انتفاضة الحجارة ردا على إنعاش مخطط الحكم الذاتي

لم يفض الاجتماع بين رئيس الطاقم الفلسطيني المفاوض، صائب عريقات، ووزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، في واشنطن مطلع هذا الأسبوع إلى أية نتيجة، تماما كما كان متوقعا. فالأمريكان، على لسان المتحدثة باسم الخارجية الامريكية، يؤكدون “عدم وجود آلية أميركية لخطة سلام… وعدم وجود خطط لدفعها قدما للأمام”، ذلك أن العودة للمفاوضات “تحتاج إلى شريك فاعل… وليس هناك دليل على توفره اليوم”.

ولا تنوي هذه اللقاءات في الحقيقة البحث عن سبل لاستئناف العملية التفاوضية، بل هدفها تحذير الطرف الفلسطيني ومنعه من تنفيذ خطته تقديم اقتراح بالاعتراف بفلسطين دولة ضمن حدود ال67 لمجلس الأمن. لقد باتت هذه الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة، والتي كما هو متوقع ستبوء بالفشل كسابقاتها، وذلك لأن الأمريكان ببساطة سيستخدمون حق الفيتو لإسقاط مشروع القرار، رغم اتفاقهم مع الفلسطينيين أن الحكومة الإسرائيلية هي العقبة أمام السلام.

كل التطمينات الامريكية تجاه الفلسطينيين لا يمكن ان تخفي حقيقة بسيطة جدا، هي ان فكرة إقامة الدولة الفلسطينية التي التزم بها الامريكان وحكومة نتانياهو قد تلاشت تماما من القاموس الاسرائيلي الجديد، نظرا للتحولات العميقة التي يمر بها الشرق الاوسط في ظل الربيع العربي. عن هذا الموقف عبر وزير الأمن الاسرائيلي، موشيه يعالون، بشكل صريح لا لبس فيه في مقابلة صحافية لل”واشنطن بوست” في 24 اكتوبر، حيث رد على سؤال مباشر عن موقفه من حل الدولتين:

“يمكن تسميتها الامبراطورية الفلسطينية الجديدة، نحن لا نريد ان نحكمهم ولكن لن تكون هذه دولة عادية لأسباب شتى”. وعندما سئل يعالون عن قصده ب”إمبراطورية فلسطينية”، أجاب باقتضاب: “حكم ذاتي. وسيكون منزوع السلاح.” اسباب التغيير المعلن في الموقف الإسرائيلي، حسب اقوال يعالون، نابع من سببين أساسيين، أولهما أن أية رقعة ارض ستنسحب منها إسرائيل ستسيطر عليها حركة حماس، والثاني أن ابو مازن ليس شريكا للسلام لأنه يرفض الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل.

ما صرح به يعالون لا يعبر عن موقفه الشخصي، بل يمثّل موقف الحكومة الاسرائيلية الذي ترسخ بعد الحرب الاخيرة على غزة “الجرف الصامد”. ففي هذه الحرب ظهرت على الملأ التناقضات داخل البيت الفلسطيني بين فتح وحماس، وامتدادات هذه التناقضات الى المستوى الاقليمي المتمثل بمحور مصر، الأردن والسعودية من جهة واحدة وقطر وتركيا من الجهة الثانية.

وقد حرر هذا الصراع الفلسطيني العربي الداخلي إسرائيلَ من كل التزاماتها السابقة حتى وإن كانت لفظية وشكلية، الأمر الذي أعاد للحياة مخطط الحكم الذاتي الذي طرح في مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وكما حظي مخطط الحكم الذاتي حينها بدعم مصري وأردني، كذلك يعود اليوم خلسة بدعم من الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، والملك الأردني، عبد الله الثاني، اللذين يخشيان من سيطرة حماس على الأراضي المحتلة.

عرض نتنياهو موقفه الجديد في خطابه أمام الكنيست بمناسبة افتتاح الدورة الشتوية، وقال يطمئن الشعب الاسرائيلي بان فشل المفاوضات مع الفلسطينيين ليس نهاية المطاف، وأوضح: “أن هناك أمل بأن يحدث تغيير ولو بطيء ولكنه واضح في الدول المركزية في العالم العربي التي تشارك إسرائيل نفس التحديات. وتفهم هذه الدول ان المخاطر الكبيرة التي تتهددها هي وإسرائيل هي الإسلام المتطرف، ونحن سنواصل البحث معها عن حلول إقليمية يمكن ان تساعد في حل النزاع بيننا وبين الفلسطينيين. دائما يقال بان التسوية مع الفلسطينيين ستمهد الطريق لتطبيع العلاقات مع العالم العربي، وهو أمر صحيح، ولكن من الصحيح أيضا أن التسوية مع العالم العربي يمكن ان تسوّي علاقاتنا مع الفلسطينيين، تسوية اقليمية ستفيد الجميع”.

ان ما يجري على أرض الواقع يشير بأن اسرائيل تتقدم باتجاه “التسوية الاقليمية” بالتواطؤ مع مصر، الأردن والأمريكان. فإسرائيل تستغل الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وغزة لتستفرد بكل طرف على حدة: مع غزة تتعامل بالتنسيق مع مصر، ومع الضفة الغربية ترجع للملك الاردني؛ أما دور الامريكان فيتلخص بقطع الطريق على السلطة الفلسطينية أمام الحصول على اعتراف دولي من مجلس الامن.

بالنسبة لغزة، تتمسك إسرائيل ب”المبادرة المصرية” التي فرضت على حماس وقف اطلاق النار دون التزام اسرائيلي بفك الحصار على غزة. حتى المفاوضات التي التزمت اسرائيل باستكمالها بشكل غير مباشر مع حماس في القاهرة، تعثرت بعد أن عزا النظام المصري مقتل الجنود المصريين في سيناء لحماس الأمر الذي يحول دون قدوم ممثليها للقاهرة. وقد راح النظام المصري يشن هجمة شرسة ضد سكان رفح، ودمّر 800 بيت بهدف بناء شريط امني على طول الحدود مع غزة، الأمر يعني إحكام الحصار على القطاع.

اما بما يتعلق بالضفة الغربية، وتحديدا العصيان الفلسطيني في القدس الشرقية، بعد مقتل الفتى محمد أبو خضير ومحاولات اليمين الإسرائيلي الاستيلاء على الحرم الشريف، فقد تجاوز نتنياهو أبو مازن وتوجه مباشرة إلى صديقه الحميم الملك عبد الله الثاني. وقد زار نتنياهو عمان سرا يوم السبت، الأول من نوفمبر، للتنسيق بشأن إجراءات إحباط العصيان الفلسطيني وإعادة الأمور لنصابها. بعد الزيارة دعا نتنياهو أعضاء الكنيست إلى ضبط النفس بكل ما يتعلق بالحرم الشريف، الأمر الذي لاقى ارتياحا أردنيا. من جانبه قام الملك بإطلاع أبو مازن حول فحوى المباحثات مع الجانب الإسرائيلي وما قام الاردن من استدعاء سفيرها في تل ابيب اثر اقتحام الجيش الاسرائيلي مسجد الاقصى هي مثابة عملية احتجاجية لا تغير من جوهر الموقف.

عمليا نقل نتنياهو وجهة نظره إلى حيز التنفيذ، وبدل مخاطبة الفلسطينيين مباشرة، ها هو ينسق مع السيسي لتمرير رسائله لحماس، ومع الملك الأردني لإيصال تعليماته لفتح. ودون إهمال التنسيق الأمني مع أبو مازن، يكون نتنياهو قد عمّق أيضا التنسيق الأمني والسياسي مع الأردن ومصر الأمر الذي يوفر لإسرائيل الحماية الكاملة على طول حدودها الشرقية والجنوبية.

تكشف هذه التطورات هشاشة الموقف الفلسطيني ووصول الحكومة الفلسطينية الموحدة الى طريق مسدود. فتح وحماس تلعبان اليوم خارج الساحة السياسية، وفي حين تتعلق حماس بحبال قطر وتركيا، يلجأ ابو مازن الى مصر والسعودية، والجميع يحتمي بطريقة أو بأخرى بالمظلة الأمريكية. بدل البحث عن حلول وهمية مثل التوجه للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فاقدة لمقومات الحياة، أو التمسك بالمقاومة المسلحة التي باءت بالفشل الأليم، سيكون على فتح وحماس التنازل عن السلطة وتسليم مفاتيح القضية لصاحبها الأصلي وهو الشعب الفلسطيني.

هذه المرة أيضا، كما كان الحال في السابق، يتقدم الشعب على قيادته. تشهد القدس انتفاضة شعبية، انتفاضة حجارة، بلا قيادة. وقد لجأت اسرائيل لسن قانون يقضي على كل طفل يرمي حجرا بالسجن 20 عاما كما لو أنه قام بعملية مسلحة. وتدل العقوبة الشديدة على فاعلية العمل المقاوِم. نعم، اسرائيل تسعى لإعادة الحكم الذاتي ولكن الشعب الفلسطيني يعيد انتفاضة الحجارة كرد سريع وحاسم تحت شعار قديم جديد “ما في خوف، ما في خوف الحجارة سارت كلاشينكوف”.

אודות