امريكا تتراجع وإسرائيل تنعزل

التراجع الكبير بل الهزيمة التي منيت بها الثورة الفلسطينية منذ توقيعها اتفاق اوسلو على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي عن الساحة العالمية.

لا يمكن تفسير ما حدث في القرن العشرين من ثورات عالمية دون الدعم الاستراتيجي الذي وفّره الاتحاد السوفييتي. لا يمكن تفسير التاريخ المعاصر لمصر، العراق، ليبيا، سورية وفلسطين، دون فهم العلاقة الجدلية مع ثورة اكتوبر ووجود الاتحاد السوفيتي كمنافس الولايات المتحدة على النفوذ في العالم. واذا كان من المستحيل حدوث الربيع العربي في تسعينات القرن الماضي او في العقد الاول من القرن الحالي بسبب السيطرة المطلقة التي تمتعت بها الولايات المتحدة، فان حدوثها في العقد الثاني جاء تحصيل حاصل لزعزعة مكانة امريكا وتراجع دورها في العالم.

الربيع العربي ليس سوى احد افرزات الازمة الاقتصادية العميقة التي أصابت النظام الرأسمالي في صيف 2008، والتي لم يتمكن من التغلب عليها حتى الآن. لقد جاء الربيع العربي في عالم يشهد نوعا من التمرد او الرفض للنظام السياسي الحالي الذي يخدم 1% من الأثرياء على حساب 99% من المجتمع. فتونس والقاهرة كانتا جزءا من انتفاضة امتدت من مدريد، إلى روما الى أثينا وصولا الى نيويورك وحتى تل ابيب. غير ان هذه الانتفاضة العالمية تراجعت بسبب ضعفها السياسي، وهذا التراجع تجلى ايضا في دول الربيع العربي نفسه.

تراجع امريكا لم يتبعه ظهور بديل اشتراكي، بل تعزيز القوى الرجعية مثل النظام الروسي الذي يستفيد من الضعف الامريكي، وبروز دور دول اقليمية غنية بالنفط مثل السعودية وقطر وإيران وحتى تركيا. من يتابع ما يحدث في الشرق الاوسط يفهم كيف وقع الربيع العربي بين فكي الكماشة، بين الاخوان المسلمين الذين استندوا الى قطر وبين انصار مبارك والجيش المصري الذي يستندون للسعودية. هذه اللعبة بين قطر والسعودية امتدت ايضا على الساحة السورية الامر الذي أدى الى تفكك المعارضة السياسية التي فقدت مصداقيتها لصالح العناصر الجهادية المتطرفة.

لم يتمكن اليسار الديمقراطي العربي من طرح بديل ثالث نظرا لضعفه المادي من ناحية وضعفه التنظيمي الذي تجلى في غيابه عن صفوف الطبقة العاملة والفلاحين. في مصر تحالف اليسار مع الجيش وفلول نظام مبارك من اجل إسقاط الرئيس المنتخب، الأمر الذي ضرب عرض الحائط بكل مكتسبات ثورة 25 يناير. وسدد هذا السلوك ضربة قوية لمصداقية هؤلاء الثوار الذين تهربوا من المنافسة السياسية الديمقراطية خوفا من نفوذ الاخوان المسلمين، وتحالفوا مع الشيطان نفسه وسلموا الشعب من جديد الى الذين قمعوه 60 عاما.

ان ضعف الولايات المتحدة يعبر عن ضعف النظام الرأسمالي برمته بما في ذلك أتباعه وأذنابه. واذا استطاعت السعودية ضرب ثورة 25 يناير وفرض نفوذها على مصر وسورية فهذه المكاسب مؤقتة وغير مستقرة. فليس بمقدور النظام المصري الحالي ان يوفر للشعب المصري الحد الادنى من المطالب التي ثار لأجلها. ان النظام السعودي نفسه يعيش تناقضات داخلية كبيرة جدا، انه نظام متخلف، متزمت، غير ديمقراطي، فاسد يشتري الذمم بأموال النفط ويستند على تسعة ملايين عامل أجنبي. من الواضح ان الانظمة العربية لا يمكن ان تلبي حاجات المجتمع العربي الذي يطمح للانضمام للقرن الحادي والعشرين.

ان عهد الثورات لم ينته بعد، بل كان الربيع العربي مجرد الفاتحة له. ان الحديث

עמודים: 1 2 3 4 5 6 7

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.