بعد خراب حلب

في شهر يناير عام 1945، شهور قليلة قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية إجتمع في مدينة يالطا الروسية على شواطئ البحر الأسود زعماء الدول المنتصرة، ستالين، روزفلت وتشرتشل، ليقتسموا بينهم ثمار الإنتصار على ألمانيا النازية واليابان. اليوم يعود التاريخ على نفسه ولكن بنسخة مغايرة تماماً ربما تدل على التحول الكبير الذي طرأ على العالم منذ انتهاء الحرب الباردة. ففي موسكو إلتقى ثلاثي جديد ليقسّم ثمار انتصاره الكبير على سوريا وشعبها. روسيا استدعت حلفائها في الحرب، ايران وتركيا، من أجل الوصول إلى صيغة اتفاق ينص على وقف للنار في كل أنحاء سوريا كمقدمة لحل سلمي سيتم بحثه في الفترة القادمة في مدنية آستانا عاصمة كازخستان.

المثير في ما سمي “إعلان موسكو” أنه تم بغياب النظام السوري والمعارضة اللذين أصبحا لاعبين ثانويين على الساحة السورية. أما أمريكا والأمم المتحدة والجامعة العربية فقد أصبحوا مجرد مراقبين عن بعد لا كلمة لهم في مستقبل سوريا والشرق الأوسط عامة.

وإذا كان لروسيا الدور الرئيسي في إنقاذ النظام السوري من السقوط من خلال سلاح الجو الفتاك، وكان لإيران دورا اساسيا بفرض السيطرة الفعلية على الأرض من خلال ميلشياتها الشيعية الإرهابية فقد كان لتركيا دور محوري في حسم معركة حلب. ومن الممكن القول بأنه لولا تغيير أردوغان لموقفه حتى توصل إلى صفقة مع بوتين حول مصير سوريا لما كان للتحالف الروسي الإيراني أية إمكانية لحسم معركة حلب لصالحهم. واليوم يمكننا الجزم بأن محاولة الإنقلاب الفاشلة للإطاحة بأردوغان في الصيف الماضي كانت هي التي حسمت مصير حلب.  ليس من صدفة أن يكون بوتين أول زعيم يتصل بأردوغان ويعبر عن دعمه له في حين تريّث أوباما ومعه الغرب وانتظر ليرى كيف سينتهي الإنقلاب قبل أن يدينوه ويتصلوا تضامناً مع الرئيس التركي.

في أعقاب ذلك غيّر أردوغان سياسته مئة وثمانين درجة وقام بإعادة العلاقات مع موسكو بالتزامن مع إعادة العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل. ولم يمض وقت طويل حتى بادرت تركيا إلى شن عملية “درع الفرات” بحجة محاربة الإرهاب ولكن عمليا لمنع من الأكراد وحزب YPD من تشكيل حكم ذاتي في منطقة “روجافا” على الشريط الحدودي الفاصل بين تركيا وسوريا. وكان الموقف الأمريكي الداعم للأكراد من ناحية وموقفهم الفاتر من الإنقلاب ضد أردوغان هو ما دفع الزعيم التركي إلى أحضان بوتين ونتانياهو. إن الأمن القومي التركي أصبح أولوية قصوى وجاء على حساب الثورة السورية، واتضح فيما بعد أن الروس تنازلوا عن الدعم للأكراد مقابل الصمت التركي على ما يحدث في حلب من دمار، مجازر وتهجير قسري.

وقد لعب الأتراك على كل الحبال وأرادوا أن يكونوا طرفاً مؤثراً في سوريا مثلما في العراق. ففي البداية لعبوا مع داعش ومنحوا لمتطرفي العالم أن يتدفقوا إلى الأرض السورية حتى استطاعوا أن يحتلوا الموصل ويعلنوا عاصمتهم في الرقة. أما وبعد أن اتضحت خطورتهم على الأمن القومي الأوروبي والأمريكي فقد قدم الأتراك مطار أنجرليك للتحالف الدولي من أجل محاربة داعش. وأما على مدى السنين فقد أصبحت تركيا حاضنة ليس للاجئين السوريين فحسب بل للمعارضة السياسية والعسكرية على كل أطيافها. وعندما شكلت تركيا “الجيش الحر” لتحرير شمال سورية من داعش ومن الأكراد فقد صفقت لها المعارضة السورية وهللت لإنجازات “الجيش الحر” الذي تحول من جيش يكافح ضد النظام السوري إلى جيش يعمل لصالح المصلحة التركية الضيقة.

وقد عكس هذا التطور الخطير في مسار الثورة السورية وضع المعارضة المسلحة المرتبطة بتسليحها وتمويلها بأموال الخليج. إن هذه الأموال قد أفسدت الثورة الفلسطينية من قبل، ومولت الإنقلاب العسكري في مصر، وهي اختارت المجموعات السلفية على حساب الجيش الحر والتنسيقيات الشبابية التي تشكلت بعد اندلاع الثورة. ولم يكتف “أصدقاء الشعب السوري” بإغراق الحراك الديمقراطي وتصفية الجيش الحر بل تلاعبوا بالقيادة المدنية حتى لم يبق منها شيء سوى عنوان شكلي لا جذور له على الأرض. إن استبدال “المجلس الوطني السوري” بإئتلاف القوى المعارضة ومن ثمة بما سمي ب “وفد الرياض” كان عبارة عن عدم وجود قيادة مستقرة ومستقلة خاضعة لإرادة الشعب السوري وليس للقوى الخارجية. وقد وصلت الأمور لدرجة تعيين محمد علوش “كبير المفاوضين” رغم كونه ممثل “جيش الإسلام” وهي تشكيلة سلفية متطرفة ولكن تحظى بدعم سعودي مما حولها إلى “معتدلة”.

من قراءة الوثيقة التي نشرها الكاتب ياسين الحاج الصالح في موقع “الجمهورية” بعنوان “تفنيد ملف “المكتب الحقوقي” التابع ل”جيش الإسلام” عن جريمة التغييب القسري لسميرة ورزان ووائل وناظم” تتبين لنا طبيعة “جيش الاسلام” وهي بعيدة جداً عن الإعتدال والتسامح بل على العكس تماماً. نحن أمام تنظيم يستعمل الخطف، والاغتيال السياسي، والتعذيب مثله مثل نظام الأسد نفسه لكي يفرض سطوته في المناطق التي يسيطر عليها وتحديداً مدينة دوما. إن عملية تغييب رزان زيتونة ورفاقها الثلاثة ليست سوى نموذجاً للطريقة التي تم بها تغييب الحراك الديمقراطي السوري الذي كان في صدارة الثورة ضد النظام. إن تعيين محمد علوش “كبير المفاوضين” في الوفد الذي كان من المقرر أن يفاوض على مستقبل سوريا كان بمثابة الخضوع من قبل القوى الديمقراطية في الثورة السورية أمام السلفية استجابة لرغبة السعودية وقطر. وكان بذلك إشارة إلى تهميش التيار المدني وتحريف الثورة السورية عن مسارها الأصلي والمشرف.

ما نريد أن نقوله هو أن حلب سقطت ليس بفضل الجبروت الروسي الإيراني ووحشية النظام السوري وحزب الله اللبناني فقط بل بسبب العزلة التي فرضت عليها من قبل المجتمع الدولي من ناحية و”أصدقاء” سوريا العرب وتركيا. أثناء المعركة الحاسمة لم يقف أحد إلى جانب حلب، فقد انتخب ترامب رئيساً لأمريكا في حين انشغل أردوغان في معركته الخاصة لضمان الشريط الحدودي وأما أمريكا والأمم المتحدة قد انتظرت حتى تكمل روسيا مهمتها لكي يسنح لها بالبدء في “العملية السياسية”. لم يسقط النظام ليس بسبب التدخل الروسي فقط بل لأن أمريكا ومعها “أصدقاء الشعب السوري” لم يرغبوا في ذلك لأن البديل عن النظام كان جيش الإسلام وأمثاله الذين افتخروا بأنهم يسيطرون على الأرض وأنه لن يكون حل بدونهم. نعم أوباما يتحمل المسؤولية الكبرى عن صعود السلفية الجهادية على الأرض السورية بعد أن امتنع عن ضرب النظام بعد القصف الكيماوي على الغوطة الشرقية عام 2013 ولكن كلاً السعودية وقطر وتركيا قد شجعت ومولت هذه الجماعات المتطرفة حتى أضاعت الثورة السورية طريقها.

ومع ذلك سقوط حلب لا يعني نهاية المطاف، وهذا التقدير لا ينبع من باب التفاؤل الثوري بل من باب التحليل الموضوعي للواقع. نعم حلب والثورة السورية قد عُزلت ولكن وفي نفس الوقت النظام وأصدقائه معزولين أيضاً. فما تريده روسيا بعد أن ذبحت الآلاف من الشعب السوري ودمرت البلد من أجل إنقاذ النظام المجرم هو أن تخرج من هذه الورطة مثلما تخرج الشعرة من العجين. بوتين يعلن عن انتهاء الحرب وبهذا يذكرنا بجورج بوش وهو يعلن النصر على العراق عن ظهر سفينة حربية سنة 2003. روسيا وحلفائها سيفشلون في فرض حل على مقاسهم ليس بسبب قوى المعارضة بل لأن القوى الدولية المنافسة لها أمريكا، أوروبا ودول الخليج لن تسمح بهذا بينما المصالح الروسية لا تتوافق والمصالح الإيرانية وبينما لتركية ولإسرائيل مطامح تتعلق بالأمن على حدودهم.

يجب أيضا أن لا نشطب الطاقات الثورية الكبيرة التي أظهرها الشعب السوري خلال 6 سنوات من الثورة الشعبية وهي تجربة ثورية لا يمكن أن تتبخر. ورغم الهزيمة ونقاط الضعف الواضحة، هناك آلاف الشباب والشابات والناشطين الثوريين المدنيين الذين سيكونو الأساس للموجة الثورية القادمة لا محالة.

هذا الجيل لا بد له أن يستنتج بأن أحد أهم العبر من سقوط حلب هي أن عملية إسقاط النظام ستستغرق وقتا طويلا. إن مجيء ترامب إلى الحكم وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا تدل على مرحلة تاريخية جديدة تتغلب فيها العنصرية والإستبداد على الديمقراطية. إن مصير سوريا مربوط مع مصير الربيع العربي برمته، وما دام أمراء الخليج، السيسي، عبد لله صالح، والأسد يتمسكون بالسلطة واردوغان، الخمينائي وبوتين يحاولون أن ينقذوا نظامهم على حساب الشعوب العربية فسيكون من الصعب بناء الدولة السورية الديمقراطية التي من أجلها خرج الشعب السوري إلى الشوارع ودفع ثمناً لا يمكن للإنسان أن يتخيله.

תגיות: ,

אודות يعقوب بن افرات