الجهود الرامية لإنجاز هذا الاتفاق حتى وصلت الأمور إلى حد إذلال الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته. فقد تم وصف جون كيري بالساذج وبأنه يحب الشهرة على حساب مصالح إسرائيل الأمنية وقد عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى الإعلان عن مشروع استيطاني جديد كلما زارها ممثل أمريكي مرموق للبحث في عملية السلام وذلك بهدف إرباكه. وقد أدت هذه السياسة والاستقواء بالحزب الجمهوري المعارض لسياسة أوباما والذي يسيطر على الكونغرس إلى القطيعة شبه المطلقة بين أوباما ونتانياهو. وهكذا شهد أوباما كيف انهرت سياسته الشرق أوسطية و”طلع من المولد بلا حمص”.

لم يكن نتانياهو الوحيد الذي عمل على إحباط السياسة الأمريكية بل إنه وجدله حليفاً حميماً في السعودية التي ومنذ اللحظة الأولى بدأت بالتخطيط لإحباط بل وإغراق الربيع العربي وهو ما زال في حالة الجنين. وأصبحت ثورة 25 يناير في مصر هدفاً استراتيجياً وسهلت سياسة الأخوان المسلمين الإنتهازية التي رمت بالقوى الديمقراطية والليبرالية إلى أيدي الجيش والفلول لتخطيط وتنفيذ الانقلاب العسكري الذي أعاد الاستبداد والإرهاب المنظم إلى مصر وقطع العملية الديمقراطية وأطاح بأول رئيس مصري منتخب. ولم تكتف السعودية بدعم هذا الانقلاب الدموي في مصر في تموز 2013 بل تشجعت إثر نجاحها ونقلت نفس التجربة إلى ليبيا مما أدى إلى انقسام إقليمي بين طرابلس وبنغازي حتى تحولت البلاد إلى دولة فاشلة. أما في سورية فقد شكلت السعودي ومعها دول الخليج ميلشيات سلفية جهادية مثل “أحرار الشام” و”لواء التوحيد” وغيرها حتى أنها عملت مؤخراً بالتعاون مع قطر على تبييض وجه “جبهة النصرة” وإقناع الإدارة الأمريكية بأن “الجبهة” تنظيم سوري أصلي معارض وشرعي يجب أن يتم إخراجه من قائمة الإرهاب.

إن سياسة السعودية التي جاءت لإنقاذ النظام الأصولي الفاسد في الرياض على حساب مصير الشعوب العربية قد أثبتت للأمريكان بأن لا حليف حقيقي لهم وبأن دورها مثل دور إسرائيل التي تعمد إلى إدامة الاحتلال وهو دور سلبي  ومدمر. وقد بلغ السيل الزبى في العراق عندما دعمت السعودية “العصيان السنّي” ضد نوري المالكي، الأمر الذي كان مقدمة لاحتلال الموصل من قبل داعش وإنشاء “دولة الاسلام” السيئة الصيت. وقد أصبحت “دولة الاسلام” أو ما يعرف بداعش خطراً يهدد الأمن القومي الأمريكي في حين تنظر اليها السعودية بما يشبه التفهّم على أنها قوى موازنة للشيعة في العراق. إسرائيل من جهتها لا تبالي كثيرا بهذه الظاهرة التي تستهدف إيران ولا تهدد كيانها. وفي حين أصبحت داعش تهديد اًلأمريكا فإن إيران قد أصبحت هي الخطر الاستراتيجي لكل من السعودية وإسرائيل، هل يوجد تضارب مصالح أكثر من هذا؟ وإذا أصبحت داعش حليفاً بعيداً للسعودية فإن إيران هي حليف بعيد لأمريكا ومن يتحمل المسؤولية عما يحدثهما إسرائيل والسعودية اللتان تمشيان عكس مسار التاريخ وتريد ان للثورة الديمقراطية في العالم العربي أن تفشل حتى لو كان الثمن افتعال حروب أهلية في المنطقة كلها.

وإذ يفسر سلوك السعودية وإسرائيل ما قام به أوباما بدعم المؤسسة الأمنية الأمريكية فإن هذا لا يبرر الاتفاق مع طهران لأنه يشكل خطرا كبيرا على الشرق الاوسط وهو بمثابة ضربة قوية للشعب الإيراني نفسه. حيث  يدعو للتطبيع مع نظام أصولي قمعي يعمل على بسط أيديولوجيته ونظامها لظلامي على المنطقة ككل عن طريق الحرب والإرهاب. إن هذا الاتفاق لا يشكل خطراً على أمن إسرائيل مثل ما يصوره نتانياهو وقد يعتبره أحد أهم الخبراء الأمنيين إسحاق بن إسرائيل وهو جنرال متقاعد ورئيس وكالة الفضاء الإسرائيلية في مقال له نشر في صحيفة يديعوت أحرونوت “اتفاقاً جيداً”. لكن هو دون شك اتفاق سيء بالنسبة لمصير الشعوب العربية والربيع العربي. إن التعاون بين أمريكا وإيران في العراق أدى إلى اشتداد الطائفية وإلى تجذر “الدولة الإسلامية” بسبب الممارسات البربرية التي تقوم بها الميليشيات الشيعية بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي تم إخراجه من القائمة السوداء الأمريكية. إن هذا الاتفاق يطلق العنان لنظام الأسد -الذي رحب به- ليستمر في حربه المدمرة على الشعب السوري. ومن خلال هذا الاتفاق تخلى أوباما عن أي التزام أخلاقي، إنساني وسياسي تجاه الشعوب العربية التي تعاني من السياسة الإيرانية في المنطقة.

ومن هذا المنطلق تبقى الفرحة في كل من طهران وواشنطن محدودة بل وعابرة فهي لا تحل المشاكل الأساسية التي تعاني منها المنطقة، فإيران ليست شريكة لحل الحروب الأهلية في كل من اليمن، العراق، سورية ولبنان. ورفع العقوبات لا يسهّل على الشعب الإيراني وطبقاته المسحوقة ولن يمنع هزيمة العقائدية الإيرانية في كل من اليمن، والعراق وسورية. إن إيران غارقة في الحروب الأهلية التي افتعلتها، وقد تكلفها هذه الحروب كثيراً من طاقتها المالية والبشرية وما دام الدم العربي ينزف لن يعرف النظام الإيراني الاستقرار ولا الطمأنينة، وليس في هذا الاتفاق أي قدرة على تغيير الواقع الثوري الذي أحدثه الربيع العربي. إن الأنظمة الاستبدادية كلها من طهران إلى الرياض، من القاهرة إلى دمشق مصيرها واحد وحيد وهو الزوال، التضحيات جسيمة وأليمة لدرجة لا يحتملها العقل الإنساني ولكنها في الوقت نفسه تدل على رغبة كبيرة في الحياة، حياة كريمة حرة بعيدة عن التطرف الديني والاستبداد.

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.