الربيع العربي بين التطلّع إلى الديموقراطية والأصولية الإسلامية

عقدت الندوة حول الربيع العربي في اطار المؤتمر الفكري الذي نظمه حزب دعم في الناصرة في أواخر شهر تموز يوليو 2015. للمقدمة حول المؤتمر

من اليمين: اساف اديب، اسماء اغباريى زحالقة ومرزوق حلبي

كانت الندوة حول الربيع العربي بعنوان “الربيع العربي بين التطلّع إلى الديموقراطية والأصولية الإسلامية” شيء لا بد منه، كون الثورات العربية هي الشغل الشاغل  لحزب دعم منذ اندلاعها وذلك كونها المحرّك الأساسي للتغيير الجذري نحو الديموقراطية في العالم العربي ومساهم أساسي في التغيير السياسي داخل فلسطين. وقد جمعت هذه الندوة بين الرفيق أساف أديب مدير نقابة معاً وعضو قيادي في حزب دعم، وأسماء إغبارية زحالقة قيادية في حزب دعم والأستاذ مرزوق حلبي وهو باحث وصحافي في صحيفة الحياة اللندنية.

اساف اديب

وقد عرض الرفيق أساف أديب  تحليلاً شاملاً حول الثورات العربية في كل من مصر، تونس، اليمن وسوريا. وقال في بداية محاضرته أن كثيرين هم الذين تعاملوا مع الربيع العربي على أنه مجرد وهمٍ، لكننا مع اعترافنا بالتراجع الذي حصل في مساره نُصرّ على تسمية ما حصل في السنوات الأربع الأخيرة ثورة وليس أقل من ذلك. وقال أديب – ننظر إلى الثورات العربية بموقف متواضع ونحاول أن نتعلم منها وأن نتابع مسارها المتعرج انطلاقاً من الإدراك بأن التعقيدات والعراقيل الجمّة التي تواجهها هذه الثورات لا تقلل من أهميتها ودورها كمحرك حقيقي لعجالة التاريخ.

وقد تطرق أديب إلى الثورات العربية وضعف القوى اليسارية والليبرالية التي مالت بشكل قوي للتحالف مع العسكر ضد الإخوان المسلمين معتمدين على أخطاء فادحة قامت بها حركة الإخوان في مصر، حيث تصرف الرئيس المنتخب ديموقراطياً محمد مرسي بشكل أحادي الجانب مما انتهى بانقلاب عسكري دموي جاء بنظام ديكتاتوري عسكري برئاسة عبد الفتاح السيسي.

أما في في سورية فقد واجه النظام الإستبدادي الثورة بقمع وحشي منذ اللحظة الأولى مما دفع الثورة إلى التسلح بعكس خطتها ورغبة جماهيرها. وفي ظل غياب الدعم السياسي والعسكري للمعارضة الديموقراطية وفي ظل إصرار روسيا وإيران على تقديم الدعم للأسد بما في ذلك إرسال السلاح والمقاتلين والقياديين وإدخال الوحدات القتالية التابعة لحزب الله اللبناني إلى المعركة، فقد أصبحت الإمكانية لتطوير قيادة موحدة ملتزمة بأهداف الثورة المدنية والديموقراطية ضئيلة جداً. وقد جاء تراجع أوباما في آب 2013 عن معاقبة نظام الأسد على جريمة استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية واستعداده للدخول في صفقة مع الروس حول تفكيك السلاح الكيماوي والسماح للأسد باستمرار القتل والتجويع والتعذيب بأساليبه التقليدية – مثابة الضربة القاتلة للتيار المدني الديموقراطي. ظهور داعش كبديل أصولي مرعب في المناطق السنّية في العراق وفي الجانب الشرقي من سوريا كان العقوبة على جريمة أوباما واستعداده لقبول استمرار سلطة الأسد بشروط.

في تونس أنتجت حركة النهضة الإسلامية توجهاً يختلف عن نهج الإخوان في مصر وفي ظل غياب الأغلبية، تحالفت مع حزبي المؤتمر والتكتل بما سمي “الترويكا” وتم الاتفاق بين الأحزاب الثلاثة على أن تكون رئاسة الحكومة بيد النهضة وأن يشغل د. المنصف المرزوقي اليساري العلماني منصب الرئيس المؤقت لتونس. وحيال صعوبات جمة لا سيّما اغتيال المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد براهمي في عام 2013 تصرفت قيادة النهضة بمرونة وامتنعت عن استخدام قوتها بشكل أحادي الجانب مما أدى إلى التوصل الى دستور وطني جديد بالموافقة.

وقد تطرق أديب الى الثورة المضادة التي وقفت في وجه الثوار في مصر وسوريا واليمن وشخّص تحديداً دور السعودية وإيران كقوتين رئيسيتين تعملان على إخماد نار الثورة وإغراقها في الدماء والحروب الأهلية. فالسعودية تبث الإسلام الوهابي المتطرف والمنغلق منذ عشرات السنين في العالم العربي وتحولت إلى مركز الثورة المضادة بتمويلها ومساعدتها لكل القوى الرجعية والقمعية (تاريخياً لعب المال السعودي دوراً هاماً في إفساد الثورة الفلسطينية). وقد أدت استراتيجياتها الهادفة إلى القضاء على الإخوان المسلمين في كل من مصر، ليبيا، اليمن وسوريا إلى حروب أهلية وفوضى استفادت منها رموز النظام السابق من أمثال السيسي (مصر)، حفتر(ليبيا)، عبد الله صالح والحوثيين (اليمن)، الأسد ومخلوقه داعش (سوريا). أما إيران فقد دعمت نظام المالكي في العراق والحوثيين في اليمن والأسد وحزب الله في سوريا وذلك بسبب سياساتها المذهبية الطائفية مما ساهم في تاجيج الحرب الأهلية الطائفية التي تعم العالم العربي.

في ختام كلمته أشار أديب إلى أهمية الربيع العربي التاريخية بغض النظر عن التراجع الخطير في مسيرته الحالية وأكد أن ثورات الربيع كانت ثمرة لسلسلة من الحركات وموجات الاحتجاج والمبادرات التي بدأنا نراها في العقد الذي سبق الربيع أولاً لدعم انتفاضة فلسطين 2000 وبعدها في معارضة لدعم الأنظمة لحرب العراق 2003 وبعدها في معركة الديمقراطية 2005 (إعلان دمشق في سوريا وكفاية في مصر والحراك الجنوبي في اليمن) وانتهاء بالحراك العمالي 2008 (المحلة الكبرى و-6 أبريل في مصر وانتفاضة الفوسفاط في تونس).

هذه الحركات وغيرها وأكثر منها ما رأيناه في الثورات الشعبية عام 2011 وصاعدا من لجان تنسيق محلية في سوريا ولجان حماية الثورة في تونس ودور النقابات العمالية الجديدة في مصر وظهور مئات الحركات والأحزاب في كافة بلدان الربيع – كل ذلك لم يكن كافيا لضمان التطور السلمي المستمر في حركة الثورة. لكنه يدل على حضور ميداني لمئات آلاف الكوادر الثوريين الذين يُبدون إخلاصاً وروحاً نضالية ويستمرون في بناء التجربة الثورية دون كلل وتطوير أنماط نضالية وائتلافات جديدة تشمل الحركات الجديدة وقوى اليسار المستعدة للتجديد و الحركات الإسلامية التي تلتزم بالديمقراطية مثلما رأينا في تونس. ويدل ذلك على أن من أعلن وفاة الربيع العربي كان مخطئا وأن المستقبل للشعوب.

أسماء إغبارية زحالقة

وقد خصصت الرفيقة أسماء إغبارية زحالقة محاضرتها لتحليل الساحة الفلسطينية وتأثير الربيع العربي عليها. وقد ركزت نقدها على حركتي فتح وحماس كونهما حسب قولها جزء لا يتجزأ من النظام العربي القديم، نظام المحاور، الذي يرى في السلطة غايته المُثلى، وهما لهذا السبب بالذات يقفان في الطرف المضاد للربيع العربي. منذ بداية الثورات العربية بدأت الاصطفافات السياسية حيث شاهدنا سعي كل من فتح وحماس لإيجاد مكانهما في التكتلات الجديدة من منطلق ما يضمن بقاء سلطتيهما.

فتح وجدت نفسها في محور معارضي الربيع العربي، بدعمها انقلاب السيسي وانحيازها للسعودية، ولم تنأى بنفسها حتى عن دعم الأسد، العدو التاريخي اللدود لفتح. أما حماس التي ظنت لأول وهلة أن الربيع أخضر وهو ربيع التيارات الإسلامية، فقد اكتشفت قصر نظرها ومفهوما الخاطئ لإرادة الشعوب. فقد دخلت حماس أزمة وجودية باندلاع الربيع في سورية، مما دفعها لحسم موقفها والخروج على مضض من محور الممانعة وخسارة الدعم الإيراني. بالتالي، وجدت حماس نفسها في عزلة كبيرة، ودون أي حليف، بعد خسارة الإخوان المسلمين للحكم في مصر. وحمايةً لسلطانها في إمارة غزة، وجدت حماس نفسها في نفس الخندق مع سلطة فتح. وأدى بها الأمر إلى الموافقة على حكومة الوفاق عام 2014 ثم كسرها والاعتماد على تفاهمات غير رسمية مع إسرائيل حول هدنة طويلة الأمد حيث باتت إسرائيل الطرف الوحيد الذي يستفيد من الحصار الذي تفرضه مع مصر على غزة، بعد إعلان السيسي الحرب على الإرهاب واعتباره حماس جزءً منه.

والمثير للعبث أن تنظيم داعش بات يهدد مكانة حركة حماس كرائدة العمل المقاوم ويعتبرها متواطئة مع الاحتلال، تماما كما فعلت حماس بفتح سابقاً في الوقت الذي يستمر فيه أبو مازن بالتعاون الأمني مع إسرائيل وملاحقة عناصر حماس في الضفة الغربية. هكذا وصلت القيادات الفلسطينية رغم التناقضات بينها، إلى نفس المربع المريح تماماً لإسرائيل، والذي يعني تثبيت الانقسام السياسي والجغرافي، وابتعاد حل الدولة الفلسطينية إلى أجلٍ غير مسمى.

وبعد أن حللت موقف فتح وحماس الانتهازي من الربيع العربي تطرقت أسماء إلى الشباب الفلسطيني الذي لم يحذو حذوَ الشباب العربي الثوري. إن الشباب الثوري الذي خرج ليضع بديلاً ثالثاً لكلا المحورين، لا يجد له نظيراً فلسطينياً، وليس لأنه ليس هناك شباب مثقف ليبرالي يصبو إلى الحرية، بل لأن الشباب الفلسطيني لا يزال وبحجج مختلفة رهينة لنفس المعادلة الثنائية، ويتقوقع في النظام القديم الذي يرى العدو فقط في الاحتلال الإسرائيلي دون أن يدرك أن مواجهة هذا العدو القوي تحتاج تنظيف البيت الداخلي ومقاومة القوى السياسية التي تتعاون معه باسم البراغماتية.

أما بكل ما يتعلق بالقائمة المشتركة للأحزاب العربية الرئيسية في إسرائيل والتي أقيمت لغرض انتخابي بحت قبل انتخابات 2015 فأكدت إغبارية زحالقة بأنها قائمة تعجز عن اتخاذ موقفٍ من التطورات الهامة في العالم العربي، وهي بذلك تعلن تنازلها عن الهوية القومية العربية. وليس هذا غريبا إذ أن قيادتها تلعب ضمن المحاور العربية القديمة البالية، وترى في أبو مازن حليفاً لها، ولكن عناصر أخرى فيها ترى في الإخوان حلفاء لها، وهناك التجمع المنقسم على نفسه في هذا الشأن ولا يريد اتخاذ موقف حاسم من الصراع الدائر في العالم العربي. النتيجة هي قائمة لا تحل ولا تربط وليس بامكانها اتخاذ أي موقف بسبب التناقضات الكبيرة بين مكوّناتها.

وقد حذرت أسماء من استغلال القوى الإسلامية المتطرفة لهذا الفراغ السياسي الكبير وأشارت إلى الخطر الكامن في سيطرة حركات من أمثال داعش ومن يدعمها داخل الخط الاخضر على الحيز العام الأمر الذي أدّى إلى ازدياد العنف والترهيب لقمع الحريات الشخصية، ملاحقة المبدعين، قمع حرية المرأة والترهيب الفكري باسم الدين. ولخصت موقفها بالإقرار بانه لا بدّ من المواجهة ضد هذه التوجهات الخطيرة وإعادة النظر في المسببات التي قادت القوى العلمانية واليسارية إلى هذا المآل. في هذا المجال طرحت اغبارية زحالقة موقفها ضد القومية الرجعية حين قالت بأن الموقف القومي اليميني الذي يصل إلى درجة العمى أحيانا ضد كل من هو يهودي، قد صبّ في خانة الإسلام السياسي من جهة، وأفاد من الجهة الأخرى اليمين الإسرائيلي المتطرف، وساهم في تقويتهما على حساب التيار القومي نفسه الذي وصل هو الآخر إلى طريق مسدود بسقوط أنظمته أو على الأقل ارتعاد فرائصها. من هنا، فلا بد من البحث بجد عن شركاء بغض النظر عن قوميتهم، وبناء تحالف على أساس موقف سياسي مبدئي لإنهاء الاحتلال وكل أشكال القمع والاستغلال وعلى أساس العدالة الاجتماعية. في تحالف سياسي إنساني من هذا النوع يمكن أن نجد الكثير من الشركاء العرب واليهود الراغبين في العيش في مكان حر لا تكون فيه قومية أو دين أو فكر الإنسان أو جنسه أو ميوله أو نمط عيشه، سببا لقمعه والدوس على كرامته وحرياته.

مرزوق حلبي

أما الكلمة الأخيرة في الندوة فقد كانت للباحث مرزوق حلبي الذي طرح في بداية كلمته ضرورة التفكير بأدوات جديدة. وقال الحلبي بأننا بحاجة إلى عدّة متنوعة من الأدوات النظرية لفهم ما حصل ويحصل في سوريا ودول عربية أخرى. من عادتنا أن نقرأ ما يحصل داخل الدول ضمن ما اصطلح على تسميته “سوسيولوجيا الدولة القومية” التي توفّر جملة من الأدوات المأخوذة من العلوم الإنسانية والسياسية التي تتمحور حول مفهوم الدولة والمواطنة لكننا نرى أن هنالك حاجة لقراءة متعددة الأدوات للظاهرة الحاصلة أمام أعيننا لغرض المقاربة والإدراك، فما حصل خرج عن حدود موديلات الاجتماع والسياسة التي وضعها ذوو الاختصاص حتى الآن وهناك حاجة لجهدٍ جديدٍ نقوم به ونُضيف من خلاله قيمةً مُضافةً لفهم ما يحصل وللعلوم الإنسانية. وقدم الحلبي بعض الملاحظات الهامة حول تجربة الثورة السورية حين قال إن سورية الأسد سيطر عليها نظام أخفق بكل المستويات خاصة فيما يتصل بالحريات وكرامة الإنسان وسلطة القانون والفصل بين السلطات وبناء الاقتصاد. وأدى ذلك إلى تضاؤل شرعية النظام الذي قاد دولة فاشلة في المستوى الداخلي والخارجي عاشت وبقي النظام بفعل القمع والأجهزة الأمنية، ناهيك عن دعم استراتيجي من إيران ومن روسيا اللتين حرصتا على إسناد النظام الذي حقق لهما المصالح كافة بكل الوسائل. بل بدا النظام في سورية بالنسبة للشعب السوري وكيلاً لجهات خارجية أكثر مما هو نظام وطني.

رغم ادعاء بعض المحللين بان الازمة السورية جاءت نتيجة مؤامرة امريكية خليجية وانكار طبيعة الاحداث قال الحلبي بانه يرى في ما يحدث في سوريا ثورة شعبية بكل المعايير، لا تزال جمراً تحت رُكام المدن، وتحت صور اللجوء في الوطن والنزوح خارجه. ثورة لا تزال تسكن قلوب الغالبية العُظمى من السوريين، الذين شوّه الطاغية صورة وجوههم وقلوبهم. ثورة لا تزال حية تُرزق من حوران جنوباً، حتى الحسكة شمالاً، على رغم لغة الطاغية ومفرداتها المتمثّلة في براميل البارود، واستقدام الأفغان والإيرانيين واللبنانيين. ومن هنا فمَن يفترض وجود شعب في سورية، ومَن يفترض أن لهذا الشعب حقوقاً وحريات وكرامات، فلا بدّ من أن يكره الطاغية ويتمنى ذهابه. لا بدّ من أن يتذكّر جرائمه وعنفه المدمّر، والتخريب الذي أحدثه في مجتمعات سورية ومدنها وتاريخها! سيستفظع تعاون هذا النظام ومناوراته مع «داعش» وغيره من قوى على الأرض السورية. سيكرَه تجارته بالمذاهب والأقليات وبحيوات السوريين ومستقبلهم. هذه هي نقطة الارتكاز الأساسية في الأزمة السورية.

للأسف مع إنتقال ثورات الربيع العربي في سوريا وإندلاع الحراك الثوري جوبهت الجماهير الثائرة بحرب مدمرة شنّها النظام على شعبه. وأدى ذلك الى إنهاك البلاد وتحويل مجتمعها إلى نازحين في الوطن ولاجئين خارجه ومهدَّدين بالتهجير أو بالجوع. بل إن الحرب في وقائعها الميدانية قد تُفضي في أقلّ تقدير إلى تقسيم البلد وإقامة دويلة علوية في شريط الساحل ودولة سنية على سائر المناطق. إن المتنازعين وبينهم النظام ومؤيدوه وقوى من خارج سوريا مثل داعش وبعض التشكيلات الإسلامية غير معنيين بسورية الديمقراطية ولذلك للأسف فإننا سنرى نزاعاً أهلياً دامياً لسنوات طويلة يستقدم مزيداً من الدمار على سورية. 

عن حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.