الساحتان الإسرائيلية والفلسطينية على عتبة تحولات مع أفول عهد نتنياهو ومحمود عباس

تقرير سياسي للجنة المركزية  27.06.2021

تنعقد الجولة الحالية للجنة المركزية في ظروف سياسية استثنائية، في مقدمتها سقوط حكومة نتنياهو الذي استمر في الحكم 12 عاماً متتالية، وصعود حكومة جديدة معقدة سياسياً مركبة من ثمانية أحزاب متباينة من أقصى اليمين مروراً بالوسط وإلى أقصى اليسار إضافة لحزب عربي إسلامي.

وقد نشرنا مقالاً بعنوان “سقط نتنياهو وبقي إرثه” نظراً لطبيعة الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة نفتالي بينت، التي اتفقت مركباتها المتنافرة من أجل بقائها واستمرارها على عدم الخوض في أي نقاش أيديولوجي حول القضايا المصيرية مثل القضية الفلسطينية وعلاقة الدولة بالدين والموقف من دور المحكمة العليا وصلاحياتها وقانون القومية والتناقض بين يهودية الدولة وطبيعتها الديمقراطية. حيث شكلت هذه القضايا الأساسية نقطة خلاف خلال سنوات بين كتلة نتنياهو واليمين وبين الكتلة المعارضة له، التي يمثلها حزب يش عتيد (يوجد مستقبل) بقيادة يائير لابيد، ورأينا أن لابيد مهندس الحكومة الجديدة كيف أبدى استعداده منذ البداية للتنازل عن منصب رئاسة الحكومة لصالح نفتالي بينت لتحقيق النصاب المطلوب لقيام الحكومة كل ذلك بهدف إسقاط نتنياهو، وقد حملت هذه الخطوة في طياتها التنازل عن المبادئ الجوهرية التي تفصل بين اليمين المحافظ والجناح الليبرالي في إسرائيل.

ومن الممكن اعتبار حكومة بينت – لابيد بمثابة حكومة انتقالية، وعلى الرغم من أنها وضعت نصب عينها إسقاط نتنياهو ونهجه الشعبوي الخطير، إلا إنها بنفس الوقت لم تضع خططاً إستراتيجية بعيدة المدى تتعلق بإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني أو لمواجهة أزمة المناخ أو ردم الفجوات الاجتماعية بين أغلبية المواطنين وبين الأقلية التي تستفيد من تطوير قطاع الهايتك وتجني الأموال، إضافة للعديد من القضايا مثل حل أزمة المواصلات وإصلاح الجهاز التعليمي وتقوية الجهاز الصحي ومعالجة مشكلة المسنين المتقاعدين المتعلقين بمخصصات التأمين الوطني.

اقتصادياً، إذا كان نتنياهو يتبع النهج النيو ليبرالي المُطبق في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أربعة عقود في عهد رونالد ريغان ومن ثم انتشر في شتى أنحاء المعمورة، فإن الحكومة الجديدة تجمع بين جناح محافظ يسير على نفس النهج الذي يرى في الدولة مصدر المشكلة، وبين جناح إصلاحي يرى في الدولة والقطاع العام مصدراً لمعالجة الأزمات المختلفة من أزمة المناخ إلى وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) إلى مشكلة الفقر وتعميق الفجوات الاجتماعية التي بسببها نشأت الشعبوية والميول الفاشية في العالم.

واليوم ينتقل العالم، بسبب الأزمة الصحية العلمية من جراء وباء كورونا وأزمة المناخ التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وحدوث كوارث طبيعية، نحو نظرية جديدة تضع نصب عينيها مراعاة رفاهية الإنسان، ومكافحة الفقر والانتقال إلى طاقة متجددة بالاعتماد على الثورة الصناعية الرابعة المؤسسة على التكنولوجيات الجديدة والإنترنت.

كما أن التغيير السياسي الجذري الذي حدث في أمريكا بعد هزيمة ترامب وفوز جو بايدن بمنصب الرئاسة، وضع برنامج “الصفقة الجديدة الخضراء” على الطاولة وباتت على جدول الأعمال العالمي وحدد بشكل واضح أن ليس الكرة الأرضية فقط تواجه خطراً وجودياً، بل هناك تهديد على النظام الديمقراطي نفسه بسبب إقصاء ملايين من العمال في العالم من الاقتصاد المعولم، الذي ساهم في تويسع الفجوة بين الغني والفقير إلى مستويات غير معقولة. حيث تمتلك نسبة 1% من البشر ثروة تساوي ثروة بقية الـ 99% من السكان، فمن الواضح أننا أمام نظام سياسي أثبت فشله وفقد فاعليته.

الحكومة الجديدة.. تغيّر الأسلوب إلا أن إرث نتنياهو يبقى السائد

قد تتبنى الحكومة الجديدة بقيادة بينيت – لابيد سياسة أكثر توازناً حيث ترفض نظرية “الدولة العميقة”، التي اعتمدها نتنياهو في سعيه للتشكيك بكافة أجهزة الدولة، مثل المحكمة العليا والشرطة والإعلام. كما يبدو أن الحكومة الجديدة تتخذ مواقفاً سياسية متوازنة أكثر مع واشنطن حيث تسعى للعودة إلى التعامل مع الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس على حدٍ سواء، خلافاً للسياسة القديمة التي انحازت إلى ترامب والمجموعات العنصرية الداعمة له. وقد يكون موقف الحكومة الجديدة من الاتفاق النووي مع إيران أكثر مرونة وأقل تحدياً للإدارة الأمريكية، كما من المفترض أن يكون موقفها من السلطة الفلسطينية في رام الله أقل عدائية مقارنة بحماس على عكس سياسة نتنياهو الذي اعتبر تقوية حماس ضمانة لبقاء الانقسام الفلسطيني. كما ينوي بينت ولابيد اتخاذ مواقف أكثر واقعية إزاء المواطنين العرب في إسرائيل سيما وقد شمل الاتفاق الائتلافي القائمة العربية الموحدة لأول مرة، ومن المتوقع أن يزيد ابتعاد الحكومة عن الأحزاب الدينية اليهودية التي شكلت ركناً أساسياً في كتلة الليكود.

رغم ما سبق تبقى معالجة القضايا الجوهرية رهينة السياسات القديمة ولا تخرج عن دائرة إرث نتنياهو الذي تتمسك به الحكومة للحفاظ على تماسكها الداخلي لاستمرار بقائها. ومن القضايا التي تحظى بإجماع شامل في إسرائيل يعتبرها عصية على الحل هي القضية الفلسطينية، حيث يجمع النظام السياسي الإسرائيلي برمته بكل أحزابه وتياراته السياسية، يمينية كانت أو يسارية، بما فيها الحركات الخضراء وحتى الأحزاب العربية، وينص هذا الإجماع على كون القضية الفلسطينية قضية غير قابلة للحل.

رغم أهمية الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل وتأثيرها، تواصل كافة الأحزاب حتى الآن تجاهل المبادئ التي حددها الرئيس الأمريكي بايدن كأركان سياساته، المتعلقة بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وضرورة محاربة العنصرية وكذلك بخصوص المواجهة مع الصين وروسيا وإعلانه عن المعركة ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية، كل هذه الأهداف تقابلها الساحة الإسرائيلية بصمت ولا تبدي تفاعلاً معها.

أما فيما يتعلق بالبرنامج الاقتصادي لبايدن الساعي لتفكيك الاحتكارات العملاقة مثل فيسبوك وغوغل وأمازون وآبل، تتأخر السلطات الاسرائيلية ولديها حالة من الإنكار لبرنامج بايدن الخاص بالانتقال إلى الطاقة المتجددة ومحاربة أزمة المناخ وضرورة رفع الضرائب وزيادة الأجور وتقوية النقابات العمالية.

الاعتقاد السائد في إسرائيل بعدم وجود حل للقضية الفلسطينية وفقاً للافتراض الخاطئ بأن كل إنجاز للفلسطينيين يعتبر خسارة للإسرائيليين. وعلى الرغم من التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، ساري المفعول حتى اليوم، إلا أن الشعب الفلسطيني يعتبر عدو وربما العدو الأول لإسرائيل. وقد أتضح منذ لحظة إبرام الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993، بأن إسرائيل لا تنوي السماح ببناء دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحتى بعد الانسحاب الأحادي الجانب من غزة في عام 2005، والانقسام بين سلطتي حماس وفتح من ناحية وتوسع الاستيطان حيث ارتفع عدد المستوطنين إلى أكثر من نصف مليون مواطن من ناحية أخرى، أصبحت الدولة الفلسطينية المستقلة من المستحيلات وهدفاً غير واقعي.

بعد أربع سنوات من حكم الرئيس السابق ترامب، الذي انحاز تماماً لإسرائيل ومنحها بموجب “صفقة القرن” السيادة على مناطق “ج” المأهولة بالمستوطنين وترك للفلسطينيين حكم ذاتي هزيل على المدن الفلسطينية ومحيطها، ترسخ الاعتقاد بأن الدولة الفلسطينية هي مجرد وهم لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع. وتعتبر اتفاقات التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين ومن ثمة السودان والمغرب بدعم مباشر من ترامب، دليلاً قاطعاً على ما روج له نتنياهو منذ توليه الحكم بأن القضية الفلسطينية ليست لب النزاع مع العالم العربي، وأن معادلة “الأرض مقابل السلام” باتت من الماضي وتقادم عليها الزمن. وقد دعمت جميع الأحزاب الصهيونية بما فيها الأحزاب اليسارية المتحالفة في حكومة بينت – لابيد هذه الاتفاقيات ولم ترفع خلال دعايتها الانتخابية على مدار أربع جولات متتالية القضية الفلسطينية كنقطة خلاف أساسية بينها وبين اليمين المتطرف.

ألا أن فوز بايدن على ترامب قلب الأمور رأساً على عقب، ليس بسبب دعوته للعودة إلى المفاوضات مثل ما قام به أوباما، بل لأنه سحب البساط من تحت قدمي نتنياهو وشجع بالتالي معارضيه على إسقاطه بعد أن فقد نتنياهو صديقه ترامب الذي منحه دعماً مطلقاً.

كرسي محمود عباس يهتز

في الجهة المقابلة، فإن التغيير النوعي في السياسة الأمريكية شجع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، للتحرك سياسياً من أجل إخراج السلطة من الهوامش والعزلة التي وجدت نفسها بها كنتيجة لسياسة ترامب واتفاقيات التطبيع مع الدول العربية. وجاء الإعلان عن الانتخابات بمثابة الخطوة الأولى المطلوبة لإعادة الصفة التمثيلية للسلطة الفلسطينية كطرف شرعي في المعادلة وإحباط موقف إسرائيل التي تستخدم ذريعة الانقسام الفلسطيني لتبرير رفضها التفاوض لحل القضية. ولأسباب تتعلق في إنجاح المسار الانتخابي كان على أبو مازن أن يتصالح مع حماس ويعيد الوحدة الإقليمية بين الضفة الغربية والقطاع وأن يشكل حكومة جديدة منتخبة من خلال انتخابات نزيهة وشفافة ومفتوحة أمام كل الطيف السياسي الفلسطيني.

ولكن سرعان ما انقلبت الأمور، وأعلن عباس في أواخر نيسان/أبريل إلغاء الانتخابات بحجة رفض إسرائيل السماح بإجرائها في القدس، وقضى بذلك على ما كان من المفترض أن تكون خطوة تصحيحية بعد 15 سنة من دون انتخابات ومن دون برلمان ونقلة نحو توحيد الساحة الفلسطينية تحت جسم سياسي تمثيلي متفق عليه. إن تراجع أبو مازن عن الانتخابات يشير بوضوح لخوف حركة فتح من الهزيمة واعتراف منه بإفلاس السلطة، الأمر الذي زاد من فقدان مصداقيتها وقدرتها على الاستمرار. وجاء قرار إلغاء الانتخابات بعد أن أتضح لعباس بأن حركة فتح نفسها دخلت في انشقاقات داخلية وانقسمت إلى ثلاثة تيارات، الأمر الذي يصب في صالح حماس التي تمسكت بوحدتها وأصبحت المرشحة للاستيلاء على السلطة بشكل ديمقراطي كأسلوب لفك الحصار عنها في غزة. وكانت حماس تنوي عن طريق الانتخابات التموضع كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.

على الرغم من أن إلغاء الانتخابات الفلسطينية لم يسجل اعتراضاً شعبياً أو حزبياً من قبل 35 قائمة ترشحت للتنافس في الانتخابات، إلا أن حركة حماس رأت في الإلغاء صفعة قوية لأنه يبقي الحصار المطبق عليها على حاله ويسلبها الفرصة الذهبية لكسب موطئ قدم في الضفة الغربية كوسيلة للمساومات على مصير القطاع. لذلك كان رد حماس المباشر إذا كان أبو مازن لا يريد نقل السلطة بشكل ديمقراطي إليها في حال فوزها بالانتخابات فالبديل هو أن تحتل حماس الساحة وتتصدر المشهد من خلال مواجهة عسكرية محدودة مع إسرائيل. وكان المقرر أن يؤدي ذلك إلى فضح ضعف وعجز أبو مازن والسلطة على تشكيل أي تحد للاحتلال وإبراز حماس كقوة مناضلة شريفة تهتم بالقدس وذلك تحت الشعار المعروف “الأقصى في خطر”.

وقد شهدنا كيف ازدادت شعبية حماس بعد المواجهة العسكرية مع إسرائيل على مدى 11يوماً في أيار/مايو الماضي، في مقابل فقدان السلطة ورئيسها عباس ما تبقى من دعم شعبي. إلا أن حماس لم تخرج من المعركة منتصرة كما تدعي، نظراً للخسائر الكبيرة التي مُني بها القطاع وسقوط ضحايا أكثر من 250 قتيلاً بينهم 67 طفلاً، إضافة لتدمير مبانٍ سكانية وأبراج جعلت نحو سبعين ألف مواطن من دون مأوى.

وفي المقابل، لم تنتصر إسرائيل في هذه الحرب، رغم جبروتها العسكري وقدراتها التكنولوجية المتقدمة بما فيها مضادات الدفاع الجوية “القبة الحديدية”. عدم الحسم العسكري خلال أربع جولات عسكرية ضد حركة حماس، منذ استيلاء الأخيرة على القطاع بانقلابها على السلطة الفلسطينية عام 2007، قلل خيارات إسرائيل للتعامل مع حماس وجعلها تعترف بها كقوة تسيطر على غزة وليس لها أو لأي طرف آخر بديل عن حماس. كما أن سيطرة حماس على غزة هي نتيجة حتمية لغياب طرف فلسطيني أو عربي أو دولي يكون على استعداد لإدارة القطاع. والنتيجة النهائية وبسبب الحصار الإسرائيلي وتحكم حماس بات القطاع منطقة منكوبة تعيش كارثة إنسانية لا يمكن معالجتها في الظروف الحالية.

ومن الواضح أن الدمار الذي ألحقته إسرائيل في غزة لم يكن عقاباً لحماس بقدر ما كان عقاباً للسكان وزيادة معاناتهم وتعميق بؤسهم ويأسهم وزيادة العداء تجاه إسرائيل والسعي لفك الحصار غير الإنساني بكل الطرق الممكنة. وقد دفعت إسرائيل ثمناً سياسياً غالياً بعد أن طلبت الإدارة الأمريكية منها وقف إطلاق النار فورا وتعرضت لانتقادات لاذعة من قبل الصحف الأمريكية والعالمية التي عرضت صور الدمار الهائل في غزة.

إن موقف إسرائيل من الفلسطينيين واستمرار الاحتلال وسياسة الأبرتهايد تجاه المواطن الفلسطيني مثلما نرى في إخلاء السكان المقدسيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح والحصار المستمر على قطاع غزة وما يسببه من أزمات إنسانية، كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى سحب البساط من تحت أقدام إسرائيل التي تتدعي بأنها تسعى للسلام وتبرر سفك الدماء والعنف بسبب عدم استعداد الفلسطينيين بالاعتراف بدولة إسرائيل أو بطبيعة حماس الإرهابية، وغيرها من الادعاءات الهدف منها إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه من دون تغيير. إن الرأي العام العالمي لا يقبل سياسة إسرائيل ومحاولاتها تغييب الفلسطينيين وتحويلهم إلى مشكلة تضرك بعض الشيء، ولكن يمكنك أن تعيش معها (او حسب مقولة بينت “شذية في المؤخرة”).

قطاع غزة يقف اليوم أمام خيارين لا ثلاث لهما: إما استمرار الواقع الحالي، ما يعني إبقاء سيطرة حماس وبالتالي تكرار الجولات العسكرية وتوسيع رقعة الدمار والكارثة الإنسانية. فطالما تسيطر حماس على غزة فلا بد من تجدد المواجهات العسكرية الموسمية واستمرار الدمار، فقد رأينا خلال أكثر من عقد من الزمان فشلت كل المحاولات لإعادة إعمار غزة تحت حكم حماس. وإن الدعوات لفتح ميناء في غزة وتطوير البنية التحتية وتسهيل دخول وخروج الناس والبضائع من وإلى القطاع لا يمكن أن تتحقق نظرا لنهج حماس. هذه الحركة أثبتت خلال 14 عاماً من سيطرتها بأنها لا تعرف كيف تدير بلد وكل ما تبنيه هو سلطة فاسدة استبدادية تتغطى بشعارات نهج “المقاومة” مثلها مثل حزب الله في لبنان الذي يستعمل هذا الخطاب لتبرير سلطته المطلقة ويجر لبنان إلى الهاوية.

والخيار الآخر ليس أفضل بكثير، وهو سيطرة سلطة رام الله على قطاع غزة، فهذا البديل ليس عملياً بدرجة كافية، وذلك نظراً لضعف السلطة وعدم قدرتها على مواجهة حماس، ناهيك عن إنها فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة الضفة الغربية، ولا تمتلك المؤهلات لتسلم إدارة قطاع غزة المنكوب الذي يحتاج إلى عملية إعادة إعمار ضخمة.

أما من يحلم بعودة إسرائيل للسيطرة على غزة فهو مخطئ. على الرغم من أن إسرائيل في واقع الأمر تتحكم بكل كبيرة وصغيرة بما يحدث في القطاع، ابتداءً من توفير الطاقة والكهرباء إلى سجل المواطنين الذين يحملون أرقام هوية تحددها إسرائيل إلى العملة المستعملة في غزة – الشيكل الإسرائيلي – إلى الاستيراد والتصدير. كل هذه الأمور لا زالت تسيطر عليها الرقابة الإسرائيلية، حيث تتحكم إسرائيل بكل المنافذ القطاع البحرية والجوية وحتى حقائب الدولارات القطرية لا تمر من دون موافقة إسرائيلية. فغزة لغاية اليوم تقع تحت سيادة إسرائيل من دون أن تتحمل أي مسؤولية عن سكانها. في الحقيقة لا أحد يأخذ على عاتقه تحمل مسؤولية السكان الذين أصبحوا لعبة في أيدي حماس وإسرائيل. هذا الترتيب بين إسرائيل وحماس لا يمكن أن يستمر طويلا وكل المحاولات لإرضاء حماس من ناحية أو الاعتماد على أبو مازن ستثبت فشلها.

الهبة الفلسطينية بلا برنامج وقيادة

رافقت المعركة الدموية الأخيرة بين حماس وإسرائيل مظاهرات جماهيرية شملت القرى والمدن العربية داخل إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية ومدن في أوروبا والولايات المتحدة. وخلقت هذه الاحتجاجات شعوراً بأن الشعب الفلسطيني توحد من جديد واستطاع أن يعيد إلى ذهن العالم قضيته المنسية. وأبرز ما شغل بال القيادة الإسرائيلية وبذات الوقت قيادة حماس وحتى الإدارة الأمريكية كان مشاركة المواطنين العرب في إسرائيل في الغليان وتحديداً أعمال العنف والاعتداء على ممتلكات وبيوت السكان اليهود في المدن المختلطة مثل يافا واللد وحيفا وعكا إضافة إلى الاعتداء جسديا على مواطنين من أصل يهودي. وبالمقابل شاهدنا اعتداءات لعناصر منظمة شبه فاشية يهودية على المواطنين العرب أسفرت عن حدوث إصابات بأرواح أبرياء من كلا الطرفين.

وإذا كانت شعارات الحراك الجماهيري المركزية “الأقصى بخطر” و”أنقذوا الشيخ جراح”، إلا أن الانفجار الجماهيري يجب فهمه من منظور أوسع.  فأسباب الانفجار الاحتجاجي تعود إلى الشعور باليأس والغضب ليس فقط من الحكومة الإسرائيلية وممارستها العنصرية والاستفزازية، بل أيضا تجاه القيادات العربية – سواء كانت الأحزاب العربية الممثلة بالكنيست أو السلطة الفلسطينية في رام الله. وإن العنف الذي ظهر خلال الأحداث الأخيرة ضد المواطنين اليهود ورموز الدولة هو نفس العنف الذي يمارس يومياً داخل المجتمع العربي ضد المواطنون العرب أنفسهم، الأمر الذي جعل حياة المواطنين العرب في بلداتهم وبيوتهم مهددة بكل لحظة. وتحاول القيادات إلقاء اللوم على الشرطة بالقول بأنها عاجزة عن محاربة “مجموعات الإجرام” وتسمح لهم بالتصرف بحرية في البلدات العربية بينما تحاربهم في المدن اليهودية. في الواقع لا يمكن حصر العنف وعمليات القتل المستمرة في المجتمع العربي بمجموعات الإجرام فهي قد أصبحت ظاهرة عامة، فقد باتت ظاهرة متفشية تمارس داخل العائلة وبين الجيران وداخل المدارس وفي الشارع وفي الأعراس وخاصة في المعارك المتواصلة على من يسيطر على السلطة المحلية بين الحمائل والعائلات.

البيئة في الشارع العربي أصبحت عنيفة حيث يستخدم العنف لفرض العقائد الدينية ولقمع كل من لا يتماشى مع ما يسمى بـ”العادات والتقاليد” وضد المرأة التي ترفض اللباس “المحتشم” أو تشارك في نشاط ثقافي أو رياضي أو اجتماعي وضد الكاتب والفنان الذي يريد أن يمارس حقه في التعبير الحر ويتحدى المعتقدات التقليدية وكذلك ضد مثليي الجنس.

في مناطق السلطة الفلسطينية تتم ممارسة العنف لخلق الإرهاب والخوف ولمنع ظهور أي نوع من المعارضة المنظمة للسلطة وتحذو حركة حماس في غزة حذو سلطة رام لله في قمعها لأي صوت “نشاز” ينتقد سلطتها.

كما أن هناك جانب اقتصادي اجتماعي خطير لانتشار العنف في المجتمع العربي يعود إلى وجود شريحة واسعة جداً من الشباب الذين يعيشون أزمة وجودية إذ أنهم لا ينخرطون في العملية التعليمية وعاطلون عن العمل. وتشير الإحصائيات إلى أن 40% ممن تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 24 لا يعملون ولا يتعلمون. وفي ظل غياب فرص للتدريب والتأهيل المهني والتقدم وفي ظل أزمة السكن الخطيرة في البلدات العربية والفقر المنتشر تبقى هذه الشريحة من الشباب من دون أمل في مستقبل لهم إذ أنهم يشعرون بالإحباط والغضب تجاه المجتمع الذي لا يهتم بهم وتجاه السلطة التي تمارس التمييز ضدهم، ويشكلون بالتالي أرضية خصبة لترعرع العنف في الشارع وفي البيت.

وما يزيد من حدة الأزمة هو السيطرة المطلقة للعائلات وللأفكار العائلية والتقليدية على الحيز العام في البلدات العربية، الأمر الذي يرسخ تأثير القوى المحافظة على المجتمع، ولا يمنع حرية التعبير فحسب، بل ينفي الحريات الشخصية الأساسية ويشطب كل فرصة لممارسة الحياة الديمقراطية على المستوى الشخصي أو على مستوى البلد والمجتمع ككل. ما نراه في الوقت الحالي هو فقدان المجتمع العربي لأطر قيادية متنورة وعصرية تستطيع معالجة مشاكل المجتمع بشكل فعّال وموضوعي. وطالما تستمر ظاهرة انتخاب السلطة المحلية على أساس عائلي سيؤدي الأمر تلقائياً إلى المزيد من الفساد وانعدام الشفافية، وبالتالي فقدان الثقة بين المواطن العربي والسلطة.

في هذا السياق، فإن التعاون بين الأحزاب العربية وبين العائلات والحمائل يدفع المواطن إلى الابتعاد عن الأحزاب العربية، وبالتالي فقدانه للثقة بالعملية الديمقراطية نفسها، وهذا ما شهدناه في انخفاض نسبة التصويت إلى ما دون 50% في الانتخابات الأخيرة. كل الخطط الحكومية، مثل قرار 922 الذي منح للوسط العربي 15 مليار شيكل على مدار خمسة سنوات لا تجدي نفعاً كون السلطة المحلية العربية عاجزة عن استغلال هذه المبالغ بالشكل الصحيح والفعال.

وإذا أضفنا لكل هذه الظواهر موقف السلطة الإسرائيلية من المواطنين العرب وما تمارسه من التمييز ضدهم في كافة مجالات الحياة سنجد المادة الخام الكافية لخلق الانفجار العنيف. وفي ظل 70 سنة من إهمال للبنية التحتية وحاجيات البلدات العربية قام نتنياهو خلال الـ 12 عام من حكمه بحملة تحريض غير مسبوقة ضد المواطنين العرب. صحيح أن حكومته خصصت لأول مرة مليارات الشواكل لتطوير الوسط العربي، لكنها مع استمرار الأزمة الداخلية في المجتمع العربي وغياب القيادات الكفؤ لم تحدث الميزانيات تغييراً كبيراً في حياة المواطن العربي (علماً بأن نسبة استنفاذ الميزانيات التي منحت كانت جزئية جداً لأسباب عدة).

الحملة العنصرية الرخيصة ضد العرب جاءت بهدف تكريس سلطة الليكود واليمين، حيث أدرك نتنياهو مبكراً ضعف التيار الليبرالي الإسرائيلي وعدم امتلاكه القوة البرلمانية لتشكيل ائتلاف حكومي يكون بديلاً لليمين من دون التحالف مع العرب، ومن هنا قام نتنياهو بحملة مناهضة للعرب هدفت بالأساس إلى نزع الشرعية عنهم كشركاء لأي ائتلاف مستقبلي. وقد جنى نتنياهو من هذه الحملة التحريضية ضد العرب تعبئة قاعدته الانتخابية من ناحية، وتخوين الأحزاب الليبرالية التي تفكر في الاعتماد على الأحزاب العربية لإسقاط حكومته من الناحية الأخرى.  

وقد قرر نتنياهو لاحقاً تغيير التكتيك والتوجه إلى الحركة الإسلامية من أجل الحصول على الأغلبية في الكنيست، إلا أن خطوته جاءت متأخرة ولم تغير من غضب الجماهير العربية منه، كما لم يتمكن من منع الهبة الجماهيرية التي كانت مفاجأة له وللأجهزة الأمنية برمتها.

وقد انتهت هذه الهبة الجماهيرية من دون نتيجة حقيقية. ففي الوقت التي قامت السلطات الإسرائيلية بحملة اعتقالات واسعة بحق الشبان الذين شاركوا في المظاهرات وأعمال العنف، عادت الحياة إلى مجرياتها، ما يعني أن عمليات القتل والعنف الداخلي ستستمر وحياة الشباب “الطافشين” من دون مستقبل لن تتغير.

ومن الجدير ذكره، في هذا المجال إجراء مقارنة بين الحراك الشبابي في فلسطين وبين الحراك الشبابي في أمريكا وتحديدا حركة “حياة السود لها قيمة”. ففي حين نرى الحراك الأمريكي يتبنى برنامجاً سياسياً واجتماعياً واضحاً وانخرطت أغلبيته الساحقة داخل الحزب الديمقراطي وتجندت في الانتخابات الأخيرة لصالح مرشح الديمقراطيين جو بايدن بهدف الإطاحة بالرئيس العنصري دونالد ترامب، في المقابل يبقى الحراك الفلسطيني من دون عنوان سياسي أو قيادة سياسية. وإن حركة السود خلافاً للحراك الفلسطيني هي في أساسها حركة مؤطرة سياسياً وتحمل برنامجاً واضحاً وتتعاون مع البيض الديمقراطيين وتدافع عن القيم الديمقراطية باسم كل الأمريكيين وليس فقط باسم السود.

أما الحراك الفلسطيني الذي يرفع شعار “فلسطين حرة” يكتفي في التعبير عن الانتماء القومي ورفضه للظلم والاحتلال ولنظام الفصل العنصري، لكنه يفشل في طرح برنامج سياسي بديل وعملي لتحقيق هذا الهدف. في حين يطرح قياديون سياسيون من السود الأمريكيين أجندة اجتماعية خضراء ويتحالفون بشكل طبيعي مع النقابات العمالية بموقف منفتح وعصري ينادي بحقوق المرأة ويقف إلى جانب المثليين. فالأجندة التي يظهرها الحراك الفلسطيني خالية من أي موضوع اجتماعي وتتسم بالانغلاق والابتعاد عن أي مشاركة مع قوى ديمقراطية إسرائيلية، وليس فيها أي رسالة لبناء اقتصاد عصري.

حين يدعو الحراك الفلسطيني لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وفي نفس الوقت يتجاهل تماما الضرورة لبناء تحالفات وتعاون مع الإسرائيليين الذين من المفترض أن يكونوا شركاءهم في هذا التصور المستقبلي، فهذا لا يعني سوى القفز في الهواء. وعلى غرار ممثلي الحركة السوداء الذين يوجهون خطابهم للشعب الأمريكي كله، بكل مركباته العرقية والدينية والقومية، لا بد للحراك الفلسطيني الكف عن إقصاء كل من هو إسرائيلي وأحيانا “يهودي” وفي الوقت نفسه يكون مستعد للتعاون مع حركات أصولية مثل حماس التي تكفر بالديمقراطية وبالعلمانية وتقمع حقوق النساء وحرية الرأي. إن الانغلاق القومي يحرف هذا الحراك عن مهمة بلورة البديل، وبالتالي قد يدفعه مثلما رأينا بالحرب الأخيرة في غزة إلى أيدي حماس التي تستخدمه في المنافسة مع فتح بهدف بسط هيمنتها الرجعية على الساحة الفلسطينية.

يجب الإشارة هنا، إلى أن الاهتمام المتزايد في الموضوع الفلسطيني في صفوف اليسار وحركات الاحتجاج في الغرب يخلق روابط وتضامن تلقائي بين الحراك الفلسطيني وبين الناشطين في أمريكا وأوروبا. هذا الارتباط في التيار الشبابي العالمي يسير باتجاه إيجابي باعتبار الحركات الخضراء والمناهضة للعنصرية تحمل برنامجاً تقدمياً منفتحاً، والذي لا بد أن يكون له تأثير على بلورة طرح فلسطيني جديد ذو طابع اجتماعي وثقافي معاصر يضم في صفوفه نساء ورجال على قدم المساواة ويعرف كيف يبني شراكة رفاقية وطيدة من مناضلين إسرائيليين ديمقراطيين، وبالتالي يستطيع بلورة قيادة بديلة عن القيادة الفاشلة الحالية.

دعم بايدن ومشروع “نيو  ديل أخضر” إسرائيلي-فلسطيني

فوز بايدن على ترامب يعتبر حادثاً مفصلياً في تاريخ الإنسانية، ويشكل إطاراً للعمل السياسي ولإعادة النظر في كل المسلمات والمفاهيم في شتى مجالات الحياة وأزمة المناخ والتفرقة العنصرية وحقوق الإنسان وحقوق المثليين والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الرأسمالي والعلاقات الدولية والديمقراطية مقابل الاستبداد والنظرة النقدية للتاريخ. إن هذه المحاسبة الذاتية ضرورية بسبب عمق وخطورة الأزمة التي وصل إليها المجتمع الأمريكي ومعه الكثير من المجتمعات الأخرى، التي انتخبت رموز ذات ميول شعبوية فاشية مثل ترامب وأردوغان وأوربان وبوتين ونتنياهو. هؤلاء القياديون هم خطر حقيقي على النظام الديمقراطي ويذكروننا بحالة أوروبا إبان نشوء النازية. ومن هذا المنطلق كان لا بد على الشعب الأمريكي أن يتسأل ويطرح السؤال البسيط: “أين أخطأنا”. وقد اكتشف بأن جذور المشكلة تكمن بالنظام الرأسمالي النيو ليبرالي الذي خلق شريحة واسعة جداً من الطبقة الوسطى العمالية المهمشة والتي صودرت منها أبسط أساسيات الحياة.

ومن هنا علينا في حزب دعم أن نفهم طبيعة التحول وأسبابه وهذا ما قمنا به منذ زمن طويل حين تنبأنا بفوز بايدن على ترامب في الدورة الأخيرة للجنة المركزية في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020 نظراً للحركة الجماهيرية الضخمة التي احتلت شوارع المدن الأمريكية من سواحل الأطلسي إلى المحيط الهادئ والتي كان في مقدمتها السود والشباب والنساء والحركات الخضراء. وقد جاء انتصار بايدن بفارق 7 ملايين صوت تتويجاً لهذه الحركة المهمة التي التفت حول قيادته بهدف واحد وحيد، وهو إسقاط ترامب وإنقاذ النظام الديمقراطي. وقد وضع بايدن هذه المهمة الأساسية كهدف رئيسي ليس في الولايات المتحدة فقط، بل على نطاق عالمي عندما وضع شعوب العالم أمام خيارين لا ثلاث لهما: إما الديمقراطية أو الاستبداد. إما أمريكا والدول الديمقراطية في العالم أو روسيا والصين وحلفائهم.

السؤال المطروح أمامنا هو ماذا يعني هذا التحول التاريخي في أمريكا بالنسبة لنا في إسرائيل وفلسطين، وكيف نترجم هذه المبادئ في الواقع السياسي الذي نعيشه. من هنا جاء قرار تبني شعار “من أجل صفقة جديدة خضراء إسرائيلية-فلسطينية” كامتداد لموقف القوى التقدمية واليسارية في أمريكا صاحبة الباع الطويل داخل الحزب الديمقراطي. ومن هذا المنطلق نشتق موقفنا النقدي تجاه الأحزاب اليسارية في إسرائيل وتجاه الأحزاب العربية وندعو الحراك الشبابي لاعتماد موقف قيادي عصري.

فإذا بدأنا من الأحزاب اليسارية في إسرائيل سنرى كيف ضحت بكل مبادئها عندما تحالفت مع اليمين المتطرف الإسرائيلي بحجة ضرورة إسقاط نتنياهو، وقد نشهد كيف يستعد حزب ميريتس للتصويت على قانون “منع لم شامل الفلسطينيين” وهو نفس القانون الذي قدم الحزب في عام 2003 بصدده التماساً للمحكمة العليا بعد أن وصفته “زهافا غالؤون” زعيمة الحزب آنذاك بأنه “قانون عنصري بحجة الأسباب الأمنية”.

وقد نرى كيف تروج الحركات الخضراء التي تهتم بالبيئة لفكرة “غرين نيو ديل لإسرائيل” لكي ترسم خط فصل واضح بينها وبين الفلسطينيين وكيف تتجاهل هذه الحركة الاحتلال ونظام الأبرتهايد في الضفة الغربية وغزة باعتبار أن موضوع الاحتلال نقطة خلافية داخل المجتمع الإسرائيلي في الوقت الذي تتوهم هذه الحركات بأنه من الممكن الحصول على إجماع واسع حول موضوع المناخ. وإن هذه الحركة لا يمكن لها أن تكون جزءاً من الحركة الخضراء العالمية، التي ترفع شعار العدالة المناخية، أي مراعاة مصالح الشعوب المضطهدة كمطلب أساسي في نضالها. إن تمسك الحركات الإسرائيلية بالأيدولوجية الصهيونية ورفضها إعادة النظر في سلوكها الذي مهّد الطريق أمام استيلاء اليمين المتطرف على الخطاب السياسي في إسرائيل، تضعها اليوم كذنب لليمين في الحكومة الحالية وتحيّدها عن كل نشاط أو تحرك لحل القضية الفلسطينية والوصول إلى السلام.

أما الأحزاب العربية التي أدعت بأنها الممثل للجماهير العربية وصلت اليوم إلى حالة من الشلل، بعد أن شقت الحركة الاسلامية صفوف القائمة المشتركة تحت شعار الواقعية والمحافظة وانضمت بشكل رسمي للائتلاف الحكومي. وفي ظل غياب أجندة تقدمية أممية تجند الجمهور العربي واليهودي وفقاً لأساس ديمقراطي متساو بقيت الأحزاب العربية بغض النظر عن ميولها من دون قاعدة اجتماعية نضالية وفقدت ثقة الجمهور. ومن الواضح اليوم أن طرح قائمة للكنيست فقط لأنها “عربية” لا يعني بالضرورة بأنها تستحق الدعم، بل هناك ضرورة لبحث فكري سياسي عميق حول طبيعة السياسة وإلى أي مدى تمثل القائمة الطموح نحو الحرية والتقدم الذي ننشده. وواضح لنا أيضاً بأن الأحزاب التي تعتمد على دعم من قطر أو التي تدعم أنظمة مثل نظام بشار الأسد أو سلطة أبو مازن لا تشكل بأي شكل من الأشكال بديلاً سياسياً يمكن لنا أن ندعمه.

أننا في حزب دعم ندرك تماماً بأن كل حل سياسي للقضية الفلسطينية يجب أن يشمل أغلبية الشعب الفلسطيني والإسرائيلي، فلا سلام من دون الفلسطينيين مثلما رأينا أخيرا ورغم الاتفاقيات التي أبرمت مع الدول العربية، ولكن لا يمكن إنهاء الاحتلال من دون التحالف مع القوى الديمقراطية في إسرائيل. ومن هذا المنطلق يطرح حزب دعم برنامج “الصفقة الجديدة الخضراء الإسرائيلية-الفلسطينية” كأساس لتوحيد القوى الديمقراطية الإسرائيلية والفلسطينية وفقاً لمبادئ المساواة والعدالة المناخية والعدالة الاجتماعية. فالمعركة ضد الاحتباس الحراري والمعركة من أجل حقوق الإنسان والمعركة من أجل القضاء على كل أشكال التمييز العنصري والمعركة من أجل مجتمع ديمقراطي حر والمعركة من أجل فصل الدين عن الدولة والمعركة من أجل اقتصاد يراعي مصلحة الجميع وخاصة العمال، هي معركتنا جميعا إسرائيليين وفلسطينيين. نحن ضد الفصل وضد الجدار الفاصل وضد الحواجز وضد شطب ثقافة الغير. إن القيم الأساسية التي نتحدث عنها هي الضمان لحياة مشتركة ضمن دولة واحدة تنهي هذا الصراع الدموي الذي وصل إلى طريق مسدود.

على هذا الأساس شاركنا في الحملات الانتخابية واستضفنا في ندواتنا الكثير من الناشطين والناشطات من مختلف مجالات الحياة، بما فيها نضالات النساء للمساواة ومعركة العمال من أجل حقوقهم والنضال من أجل إنقاذ المناخ وحقوق الإنسان وحركات المثليين، وذلك كله بهدف تطوير الحوار على نطاق واسع ومن أجل بناء علاقات وتحالفات مع كل من يهتم ويعمل في هذه المجالات. إن ما يحدث من تغيير في الولايات المتحدة والعالم يمنح المزيد من المصداقية لموقفنا وقد رأينا مدى التقبل لمواقفنا في الندوات المختلفة التي نظمناها. إن ما نراه اليوم من إفلاس سياسي من قبل الأحزاب اليسارية الصهيونية من ناحية والأحزاب العربية من ناحية أخرى، يفتح المجال للتواصل مع كثير من العناصر الشبابية في المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني الذين يبحثون عن بديل ديمقراطي، إسرائيلي – فلسطيني. وإن النشاط الميداني من خلال “نقابة معاً”، وجمعية “سنديانة الجليل”، هو تنظيم العمال في إطار نقابي وتمكين النساء وتطوير الطاقة المتجددة والزراعة المائية، كما أن تبني مبادئ الاستدامة قد يقوي من وجودنا ويمنح لنشاطنا السياسي المصداقية ويقوي الثقة ببرنامجنا. فما نقوم به ليس سوى ترجمة لبرنامج الصفقة الجديدة الخضراء الإسرائيلية-الفلسطينية ويتماشى مع هدفنا الأساسي وهو إنشاء دولة واحدة ديمقراطية للإسرائيليين والفلسطينيين لإنهاء نظام الأبرتهايد.     

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.