ايران وغزة مواجهة دون حل لهما

تقرير سياسي مقدم للجنة المركزية لحزب دعم 2018- 5- 13

في مطلع العام الجاري قُدمت وثيقة سياسية الى دورة اللجنة المركزية خلال اجتماعها الاخير تحت عنوان ” الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل دفن حل الدولتين” وخلال الاشهر الماضية سعت الادارة الامريكية الى تنفيذ قرارها، وافتتحت السفارة الامريكية في القدس، بمناسبة  الذكرى السبعون لتاسيس اسرائيل، الامر الذي يحمل تغييرا نوعيا في السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينة.

وتاتي الخطوة الامريكية في ظل تطورات كبيرة وخطيرة  تشهدها المنطقة والعالم ، حيث انسحبت الادارة الامريكية  من الاتفاق النووي مع ايران، وتم الاعلان عن لقاء مرتقب بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية، وحدث ما كنا قد حذرنا منه سابقا: المذبحة في غزة على الشريط الحدودي مع اسرائيل. وتسبب مجمل القرارات التي اتخذها ترامب بتغيير ما يسمى بالنظام العالمي القديم، الذي خلفه الرئيس الامريكي  الاسبق اوباما، مما أحدث هزات سياسية واقتصادية، وتزيد على ذلك القرارات الاخيرة المتهورة  للرئيس الامريكي  ترامب من  ازمات الصراع الاسرائيلي الفلسطيني والاسرائيلي الايراني في المنطقة .

مصير سوريا والمواجهة مع ايران

إن إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي مع إيران، لم يأت من فراغ، إذ ينتهج الرئيس الأمريكي سياسة تتناقض تمامًا مع سياسة سلفه أوباما. وقد لاقت مواقفه الاخيرة دعمًا وتأييداً لها من حليفه وصديقة بنيامين نتيناهو، الذي عمل بكل قوة على دعم ترامب في الانتخابات الرئاسية، لاسقاط والغاء ما افرزته سياسة اوباما. ولم يكن نتانياهو الوحيد الذي عارض الإتفاق مع إيران إذ أن السعودية ايضا ترى كيف تتعدى ايران على مصالحها في المنطقة وعلى الوجه الخصوص في اليمن. لا شك ان التوقيع على الإتفاق مع إيران، كان مثابة منح الشرعية للنظام الايراني، وشكل بالنسبة لواشنطن تغليبًا للمصالح الايرانية على حساب مصالح الدول الخليجية. ولكن لم تكن إسرائيل ودول الخليج هي الاولى التي عارضت هذا الإتفاق بل اول من تضرر من هذا الإتفاق كان الشعب السوري، فهذا الإتفاق لم يشرعن النظام الايراني فحسب، بل شرعن التدخل الايراني في سورية الذي ادى الى تدمير سوريا، وقتل مواطنيها، وحافظ على بقاء نظام الاسد المجرم. ومن هنا فالإتفاق النووي مع إيران إذا ضبط تطوير الاسلحة النووية لفترة 10 سنوات مقابل رفع العقوبات فقد قوى من الوجود الإيراني في سورية مما أصبح مشكلة استراتيجية بالنسبة لإسرائيل.

أما اليوم، فكل الدول الموقعة على الإتفاق، وحتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها لا ترى فائدة في إلغاء الإتفاق، كونه يكبح جماح ايران في تطوير سلاح نووي، في الوقت لم يتمكن ترامب او نتانياهو من تقديم الإثباتات بان إيران قد خرقت الإتفاق.

ويمتد الوجود الايراني في سوريا سنوات طويلة منذ ان وقع حافظ الاسد على إتفاق استراتيجي مع النظام الايراني بغية اضعاف نظام صدام حسين العراقي. اما ومنذ اندلاع الثورة السورية  فقد ارسلت ايران حزب الله لكي يساند النظام السوري في قمع الثورة، ومع اشتداد المعارك وعندما كان واضحًا بان النظام على وشك الانهيار، قامت ايران من خلال فيلق القدس وقائده قاسم سليماني ،في تشكيل ميليشيات شيعية من شتى الجنسيات لتقاتل الى جانب النظام السوري.

خلال فترة طويلة لم تهتم اسرائيل كثيرا بل إرتاحت من موقف النظام السوري، وبقيت معنية ببقائه، لأنه ضمن لها الهدوء على حدودها في الجولان طيلة 40 سنة، ولم تر به خطرا عليها، وانما الخطر الاكبر بالنسبة الى اسرائيل، كان نظام صدام حسين. ومن هنا فقد دعمت التدخل الامريكي في العراق الذي اسقط صدام حسين رغم أن قد سلم العراق لإيران على طبق من فضة.

ومن هنا فان وجود ايران في العراق وامتدادها الى سورية وصولا البحر المتوسط، لم يكن بمعارضة اسرائيل بل بموافقتها الصامتة. وقد إعتمدت اسرائيل الصمت عندما تدخل الروس لمساندة النظام السوري بل وإرتاحت على ما تقوم به روسيا من تدمير ممنهج لسوريا من خلال القصف الجوي لأهم مدن وبلدات سوريا أولها حلب. وكانت إسرائيل قد شجعت إدارة أوباما على إبرام الإتفاق حول تجريد النظام السوري من الاسلحة الكيمائية عام 2013، على خلفية الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية، مما قد أنقذ النظام من عقاب عسكري غربي كان قد يهدد وجوده.

فكل ما حدث في سوريا، من التدخل الروسي والايراني، المذابح الذي قام بها النظام، والروس والايرانيين بحق المواطنين السوريين العزل، كان تحت العين الساهرة الإسرائيلية، التي لم تمانع من حدوث  هذه الجرائم الفظيعة ضد الإنسانية. ولكن وبعد ان اثمرت هذه السياسة الاجرامية ثمارها، وهُزم الشعب السوري وثورته الدمقراطية، تبين لإسرائيل بان القوى النافذة على الساحة السورية هي روسيا، وايران وتركيا،  اللواتي  تقاسمن غنائم الحرب السورية،  ولم يتبق لإسرائيل، إلا ان تقبل النتيجة، وهي وجود روسي إيراني ثابت على الأرض السورية. التموضع الإيراني الذي يترافق مع بناء قواعد عسكرية ثابتة على الأراضي السورية، اثار قلق كبير لدى القيادة الاسرائيلية ونظمت لمنع تحقيق ذلك حملة منظمة ضد الوجود الإيراني، من خلال قصف القواعد والمعسكرات العسكرية الإيرانية في سوريا، وتكثيف اللقاءات المتتالية بين نتانياهو وبوتين، وكشف أسرار ايران النووية بعد سرقة الارشيف النووي من مخزن في قلب طهران.

واليوم وبعد ان وطدت ايران من وجودها العسكري في سوريا، وبناء قواعد عسكرية لها، تعمل اسرائيل على طرد الحرس الثوري الايراني من الاراضي السورية دون ان تمانع من بقاء الميليشيات الشيعية المختلفة التي تساند النظام بالحفاظ على تمسكه بالأرض، لتلاقي مصلحة بقاءه مع  المصلحة الامنية الاسرائيلية.

وعلى الرغم من المواقف الإسرائيلة المعلنة ضد إيران، إلا انها تعول كثيرًا على الوضع الداخلي في ايران، وتحديدا على المعارضة الشعبية للنظام، بسبب تردي الوضع الاقتصادي الداخلي، فالبطالة المستفحلة بين الشباب الايراني تفوق 40% والتضخم المالي بسبب انخفاض قيمة الريال الايراني، مقابل الدولار نسبة 35 %. تشن إسرائيل اليوم حملة منظمة لإجبار إيران على التنازل عن إستثمارها في سورية وهذا بعد ان إستثمرت الكثير من المال، والعتاد والجنود من اجل انقاذ النظام. واذا صحيح ان وضع النظام الداخلي صعب والشعب الايراني يعارض استمرار إهدار المال في سوريا، مما يدفع اسرائيل الى الرهان على هذه المعارضة الشعبية ضد حرب في سوريا، الا ان الحرس الثوري، والجيش، والمرشد الاعلى، موحدين في مواقفهم  وهدفهم في نشر الثورة الشيعية في العالم العربي، وليسوا على إستعداد للتنازل امام إسرائيل، مما يبقى إحتمال الحرب قائمًا بين الطرفين على الأرض السورية.

الا ان الرهان الأكبر بنسية لإسرائيل هو هشاشة النظام السوري نفسه، كونه متعلقًا كليا بالدعم الروسي. إذ أن المعادلة التي وضعتها اسرائيل امام الروس وامام بشار الاسد هي بسيطة: اما البقاء على سدة الحكم دون الوجود الإيراني او الزوال. وكان تصريح وزير الطاقة الإسرائيلي شتاينيتس واضح عندما قال: “إذا استمر الرئيس السوري، بشار الأسد، في السماح لإيران بالعمل داخل أراضي سوريا، فان اسرائيل ستعمل على تصفيته والاطاحة بحكمه”. فما تقوله اسرائيل لروسيا وللعالم برمته هو شيء بسيط: لن تتم تسوية سياسية في سوريا دون الأخذ بعين الاعتبار لمصالح وأمن جارتها الجنوبية الغربية اسرائيل. كل المداولات في جنيف، استانا، سوتشي وغيرها من المؤتمرات والإتفاقات، لن يكون من الممكن تنفيذها، إذا مُنحت إيران الحق والشرعية في بناء قوتها الإستراتيجية على الأرض السورية. ومن هنا، رغم الإدعاءات عن إنتصار الاسد على الثورة الا ان سلطته بقيت عالقة في مهب الريح، ومصير سوريا لن يبقى طويلا  بين يديه.

القضية الفلسطينية تضيع بين ايدي قياداتها

اصبحت القضية لفلسطينية رهينة لأجندتين مختلفين، اجندة حماس في غزة، واجندة نقيضته سلطة ابو مازن في الضفة الغربية. ولم يصل الانقسام بين فتح وحماس الى هذا المستوى من قبل. ففي الوقت التي تعمل حماس على تجنيد جماهيري واعلامي من اجل تسليط الانظار لما يحدث في غزة، وكسر الحصار المفروض عليها من قبل الثلاثي المقدس، اسرائيل، السلطة الفلسطينية ومصر، تقوم سلطة رام الله بتثبيت سلطتها على الضفة الغربية، والانفصال الكامل عن قطاع غزة تحت شعار “التمكين” مما يعني “يا نستلم السلطة كاملة في غزة، يا ننفصل نهائيا عن غزة ، ونتخلى عن كل التزاماتنا تجاهها”. وفي هذه الحالة ليس واضحا ضد من توجه حماس احتجاجها الاسبوعي على الحدود مع اسرائيل، هل ضد اسرائيل، او انها تستعمل المواجهة الدامية مع الاحتلال الاسرائيلي  لتوجه رسالة بهدف تشويه صورة السلطة الفلسطينية امام الشعب، كونها لا تهتم ولا تدعم ما يسمي “بمسيرة العودة”.

يُذكر ان مسيرة العودة  بدأت كمبادرة شبابية، من قبل شريحة مثقفة لها علاقة مع حركة المقاطعة (BDS)، وكان هدفها رفع شعار “حق العودة” في ذكرى يوم النكبة، وهو يوم ذكرى تأسيس دولة اسرائيل في  15 ايار عام 1948. وكان هدف المبادرة خلق حركة مدنية سلمية تتجمهر قبيل الشريط الحدودي مع اسرائيل بهدف اجتياز الشريط والدخول الى اراضي فلسطين 48، لتذكير العالم بحق الشعب الفلسطيني في العودة الى دياره. وكانت هذه المبادرة نوع من التحدي لنهج المقاومة المسلحة لحماس، وشكلت ايضا تحدي سياسي لسلطة حماس، التي تريد ان تحتكر الحراك السياسي بشكل كامل.

ومن هنا، ومع اقتراب وقت الفعاليات استولت حماس على الحركة ، وحرفتها عن مسارها كحركة سلمية، الى حركة لكسر الحصار على سلطتها. فبدل ان تتقيد الفعاليات على التجمهر السلمي في معسكرات محددة، بالقرب من الشريط، تحولت الى مواجهات بين  اطفال وشبان فلسطينيين، والجيش الاسرائيلي، الذي استخدم جنود القناصة لمنع الشبان الاقتراب من الشريط، مما ادى الى مقتل اكثر من 50 قتيل ، واكثر من الف جريح  تركزت معظم الاصابات في القدمين. ( كتب الوثيقة يوم قبل المواجهات في 14 مايو التي قتل فيها 61 من الشبان المتظاهرين)

موقف حماس وقيادتها للحراك على الجدار خلق جدالا كبيرا في صفوف الفلسطينيين، بين من يعارض هذه الفعالية، وزج الشبان في مواجهة مسلحة مع الجيش الاسرائيلي الذي اعلن عن نيته استخدام الرصاص، ضد كل من يقترب الى الشريط الحدودي وبين من ابدى عن حماسه لهذه الفعاليات لمصالح سياسية ضيقة وغير مسؤولة. الا ان سقوط هذا الكم الكبير من القتلى والجرحى، ادى الى احتجاجات كبيرة ضد اسرائيل في العالم، وفي داخل اسرائيل نفسها، وتعالت النداءات  من قبل مؤسسة “بتسليم” لرفض اوامر اطلاق النار كونها تعتبر جرائم حرب.

وبغض النظر عن ما تقصده اسرائيل او ما تريده حماس، فما يحدث في غزة هو كارثة انسانية، لا يمكن السماح باستمرارها، وتتطلب ايجاد حل فوري لها. والحل ليس في يد حماس التي اثبتت استعدادها للتضحية بمصالح مواطنيها، من اجل الحفاظ على سلطتها. ولكن اسرائيل هي من تمتلك كل مفاتيح الحل في يدها، كونها القوة المحاصرة الرئيسية، فترى في حماس عدوا لها، ولا تريد ان تتعامل معها دون موافقة السلطة الفلسطينية في رام الله من ناحية، والنظام المصري من ناحية اخرى. فالاثنين هما حليفين استراتيجيين تجمعها علاقات تنسيق امني  بكل التفاصيل الصغيرة .

وفي الطرف المقابل  يسعى ابو مازن رئيس  سلطة رام الله، بخطوة استثنائية  تهدف الى اعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، ودعى من اجل ذلك  المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد في رام الله بعد 30 سنة منذ اخر اجتماع له في الجزائر عام 1988، والذي تم الاعلان خلاله عن  اقامة الدولة الفلسطينية على خلفية الانتفاضة الاولى. وقد اتضح لاحقا بان هذا الاعلان انذاك، لم يكن سوى خطوة لتحضير الاجواء لما تبين بعد عدة سنوات، كصفقة اوسلو التي تمخضت عنها السلطة الفلسطينية.

وكان انعقاد المجلس الوطني في رام لله بمثابة المسمار الاخير بتابوت الدولة الفلسطينية. فبدل ان يوحد الشعب الفلسطيني تحت سقف واحد، تم تعميق بل وتثبيت الانشقاق عن حماس، والانفصال عن غزة. فكل ما اراده ابو مازن هو اعادة تشكيل اللجنة التنفيذية، التي ابعد عنها انصار محمد دحلان، ومنح المجلس المركزي الفلسطيني صلاحيات المجلس الوطني، لكي يتمكن من تعيين الرئيس القادم في حالة وفاة الرئيس. ان هذه الدورة للمجلس الوطني في رام الله، لم تدفن الدولة الفلسطينية فحسب، بل دفنت ايضا المجلس الوطني الذي فقد دوره التاريخي.

وقد جاء انعقاد المجلس الوطني الانشقاقي، على خلفية الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقبل تدشين السفارة الامريكية في القدس. وقد فقد ابو مازن كل امل في العملية السلمية، او في ان يتمكن في السنوات القادمة من تحقيق  الحلم الذي تحول الى وهم بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة في الاراضي المحتلة بعام 1967.

ان مجيء ترامب الى الحكم عزز من موقف نتانياهو وحكومة اليمين، التي لا منافس لها، وبغض النظر عن الخلافات بين الكتل الحزبية المختلفة في اسرائيل، فهناك اتفاق على عدم السماح باقامة دولة فلسطينية، وازالة الاستيطان والتنازل عن القدس، او ذكر قضية اللاجئين. ان الطريق امام الحل السياسي  وصلت الى طريق مسدود، ولم يتبق امام ابو مازن، الا القبول بالأمر الواقع، وهو الاكتفاء بحكم ذاتي ضيق متعلق تماما امنيا واقتصاديا بإسرائيل.

وكان خطاب ابو مازن مثابة وثيقة تاريخية ، كشفت عمق الازمة الفكرية، الاخلاقية والسياسية التي اصابت الشعب الفلسطيني برمته، وشهادة على التخلف الفكري والتنكر التام لما يمر به العالم العربي من تحولات فكرية وسياسية على خلفية الربيع العربي. وعبّر عن اغتراب الفلسطينيين عن نضال الشعوب العربية ضد الاستبداد، والفساد والتخلف العقائدي. وشكلت حركة فتح التي يتزعمها ابو مازن، كحركة حماس تماما، نظام استبدادي شبيه للأنظمة العربية التي تم كنسها في الربيع العربي. وحتى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تم تعيين اعضائها من قبل ابو مازن الذي منع انتخابات داخل المجلس الوطني، واستأثر بصلاحيات مطلقة . ناهيك عن دعم النظام السوري من قبل الفصائل الفلسطينية، وتعاونها مع الروس ومع ايران،  كل ذلك يؤكد عن  فقدان تلك الاحزاب والفصائل دورها الثوري، وطبيعتها التحررية، التي نادت  اليها في خطابها، وتحولها الى فصائل تابعة لانظمة فساد واستبداد، حفاظاً على مكاسبها ومصالحها الفئوية.

لم يكتف ابو مازن لاتخاذ مواقف تنبذ وتعارض الربيع العربي، بل ادخل الى خطابه السياسي، نظريته حول “المسألة اليهودية” التي كانت موضوع رسالة الدكتوراه التي قدمها في جامعة موسكو قبل عقود، والتي فسر بها الكراهية تجاه اليهود بحبهم للمال والربا الامر الذي برر ملاحقتهم بل وقتلهم.  ان هذا الموقف اللاسامي يكشف الايديولوجيا التي تستند عليها القيادة الفلسطينية، لكل من حركة فتح وحركة حماس، والتي لا تقل عنصرية  عن الايديولوجيا الصهيونية، التي تؤمن بشعب اسرائيل المختار. ان هذه الايديولوجيا العنصرية تدل على الطريق المسدود الذي وصل اليه المشروع القومي العربي ومن ضمنه الفلسطيني. وقد انتهى هذا المشروع بالفشل الذريع، فبدأ تحرريا ووطنياً من الاستعمار، وانتهى بقمع الشعوب المطالبة بالحرية حيث استولوا على السلطة  باسمها، وقمعوا وذبحوا شعوبهم باسمها .

لقد شكل خطاب ابو مازن الاخير فقدان القيادة الفلسطينية للبوصلة، وعبر عن اليأس والاحباط من اسرائيل ومن الشعب الفلسطيني ذاته، ومن الشعوب العربية والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي وضع كل اماله فيها.

برنامج الدولة الواحدة في سياق الاحداث الاخيرة

امام انعدام أي برنامج عملي لحل القضية الفلسطينية ، وعجز حركة حماس وفتح،  برسم طريق لإنهاء الاحتلال، وبعد ان اتضح ان برنامج الدولة الفلسطينية المستقلة لم يعد مطروحا على جدول العمل، بدأ يظهر الحل على اساس الدولة الواحدة في اكثر من اتجاه. فقد قام الكاتب الاسرائيلي المعروف أ. ب. يهوشوع بنشر مقال طويل بحلقتين على صفحات ملحق جريدة هآرتس طرح فيها برنامجه السياسي الذي نص على قيام دولة واحدة في البلاد، يتحول من خلالها الفلسطينيين في الضفة الغربية الى مواطني اسرائيل، مثلهم مثل اخوانهم في مناطق 48، وتحتفظ اسرائيل بالأمن وصفتها اليهودية. وفي الطرف الثاني ، تشكلت حركة فلسطينية من اجل دولة واحدة تريد في الاساس اعادة عقارب الساعة 70 سنة الى الوراء، أي بان تعيد فلسطين على انقاض اسرائيل، التي تشبه حسب مفاهيمهم دولة جنوب افريقيا، ما قبل سقوط نظام الابرتهايد. هذه الحركة هي امتداد لحملة المقاطعة (حركةBDS ) وهي لا ترى في المجتمع الاسرائيلي سوى مجتمع عنصري استيطاني، وتستعد للتعاون مع عدد قليل من اليهود المعادين للصهيونية.

حزب دعم يختلف مع النظريتين ويرى الدولة الواحدة كثمار لمجهود مشترك بين اسرائيليين وفلسطينيين على اساس المساواة التامة بين الشعبين. ان شكل وطبيعة حدود ودستور الدولة المنشودة سيكون ثمرة للحوار والتفاهم بين انصار الديمقراطية لدى الشعبين. لا تبقى اسرائيل يهودية، ولا تعود فلسطين على ما كانت عليه قبل 70 سنة.

من هنا  علينا بناء نظام جديد يسمح لكل مواطن ان يحقق طموحاته الثقافية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية بكل حرية. ومع ذلك لا يمكن لهذا الكيان الجديد، ان يبقى على النظام الاقتصادي الحالي ، فهو نظام رأسمالي مبني على الفروقات الاجتماعية، يسمح للأغنياء ان يحتكروا الاقتصاد، وان يسيطروا على السياسة والسياسيين الامر الذي ادى الى الانقلاب على الديمقراطية وصعود عناصر مثل ترامب، بوتين، نتانياهو وغيرهم على الحكم وهو مبني ايضاً  على تفوق مطلق للجانب الاسرائيلي على الفلسطينيين.

ولذلك ما يقترحه حزب دعم هو رؤية سياسية  واقتصادية ترتكز على الاقتصاد الجديد، على الامكانيات الجديدة التي تسمح باطلاق الطاقات المتجددة لدى الشعبين ومساهمتها في  بناء مجتمع ديمقراطي، مرتكز على اساس من المساواة واحترام حقوق الانسان. ان هذا النظام الاقتصادي كفيل بإخراج الشعب الفلسطيني، من الفقر والتخلف، وانقاذ الشعب الاسرائيلي من النظام الفاسد، الغير ديمقراطي والعنصري الذي يعيش به اليوم.

ان الصراع بين امريكا وبين الاتحاد الاوروبي، لا يدور فقط على صعيد الإتفاق النووي مع ايران بل حول التبادل التجاري بينهما. الصراع السياسي الحاد بين الحزب الديمقراطي والجمهوري داخل امريكا نفسها، التحقيق المستمر ضد ترامب بشبوهات التواطؤ مع روسيا، والفضائح التي تكشف يوميا عن ترامب وطاقم مساعديه، يدل على ان النظام السياسي ليس مستقرا بل بالعكس نحن امام تقلبات سياسية كبيرة. هذه التغييرات نابعة من الطبيعة الغير مستقرة للنظام الاقتصادي العالمي الحالي الناتجة عن الثورة الصناعية الثالثة التي تتماثل بالانتقال من الصناعات القديمة الى عهد جديد يستبدل فيه الانتاج الفكري الانتاج اليدوي. هذا الانتقال يحدث خلل في التوازن الاجتماعي، شرائح عمالية تفقد مصدر رزقها، وتصبح هامشية وتفقد ثقتها في الدولة والنظام الديمقراطي، وتريد “ثورة” ولكن بالاتجاه العكسي الى الوراء وهذا ما تعهد به ترامب. ولم يبق هذه الخلل الاجتماعي في حدود امريكا فقط، وانما يمتد للعالم ككل، وفي مقدمته العالم العربي.

فاذا يتعرض النظام الديمقراطي الرأسمالي الى تقلبات جذرية مثل ما نرى في الولايات المتحدة، فالتقلبات في العالم العربي هي اكبر وجذرية اكثر. واذا لم يستطع الربيع العربي في بناء نظام سياسي ديمقراطي جديد بل فشل في ذلك الا ان اسقاط الانظمة العربية الاستبدادية خلق وضع غير مستقر والذي لا يمكن ان يستقر على الاسس القديمة واكبر مثال الى ذلك سوريا. فعندما اعتقد الكل بان الاسد انتصر ومعه ايران وروسيا، جاءت اسرائيل لكي توضح بان الوضع لا يروقها، وهي تريد ترتيب مغاير، الاسد دون ايران وهذا امر مستحيل. بمعنى اخر في الوقت الذي يتجاهل الجميع ويتعامى عن حقيقة مطلقة، انه لا يمكن نجاح اي حل في سوريا، بوجود  حكم نظام الاسد، ولا يمكن الحديث عن استقرار الوضع السوري، الا من خلال بناء دولة ديمقراطية مدنية، على انقاض جمهورية الرعب البعثية والاسدية، وليس في سوريا  فحسب، وانما في كل البلدان التي تحكمها الانظمة الاستبدادية مثل مصر وليبيا واليمن وتونس ودول الخليج النفطية، التي تهددها الفوضى ان استمرت في سياستها ونهجها الاستبدادي.

هذا الوضع “الثوري” يفتح امام حزب دعم المجال لطرح برنامجنا البديل امام الجمهور العربي والاسرائيلي، الذي يعاني هو الاخر  من طبيعة النظام في اسرائيل في ظل سيطرة حكم اليمين. ان اسرائيل نفسها  تشهد ثورة، ولكنها ثورة مضادة، تستهدف قانون الاساس ” كرامة الانسان وحريته”، وتستهدف  شرعية محكمة العدل العليا، وجوهر النظام الديمقراطي في اسرائيل، ثورة من اجل تعزيز  النزعة  الدينية اليهودية على طابع  وشكل الدولة، ثورة تستهدف حرية المرأة وعزلها عن المجتمع الذكوري، ثورة  تستهدف حرية  الرأي والتعبير، ثورة على حرية الابداع الفني الحر. ويحدث ذلك كله في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي، وتعرض الفلسطينين الى القتل والقمع الوحشي في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتحريض الارعن ضد مؤسسات حقوق الانسان، وصندوق اسرائيل الجديد، واستشراء الفساد في الدولة ومؤسساتها الرسمية، وتقوية نفوذ رجال الاعمال الذين استطاعوا السيطرة على مرافق اقتصادية هامة في الدولة، مثل شركة بيزك واصحاب الاحتكارات الكبيرة الذين ادينوا بتهمة الفساد.

اننا في حزب دعم، ورغم هزيمة القوى الديمقراطية في العالم العربي، وانغلاق الشباب الفلسطيني في تقوقعهم القومي، وتمسك اليسار الاسرائيلي بوهم حل الدولتين، فلا بد لنا ان نشق طريقنا السياسي، استنادا الى التغيير الجذري في الفكر والممارسة، عند قطاعات واسعة من المثقفين العرب الذين بادروا ولا زالوا بنشاطهم من اجل مستقبل ديمقراطي، والى التحولات العلمية التي تفتح امام الانسانية افق اقتصادي واجتماعي جديد.

في هذا الإطار باشر حزب دعم بحملته من اجل حل الدولة الواحدة المبنية على اقتصاد مبني على طاقة متجددة ودمقرطة الانترنيت. وقد انفتحت امامنا فرص جديدة للوصول الى جمهور عربي كان او اسرائيلي الذي يتفاهم مع طرحنا من خلال ممارسته في الحياة، اذا كان من تجربة سياسية، او مجال عمله او نشاطه الفني والثقافي. ان المبادرة لإدخال الطاقة الشمسية في الوسط العربي، والسعي لشراكة اسرائيلية عربية في هذا المجال، تتماشى مع نشاطنا النقابي. نستطيع القول اننا امام فرصة تاريخية  بالتعاون بين الجمهور الاسرائيلي والعربي، الذي يتفق مع طرحنا، لبناء حركة اجتماعية ومتضامنة بين العمال الفلسطينين والاسرائيليين واستغلال كل الامكانيات المتاحة امامنا لتتعزيز الشراكة الاسرائيلية العربية من خلال الانشطة الثقافية والفنية والسياسية والنقابية.

وقد رأينا من خلال تجربتنا  في النشاط الاعلامي على موقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي ومنذ ان بدأنا العمل المبرمج، وتمويل نشرتنا في الفيسبوك، ازديادا واهتماما ملحوظا من قبل الجمهور في  متابعة مواقفنا السياسية التي تنطلق من المنظور الاممي، البعيد عن التعصب  القومي، او التقوقع بالأيديولوجيا الشيوعية القديمة.

اننا في حزب دعم نتطلع الى المستقبل  بخطى واثقة، ونعالج ازمات الحاضر الصعب بكل مسؤولية ووعي ، لما تحمله هذه المرحلة الانتقالية من صعوبات فظيعة. ان المرحلة التاريخية الراهنة تتسم بإنتقال الإنسانية من عالم قديم الى عالم جديد. العالم القديم يسقط بسبب أمراضه التي لا دواء لها، والعالم الجديد يظهر شيء فشيء بكل مشاكله، وعيوبه، ومع ذلك هو يشير الى تحول نحو عالم جديد، دون حدود قومية يعتمد على الثورة المعلوماتية  والتكنولوجية، وعالم الانترنت، التي تغزو كل بيت وكل مجالات الحياة، ووحدت البشرية جمعاء ككتلة واحدة، رغم كل الفروقات القومية والدينية والثقافية والجغرافية. وقد علمتنا التجربة السياسية بان من يتمسك بالماضي ويبقى اسيرا له دون رؤية مستقبلية، فان الفشل يلاحقه،  ومن يسعى الى رسم ملامح المستقبل، فان  النجاح حليفه مهما ازدادت سوداوية المشهد امامه.

 

 

 

 

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.