ثقافة عربية تحت الرقابة الداخلية

جلسة حوار بمشاركة علاء حليحل، أسد عزّي ورائدة أدون. أدارت الجلسة – أورنا عقّاد

أقيمت الجلسة ضمن الأيام الدراسية التي بادر إليها حزب دعم في الناصرة، نهاية تموز 2015 تحت عنوان “نكسر أسوار الانغلاق – نظرة نقدية على المجتمع الإسرائيلي والعربي”. شارك في الجلسة فنانون وفنانات من مجالات الأدب والفن الفلسطيني، والذين يتعاملون مع ضغوطات خارجية وداخلية بسبب التطرف القومي – الديني الذي يجرف المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء.

من اليمين: أورنا عقّاد، علاء حليحل، أسد عزّي ورائدة أدون

في كلمتها الافتتاحية تطرقت الكاتبة، المخرجة والمترجمة أورنا عقّاد لملاحقة مسرح الميدان في أعقاب عرض مسرحية “الزمن الموازي” للمخرج بشار مرقص، وإبقاف الدعم المالي من بلدية حيفا ووزارة الثقافة للمسرح. ملاحقة مسرح الميدان تثير جدلاً واسعاً وتضامناً كبيراً، بسبب الصراع الناتج عندما يعرض المسرح أعمالاً عن الاحتلال والتمييز. واضافت المخرجة عقاد – في مقابل الرقابة الخارجية هنالك أيضاً ومنذ سنوات رقابة داخلية، سأسميها الرقابة التقليدية، ومسرح الميدان ليسَ بريئاً منها.

الرقابة التقليدية تعمل على كل مجالات الفنون، من المسرح مروراً بالفنون التشكيلية وحتى الأدب، وهي تنتشر تحت مقولة أن المجتمع العربي مجتمع محافظ. وهكذا فمن وراء حجّة احترام التقاليد العربية يراقبون ويمنعون الانتاجات الفنية من الوصول إلى الجمهور العريض.

صعود الخميني إلى الحكم في إيران (1979)، فشل الانتفاضة الأولى (1993) وصعود حماس، هي عوامل أدت إلى تراجع المجتمع العربي، وإلى محاولة إيجاد بدائل سياسية واجتماعية داخل إطار الدين، لاسكات كل صوت يتعارض مع الدين أو مع التقاليد. في القرى العربية، نساء بدأن يغلّفن أنفسهن بالجلابيب، لباساً لم يلبسوه أبداً. الحركة الإسلامية ازدادت قوة وبالمقابل تقلص الانفتاح في إنتاج الفنون والأدب. مسرح الميدان الذي أقيم في التسعينيات، عرض أعمالاً سياسية، والتزم بعدم تخطي الحدود التقليدية التي حددها له المجتمع. امتنع عن استخدام اللغة الجنسية، وتبنّى رموزاً للباس والعلاقات التي تحظى بالتوافق، بحجة أنه من غير الممكن تسويق عروض صارخة خارج حيفا.

واستمرت اورنا عقاد التي تكتب وتهتم فيما يدور في المجتمع العربي انها وقبل سنتين عرضت مسرحية عن عجوزٍ فلسطينية تقرر العودة إلى مسقط رأسها يافا بعد 60 سنة من نزوحها إلى عمّان، بهدف العثور على ابنها الذي وُلد من علاقة مع شاب مسيحي. تمت الموافقة على عرض المسرحية من قبل الفن للشعب (وهي مؤسسة حكومية تمول ألإنتاج المسرحي في الوسط اليهودي والعربي) وبدأنا جولة عروض في القرى. في صباح أحد الأيام هاتفني نائب مدير المدرسة الثانوية في قرية جت المثلث وقال، إنه مع الأسف اضطر لإلغاء العرض في مدرسته بسبب المحتوى. ببراءة افترضت أن المحتوى الذي كان يقصده هو النكبة وحق العودة، والخوف من التورط سياسياً مع المؤسسة الإسرائيلية. ولكنني أخطأت، وتبيّن أن في المسرحية مشكلة أخلاقية، وهي قصة الحب الممنوع وولادة طفل خارج إطار الزواج. “هذه الحالة تتعارض مع قيمنا وتقاليدنا”، أوضح المدير، “نحن مجتمع محافظ، ولسنا مثلكم”.

بعد الانتفاضة الأولى (1987) بدأت الثقافة العربية بصياغة هوية سياسية “منتصبة” وأخذت تتصارع مع جيل “المقرفصين” منذ عام 1948. ضمن هذا الإنتصاب، بقيت مكانة المرأة ونظام العلاقات الجنسية مدفونة ضمن التقاليد. يتم إسكات كل محاولة صارخة لإنتاج فنّ يكسر هذا ال “تابو” المحرّم. الممثلات مطالبات بعدم لبس ثياب فاضحة، علاقات ذات طابع جنسي بين رجال ونساء تُعرض على المسرح بصورة رمزية، وفنون تشكيلية صارخة لا تُعرض في متحف أم الفحم.

على ضوء هذا الواقع والتحديات التي يضعها امام الفنانين في المجتمع العربي فتحت العريفة المجال امام المتحدثين لطرح وجهة نظرهم.

اول المتكلمين كان الكاتب، المخرج والإعلامي، علاء حليحل، الذي تطرق لقضية فصل المربي علي مواسي بعد قراره تدريس كتاب حليحل “أورفوار عكا” لطلاب صف الثاني عشر في ثانوية باقة الغربية – جت ككتاب غير ملزم لطلاب البجروت في اللغة العربية.

يوماً واحداً بعد أن وزّع مواسي الكتب على الطلاب، جميعهم وبصوت واحد أعادوا له الكتب، بعد تحريض جماهيري استمر طيلة اليوم بمبادرة مجموعة إسلامية متطرفة. هدف التحريض كان إحراج رئيس البلدية وإجباره على اتخاذ موقف من الموضوع: إذا دعم المعلم سيعلنونه كافراً، وإذا دعم المتطرفين ستتعزز مكانتهم في القرية.

الرقابة الداخلية، يقول علاء حليحل، هي الهزيمة الموجعة الأكثر إذلالاً للمُنتج الثقافي. دور منتج الثقافي هو وضع مرآة أمام مجتمعه، وأن يتصارع معه، في حين أن إطلاق يد الرقابة هي عمل جبان (يأتي من الخوف الذي) يُسكت الإنتاج الثقافي. هنالك من يتهربون من النقد الذاتي من خلال توجيه سهام هذا النقد إلى الاحتلال، ولكن هذا لا يكفي، علينا توجيه النظر إلى داخل المجتمع، إلى مكانة المرأة، حقوق المثليين، حقوق الطفل، وحقوق الضعفاء على الرغم من الاحتلال والحرب. أنا أكره دور شاعر القبيلة، هذه دور مريح. لسنا ملزمين بتعظيم الشعب الفلسطيني، ولكن علينا الإشارة إلى قبحنا حين نكون قبيحين. غالبية الأدباء، السينيمائيين والمسرحيين العرب لم يستوعبوا هذا الدور.

الفنان أسد عزّي أبدى امتعاضاً من أنه حين عرض أعماله في متحف إسرائيل تم تقديمه على أنه “فنان درزي”. هذا شكل من أشكال الرقابة الخارجية، يقول الرسام عزّي، وذلك لأن المجتمع الإسرائيلي والنخبة الثقافية الإسرائيلية تريد أن تجد بي ممثلاً عن جماعة معينة، في حين أني كرجل فكر أستخدم اللوحة كي أعبر عن موقف. في معرضي الأخير في أم الفحم رفضوا تعليق لوحات رسمت نفسي فيها عارياً، بسبب الخوف من التورط مع الحركات الإسلامية. نحن نمثل مسألتين وجوديتين، واحدة عارية مخبأة والثانية بادية حين نكون لابسين ومقنعين. نحن نواجه جبهتين: الرقابة الخارجية التي تحاول منعنا كفنّانين من التعبير عن موقفنا، ورقابة داخلية تمنعنا من عرض فنوننا بحرية.

لاحقاً عرض عزّي مجموعة من أعماله وضّح من خلالها علاقته مع المرأة، والتي يرى بها، هو القادم من بيئة أقليات مضطهدة، موضع تقدير، تضامن ومحاكاة.

رائدة أدون، ممثلة وفنانة شاملة، أرفقت أقوالها بعرض فيديوهات من عملها. في معرض حديثها قالت أدون: أنا لا أنتج فناً كتمرّد لأنني ولدت فنانة. صحيح بأننا نعيش تحت الاحتلال، ولكن هنالك احتلال آخر نعيش تحته أيضاً، إنه الاحتلال الذكوري. لا أجد نفسي فنانة سياسية إنما فنانة واعية لا تسير وفق السكّة المحددة. في الفيديو الذي عملته بعنوان “إمرأة بدون بيت”، شعرت بأن لا بيت لي وبقيت لي فرشة فقط أعيش معها، وهي تعرف عني كل شيء. ربما لن يحب الإسرائيليون “امرأة بدون بيت” لأنه يعتبر عملاً سياسياً. أنا أسأل ما هو البيت؟ الدولة، الأصدقاء، العائلة، الزوج؟

عندي عمل آخر تم عرضة في نيوجرسي (الولايات المتحدة)، وحتى الآن لم يُعرض هنا. أهديته إلى أمي التي تزوجت في سن ال 14 وأنجبت 8 أبناء. هذا العمل يحكي عن العذرية، العلاقة بين الرجل والمرأة، ما هو العري، لماذا علينا أن نغطي الجسد. أنا أتصور عارية، وليس للصورة أي طابع جنسي، نرى فيها جثة ملقاة على الفرشة. ليس بإمكاني عرضها في القرى أو في الناصرة، وإذا عرضتها في متحاف إسرائيل فإن أول ما يقولونه “كيف لعربية أن تتصور عارية”. بدل النظر إلى عمق الصورة فإنهم مع الأسف ينظرون إلى الجسد، لأني عربية.

لمقدمة الأيام الدراسية والمناقشات المختلفة، إضغط هنا.

אודות حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.