حان الوقت لـ “نيو ديل” فلسطيني أخضر

يعتبر سقوط دونالد ترامب بمثابة البداية لسقوط الايدولوجيا المحافظة، والتي من سمتها الأساسية رفض العلم والتقدم والانفتاح على العالم. ومع بدء انتشار فيروس كورونا من سوق للحوم الحيوانات البرية في مدينة ووهان وسط الصين ووصول الوباء إلى أوروبا ثم أمريكا واتساع رقعة الانتشار لتعم العالم برمته، الأمر الذي أحدث أكبر كارثة صحية عالمية ألقت بظلالها على حياة جميع البشر، هنا أدركت الإنسانية أمرين، الأول هو أن الحدود الفاصلة بين الشعوب قد سقطت، والثاني هو أن الطريقة الوحيدة للخلاص ولمواجهة هذه الجائحة تكمن بمجهود مشترك يوحد بين العلماء والاختصاصيين على اختلاف جنسيتهم.

بعد مضي عام على انتشار الوباء ووفاة أكثر من مليون ونصف المليون إنسان وشروع بعض الدول في عملية تطعيم اللقاح لمواطنيها بات بمقدورنا فهم العلاقة المتبادلة بين شعوب العالم بأكمله ومدى أهميتها. ومما لا غبار عليه أن تطوير اللقاح، بعد الكشف السريع عن التسلسل الجيني الكامل لفيروس كورونا (كوفيد-19)، لم يكن نتيجة مجهود فردي أو قومي بل ثمرة لتعاون دولي شارك فيه خبراء من شتى أنحاء العالم. ومن الواضح بأن الحد من هذا الفيروس الخطير ليس مهمة قومية بل يتطلب مجهودا عالميا، لأن القضاء عليه لن يكون نهائياً إذا لم يصل التطعيم إلى كل بقاع الأرض من دون استثناء.

وضع فيروس كورونا البشر أمام حقيقة إن ما يهدد سلامة الإنسانية في عصرنا ليست الحروب والأطماع القومية فحسب، وإنما الفيروسات أيضاً. وإن السلاح الفعلي للحفاظ على سلامة الإنسانية لا يأتي من بناء المفاعلات النووية وتطوير صواريخ عابرة للقارات في إسرائيل أو إيران أو أي بلد آخر، بل في مختبرات المعاهد العلمية في شتى أنحاء العالم. فكيف للأسلحة النووية أو مقاتلات الشبح F-35 وشبيهاتها أن تحمي المواطن الفقير من كورونا؟ خاصة أن الاستثمار بالسلاح والصواريخ يكون دائما على حساب بناء المستشفيات وتطوير جهاز صحة عام عصري لكافة أبناء الشعب.

الاحتباس الحراري

أما التهديد الثاني على مستقبل الإنسانية هو من دون شك الاحتباس الحراري، الذي يهدد الوجود الإنساني بأسره. وهذه المشكلة بدأت بعد الثورة الصناعية وزيادة تصنيع وسائل النقل وتحديدا السيارات والطائرات المدنية، وانتشار الطاقة الكهربائية على أساس الفحم والنفط، واختراع البلاستيك – كلها أمور كان لها آثار جانبية سلبية لأنها ساهمت في ارتفاع مستوى المعيشة وارتفاع متوسط عمر الإنسان، نتيجة التطور الصناعي والتكنولوجي، أي زيادة كبيرة في عدد سكان الأرض، وبالتالي زيادة في الإقبال على استهلاك الطاقة، الأمر الذي تبين في العقود الأخيرة بأنه يهدد المناخ مما قد يفضي إلى حدوث فيضانات وانتشار التصحّر وكوارث تضع الإنسانية في خطر.

لا نتحدث عن تنبؤات أو تصورات مستقبلية بل عن واقع بات أكثر خطراً، حيث كثرت الشواهد على ذلك في الآونة الأخيرة، كالحرائق الخطيرة في كاليفورنيا وأستراليا والعواصف الضخمة في المحيطين الأطلسي والهادئ، واتساع ظاهرة التصحّر في أفريقيا وآسيا، إضافة إلى أزمة الماء والغذاء، كلها مؤشرات تدق نواقيس خطر وتقودنا إلى ضرورة العمل لإحداث تغيير جذري في سلوك البشرية وتفكيرها.

وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار سقوط ترامب حدثاً ثانوياً بل كان حاجة تاريخية، كما أن فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة يمثل الجواب السياسي المباشر للخطر الداهم الذي يهدد الإنسانية جمعاء. وقد حدد بايدن مهمتين أساسيتين تشغلان بال العالم بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص وهما، الأولى مواجهة أزمة المناخ، والثانية محاربة الفقر. ويدرك بايدن وكل من يدعمه أنه من دون علاج هاتين المشكلتين فأن إمكانية عودة ظاهرة ترامب واردة، وذلك لأن الانغلاق القومي والعنصرية والذكورية والهوموفوبيا (كراهية مثليي الجنس) – كلها تتغذى وتستمد قوتها من الفقر والتهميش والبطالة وتعاطي المخدرات التي أصابت الملايين من المواطنين الأمريكيين ومن بينهم العديد من العمال والفقراء البيض الذين فقدوا مصدر رزقهم وأصبحوا يعانون من خيبة الأمل مما جعلهم عرضة لغسيل الدماغ وتبني نظرية المؤامرات.

الثورة الصناعية الرابعة

ومع انتخاب المرشح الديمقراطي جو بايدن، تطوي أمريكا ومعها الدول الصناعية الكبرى هذه الصفحة السوداء من تاريخها، وبموجب التوجهات الجديدة التي يروجها الرئيس المنتخب يبدو أن “الامبريالية الأمريكية” تنوي حالياً التنازل عن السيطرة على منابع النفط في الخليج العربي وتتوجه بدل عن ذلك “لاحتلال” الشمس والرياح من أجل تحريك اقتصادها. وستصبح الطاقة المتجددة محركاً أساسياً للاقتصاد العالمي، وقد تحذو دول أخرى حذو القيادة الأمريكية نحو عالم القرن الواحد والعشرين والثورة الصناعية الرابعة. أما محاربة الفقر ستكون على أساس إعادة تشغيل العمال ليس في مناجم الفحم وصناعة الفولاذ، بل في الصناعات الجديدة التي تتطلب مهارات تكنولوجية، ومن أجل ذلك لا بد من تطوير التعليم التكنولوجي في المدارس وتغيير المناهج التي لا تزال تهتم حتى اليوم وتركز على إعداد العمال وتجيزهم للصناعات القديمة مثل السيارات والفولاذ والأجهزة المنزلية.

والسؤال الذي يواجه المجتمع العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص هو: هل سنطوي نحن الصفحة أيضاً، أم سنستمر بالحياة حسب القوالب القديمة التي تقدس القومية والدين والعادات والتقاليد، التي تشدنا إلى الوراء وتبقينا في هوامش التطور العالمي الحديث؟

من الممكن التذرع بأن أزمة المناخ موضوع خارج دائرة اهتماماتنا الحالية وبعيد وغريب، وأن هناك مواضيع ملحة أكثر تحتل مركز أولوياتنا، من مثل موضوع التحرر الوطني ومناهضة التمييز القومي وحل مشاكلنا الداخلية، والتذرع بأن علينا ترتيب البيت الفلسطيني أولاً، وانتظار حدوث حل لمعضلة الانقسام بين فتح وحماس، والاستمرار في خوض نقاشات من قبيل هل كل اليهود صهاينة وهل كل الصهاينة يهود؟ وما هي الخطوات التي تعتبر “تطبيعاً”؟ والامتناع عن التحدث مع الإسرائيليين والتعامل معهم كونهم جميعاً يهود ونقع في نوستالجيا الانتفاضة الأولى، مما سيؤدي بنا، رويداً رويداً، إلى فقدان الصلة بيننا وبين العالم المتطور.

إن خطاب الشباب الصاعد في العالم هو خطاب جديد يحمل في طياته هموم جديدة. والأجيال الجديدة في الدول الصناعية تطرح الأسئلة: هل لنا مستقبل في عالم على وشك الانقراض بسبب الاحتباس الحراري؟ كيف سندير حياتنا في عالم من دون الحصول على فرص عمل في ظل تطور الآلات الصناعية والتكنولوجية الروبوتات‏، وهل علينا أن نتبنى برنامج “الدخل الأساسي الشامل” (Universal Basic Income )؟ هذه التساؤلات التي يطرحها الشباب نابعة من تداعيات الثورة الصناعية الرابعة.

الحق الفلسطيني مشروع ولا مجال للأخذ والرد فيه، فمن أبسط حقوق الفلسطينيين هي نيل الحرية بكامل أبعادها وأولها إنهاء الاحتلال ونظام الأبرتهايد الإسرائيلي. ولكن هذا الحق لا يمكن تحقيقه بالأسلوب القديم وبرفع شعارات تقادمت وأكل عليها الزمان وشرب.

الاقتصاد الأخضر.. لمحاربة الاحتلال والفقر والعنصرية

إن مفهوم “نيو ديل” أخضر يعني تطوير اقتصاد على أساس الطاقة المتجددة ووقف التعامل مع النفط والغاز والفحم كمصادر للطاقة، ولا يحمل في طياته علاجاً لأزمة المناخ فحسب، وإنما يحارب الفقر والعنصرية بكل أشكالها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، قد شكل حكومته وفريق إدارته بحيث تضم جميع ألوان قوس قزح المجتمع الأميركي بداية من نائبته كامالا هاريس من أصل أسود، مروراً بوزراء من أصل لاتيني ومثليين وسكان أصليين، الأمر الذي يعتبر انقلاباً على “العشيرة الترامبية” ونهجها الذي ساهم في زيادة الاستقطاب والانغلاق محلياً ودولياً.

 هذا لا يعني أن “النيو ديل الأخضر” اختراع أمريكي بالضرورة، بل هو برنامج تتبناه كل الحركات التقدمية في العالم، ومن الممكن أن يكون فلسطينياً وفي نفس الوقت إسرائيلياً. فالمناخ هو واحد بين النهر والبحر ويشمل كل شعوب المنطقة. وإن السلام الحقيقي لا يمكن بناءه على أساس التطبيع مع دول عربية مستبدة مثل الإمارات أو البحرين أو على أساس صفقات السلاح الضخمة، بل يجب على الشعوب بناؤه على أساس الهدف المشترك والمصير المشترك للإسرائيليين والفلسطينيين والعرب وبتعاون وتضامن مع كافة شعوب العالم.

في المقابل، إن رفض فكرة الاقتصاد الأخضر (النيو ديل الأخضر) ليس إلا رفضاً للعالم والدخول في عزلة دولية، وسيكون بمثابة تخاذل وإهدار فرص تجنيد الدعم لضمان الحقوق القومية والحق بالمساواة سواء للشعب الفلسطيني أو للمواطن الفلسطيني وإنهاء الاحتلال.

ويجب أن نطرح على أنفسنا سؤالا حقيقياً، ماذا نريد من الحرية؟ ما هي الأفكار والبرامج التي وفقها نريد تأسيس حرية الشعب الفلسطيني؟ وما هو المجتمع الذي نريده؟ وإذا لم تؤسس الحرية على أسس اقتصاد حديث وأخضر يتماشى مع صيرورة العالم المتطور فماذا تعني الحرية أصلًا؟ وإذا لم يتم بنائها على أساس محاربة الفقر وتطوير العلم والتعليم للجميع عبر بناء اقتصاد يرتكز على تكنولوجية متطورة ويضمن رفاهية المجتمع، فهذه الحرية هي حرية فاشلة والدولة التي ترعى هذا النهج الرافض هي في الواقع دولة فاشلة. من يطالب بوضع فاصل زمني ومرحلي بين مهمتي “التحرر الوطني” كمرحلة أولى وبين صياغة برنامج سياسي واقتصادي عصري، يقترف خطأ فاحشاً ولن يساهم في تقدم النضال من أجل إنهاء الاحتلال والتمييز العنصري وإنما يؤخره.

الفكر الصهيوني الجديد لا يطمح لاستعمار العالم العربي بقوة السلاح، وإنما لتكريس الدولة اليهودية على حساب حقوق الفلسطينيين. إن الفكر الصهيوني هو فكر قومي شعبوي يشبه فكر ترامب في أمريكا وبوريس جونسون في بريطانيا وبوتين في روسيا وأردوغان في تركيا. هذا التوجه يقف على الطرف النقيض، والنقيض جداً، من برنامج وفكر الحزب الديمقراطي الأمريكي وحلفائه في الغرب، وهو يقف ضد مسار التأريخ. من هنا نقول بأن برنامج “النيو ديل الأخضر” هو أفضل رد على الفكر الصهيوني القومي المنغلق الذي يخالف كل مبادئ الإنسانية ويتحالف مع أبشع الأنظمة التي تخترق حقوق الإنسان من مصر والإمارات والسعودية وغيرها، للحفاظ على بقاء سيطرته على الأرض وتكريس الطبيعة اليهودية الصرفة للدولة. إن الرد على الصهيونية يأتي من الديمقراطية والمساواة، والرد على البرنامج الرأسمالي النيو ليبرالي الذي يعتمده اليمين الإسرائيلي يكون في بناء دولة الرفاه والاقتصاد المبني على الطاقة المتجددة. ومن يريد اللحاق بركب العالم الجديد في عصر ما بعد ترامب وكورونا عليه أن يتبنى البرنامج الملائم وأن يتخلى عن الأفكار القومية البالية، التي لم تعد ملائمة لعام 2020، لأن التمسك بها يعني عدم خروجنا من الحالة المزرية التي نعيشها اليوم.     

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.