ترامب يتراجع، خامنئي يستفيد ونتانياهو يخسر

المكالمة الهاتفية بين ترامب وأردوغان (الاحد 6 أكتوبر) منحت الرئيس التركي الضوء الاخضر لغزو الاراضي السورية، وجاء ذلك بعد ان اصدر ترامب أوامره للقوات الامريكية بالانسحاب من المنطقة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة إعلان الطلاق من الاكراد الذين تحالف معهم الامريكان سنوات طويلة وبالتالي تركوهم فريسة سهلة للجيش التركي. هذا الاجراء يعتبر خيانة بحق الاكراد وتحديدا حزب الإتحاد الديمقراطي PYD، وهو فرع حزب PKKالتركي بقيادة عبد الله اوجلان، الذي ضحى بأكثر من عشرة الاف مقاتل في الحرب الذي شنها التحالف الدولي على داعش اذ شكلت قوات سوريا الديمقراطية (التي ترتكز على ميليشيات PYD) القوة الأساسية بالميدان. 

ونظرا للاعتماد على هذا التحالف تمكن حزب الإتحاد الديمقراطي الكردي من بناء حكم ذاتي يخضع لسيطرته المطلقة فيما يسمى اقليم الجزيرة السورية شرق نهر الفرات وهي المنطقة الغنية بالنفط، الماء والزراعة. ومع ان PYD لم يقف ابدا الى جانب الثورة الديمقراطية ضد بشار الأسد، لا بل تعاون مع النظام لتحقيق مصالحه الضيقة، الا ان ما قام به ترامب احدث صدمة داخل امريكا وجلب انتقادات لاذعة ضده من قبل الكونغرس الامريكي ومن أعضاء الحزبين الدمقراطي والجمهوري على حد سواء.

في الوقت ذاته اثار قرار ترامب قلقًا حقيقيًا في الاوساط الامنية والسياسية في اسرائيل لدرجة ان وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو عرج على إسرائيل بعد زيارته إسطنبول لمقابلة اردوغان بهدف طمأنة نتانياهو نتيجة خطوات ترامب المفاجئة. وقد تحول ترامب وهو صديق حميم لنتانياهو الى شخص مريب لا أحد يستطيع استيعاب مقاصده. وكان قراره الاخير بالإنسحاب من سوريا وحتى رسالته المهينة الى اردوغان، التي قال فيها: “لا تكن احمق ولا تخاطر بان يذكرك التاريخ كشيطان”، قد اثبتت للإسرائيليين بان الولايات المتحدة تتخلى عن كل التزاماتها تجاه حلفاءها في المنطقة. فما يقلق اسرائيل ليس مصير الاكراد وما يقوم به اردوغان من احتلال للأراضي السورية، اذ تقوم إسرائيل نفسها بانتهاك حق الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنوات وليست لها مشكلة باحتلال أراضي بلد اخر. إضافة الى ذلك تحتل إسرائيل الجولان السوري والذي قد يكون مبررا لاحتلال تركيا لشمال سوريا ويعفيها من اخذ أي انتقاد بجدية  بسبب ضم اسرائيل للجولان السوري. في الواقع القلق الكبير في إسرائيل كان بسبب صعود قوة ايران التي تعتبر المستفيد الاول من انسحابات امريكا من كل من العراق وسوريا.

ويمكن اعتبار الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية الإيراني لفرنسا بالإشارة الأولى للتغيير الإستراتيجي في المنطقة، اذ قام محمد جواد ظريف، إبان إنعقاد قمة مجموعة الدول السبعة الكبرى في 25 أوغسطس الماضي، بالزيارة بغرض لقاء ترامب وبوساطة من الرئيس الفرنسي ماكرون. اللقاء بين ترامب وبين الرئيس الايراني روحاني لم يتحقق رغم إستعداد ترامب للقاء الايرانيين دون شروط مسبقة من الطرفين اذ يشترط الإيرانيون عقد اللقاء بإزالة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم من قبل الامريكان.

وكان مجرد استعداد الرئيس الأمريكي للقاء رموز النظام الإيراني دون شروط مسبقة مثابة تنازل أمريكي كبير وعلامة على ضعف ترامب. ذلك لان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، كان قد حدد قبل سنة بالضبط 12 شرطًا مسبقًا للتوصل إلى “اتفاق جديد” مع إيران، بينها مطالب أكثر صرامة حول البرنامج النووي، ووضع حد لبرنامج الصواريخ الباليستية والتدخل الإيراني في النزاعات الشرق الأوسطية. التناقض هنا واضح وإعتبره القادة الإسرائيليين ناقوس خطر، لانهم يرون بموقف الرئيس الأمريكي المستعد للقاء القادة الايرانيين قبل ان يتحقق أيا من الشروط الانفة الذكر بمثابة علامة خطيرة لتراجع الامريكان في المواجهة مع إيران، مع انهم قد تنفسوا الصعداء بعد ان رفض الايرانيون دعوة ترامب.

والجدير بالذكر ان زيارة ظريف لفرنسا وإعلان ترامب إستعداده للقاء روحاني دون شروط مسبقة، جاءت بعد شهرين فقط من اقدام إيران على اسقاط طائرة امريكية دون طيار في مياه الخليج الامر الذي اعتبر تحدٍ مباشرٍ ومستفزٍ للأمريكان. فبعد ان هدد ترامب بتلقين ايران درسا تاريخيا، تراجع وامر عشر دقائق قبل تنفيذ الهجوم الصاروخي على الاراضي الايرانية، بوقفها وادعى انه إتضح له باللحظة الاخيرة ان العملية ستسفر عن 100 قتيل ايراني وهو لا يريد لهذا الامر ان يحدث فقط لان “ضابط إيراني أحمق برتبة متدنية” امر بإسقاط الطائرة الامريكية دون علم المسؤولين في طهران.

هذا التراجع الأمريكي قبل الهجوم اعتبر رسالة واضحة للإيرانيين بأن ترامب يفهم لغة القوة وبالتالي سلاحه المفضل هو العقوبات الاقتصادية التي يوجهها ضد كل من يعارض رأيه، الصين، الاتحاد الاوروبي، روسيا، كوريا الشمالية وبطبيعة الحال ايران. ولكنه في الوقت نفسه يكره بل ويخشى زج الجنود الامريكان في الحرب خاصة على ضوء إخفاقات أمريكا العسكرية في كل من حربي العراق وأفغانستان. 

ومن جهة أخرى كان الهجوم الصاروخي على منشآت النفط السعودية بطائرات مسيرة وصواريخ كروز إيرانية قد أثار قلقًا حقيقيًا في إسرائيل لسببين أساسيين، الأول كان الرد الأمريكي او بالأحرى عدم رد ترامب على ما كان حتى تلك اللحظة موقع إستراتيجي وخط أحمر لا يجوز تخطيه، والسبب الثاني الذي أقلق الإسرائيليين هو طبيعة السلاح الذي تم إستخدامه في هذا الهجوم. في الوقت التي عملت إسرائيل على منع التمركز الإيراني في سوريا من خلال هجمات جوية شبه يومية والتي توسعت الى الاراضي العراقية وحتى قلب بيروت لمنع من حزب الله من إنتاج صواريخ دقيقة بمقدورها توجيه ضربات دقيقة لمنشآت إسرائيلية حساسة، أثبتت إيران ان السلاح الدقيق أصبح بمتناول يدها، وهي على كامل الإستعداد لإستخدامه وبإمكانها إطلاقه من كل مكان على إمتداد الأرض العربية من اليمن، الى العراق، فسوريا ولبنان. وعلى ضوء هذا الواقع الإستراتيجي الجديد أصبحت الطلعات الجوية الإسرائيلية بحثًا عن صواريخ دقيقة إيرانية على طول وعرض العالم العربي عبثية.

اما الأمر الأهم هو إضمحلال تأثير او حتى إنهيار “التحالف السني المعتدل” والذي كانت السعودية الحلقة الأهم فيه واعتبر من اهم إنجازات نتانياهو الامر الذي ساهم في اعادة إنتخابه المرة تلو الاخرى بحيث شكل التحالف مع السعوديين ودول الخليج الأخرى مبررًا لرفضه التسوية مع الفلسطينيين بحجة ان ما يهم العرب هو ايران وليس فلسطين.

العلاقة مع دول الخليج منحت نتانياهو الفرصة لان يستشهد بموفق اهم محرر في صحيفة الشرق الاوسط السعودية وهو الكاتب عبد الرحمن الراشد، الذي كتب في 18 أيار 2018 مقالا بعنوان “مع من تقف: ايران ام اسرائيل؟” شرح به المصلحة العربية بدعم اسرائيل على حساب ايران بالقول: “الصورة تبدو أوضح اليوم من ذي قبل. الهدف هو إجبار نظام طهران على التراجع. الخطة شملت قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتمزيق الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية. وتفعيل دور إسرائيل العسكري، بالهجمات الموجعة التي دمرت المواقع الإيرانية”. هذا كان الموقف السعودي ما قبل الهجوم على منشآتها النفطية وعدم الرد الامريكي، اما اليوم فقد انقلبت الامور رأسا على عقب.

وقد كشف نتانياهو بانه يقف في وجه ايران وحده، بعد اختفاء الغطاء الامريكي والسعودي. وقد عبر نتانياهو عن خوفه من الواقع الجديد ودعى حزب أزرق أبيض (كاحول لفان) للإنضمام الى حكومة وحدة وطنية لمواجهة التحدي الإيراني. كما دعا نتانياهو الحكومة المصغرة لجلسة خاصة إستثنائية لمدة خمس ساعات لمناقشة الامر ووصلت الامور بنتانياهو الى التوجه لرئيس الاركان أفيف كوخافي ومنحه الاذن ليلتقي برئيس حزب “كاحول لفان” بني غانتس ليقنعه بخطورة الوضع وضرورة تشكيل حكومة وحدة فورا. 

فبعد ان طوّرت اسرائيل “القبة الحديدية” لمواجهة صواريخ القسام من غزة، و”العصا السحرية” لمواجهة الصواريخ الباليستية الايرانية إكتشف نتانياهو ان لا رد في جعبته على الطائرات المسيرة وصواريخ كروز التي أستخدمت ضد المنشآت السعودية. فكيف سيكون بامكانه الإستمرار بقصف قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا دون ان تكون في يد إسرائيل منظومة دفاعية ضد صواريخ دقيقة إيرانية التي من الممكن إطلاقها من مناطق بعيدة وغير محددة؟

يتبين اذن ان السحر الايراني انقلب على الساحر نتانياهو الذي فقد أهم أوراقه الإستراتيجية بعد ان ابتعد ترامب عن المنطقة وأصبحت السعودية تبحث عن الوساطة مع ايران مستعينة لهذا الغرض بالرئيسين العراقي والباكستاني. ربما تدل زيارة الرئيس الروسي بوتين للرياض وأبو ظبي مطلع شهر اكتوبر على التحولات الكبيرة في المنطقة. فاذا اعتمد نتانياهو على الصداقة الحميمة مع بوتين والعلاقة الاستراتيجية مع ترامب في مواجهة إيران فاليوم بات واضحا ان من توهم بعزل النظام الإيراني عزل نفسه ويقف لوحده بمواجهة إيران. ان الغرب سئم من الحروب ومن الإقتتال في الشرق الأوسط، دول الخليج لا تريد الحرب مع إيران خوفا على مصير نظامها، وعلى اسرائيل ان تعيد حساباتها وان إعتمادها المطلق على الخيار العسكري كالمعتاد قد يكلفها ثمنا باهظا يبدو انه اغلى من استعداد الشعب الاسرائيلي دفعه. 

عن يعقوب بن افرات