حزب دعم والناخب العربيّ

فيما يتعلّق بالانتخابات في الشارع العربيّ، يبدو أنّ الواقع يقبع مكانه. كأنّنا لسنا في أوج الربيع العربيّ، كأنّنا لا نشهد المذابح اليوميّة في سورية. كما كان في الانتخابات الماضية والانتخابات قبل الماضية صوّت أغلبيّة الناخبين في الشارع العربيّ للأحزاب الثلاثة- الحركة الاسلامية والحركة العربيّة للتغيير (4 مقاعد) والجبهة (4) والتجمّع (3).

اعتاد الشارع العربيّ على التصويت حسب التركيبة الدينيّة أو الطائفيّة أو الحمائليّة- الجمهور العربيّ مقسّم بين الأحزاب العربيّة التي تأتي بناخبيها إلى صناديق الاقتراع من خلال السيطرة أو شراء الأصوات والإغراءات المادّيّة والضغط الاجتماعيّ. العامل السائد في الدعاية الانتخابيّة للأحزاب العربيّة هو الخطر الذي يكمن في تعاظم قوّة اليمين- خطر منع الحزب من خوض الانتخابات ومشاريع هدم البيوت والاحتلال والحرب وما شابه. لا نشهد نقاشًا أو مطالبة من هذه الأحزاب بطرح خطط عمل أو استراتيجيّة للتغيير.

الفرضيّة الأساسيّة التي تضعها الأحزاب العربيّة امام الجمهور هي أنّه لا مجال للتغيير، ولذلك المطلوب منّا هو الإصرار على موقفنا. “لا تنازل”، “أن نكون أقوياء”، وشعارات أخرى تحلّ مكان برنامج سياسيّ فاعل يتضمّن خطط عمل واضحة.

ينعكس الجمود السياسيّ في الشارع العربيّ في حقيقة أنّه في هذه الانتخابات أيضًا، ترشّحت الأحزاب الثلاثة نفسها التي لم يطرأ أيّ تغيير على قيادتها وعلى مواقفها مقارنةً بالانتخابات السابقة. القائمة العربية الموحدة (التي تضمّ الحركة الإسلاميّة وأحمد طيبي وبعض الجهات القوميّة الدينيّة المحافظة) والتجمّع الوطنيّ (الذي جعل من حنين زعبي رمزًا بسبب مشاركتها في المرمرة، وبمثابة تحدٍّ لليمين الإسرائيليّ) والجبهة الديمقراطيّة (التي هي أيضًا لم تُحدِث أيّ تغيير في قائمة مرشّحيها مقارنةً بالانتخابات السابقة). بخلاف التغيّرات الحادّة والدراماتيكيّة التي حدثت في الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة، والتي انعكست في اختفاء كديما وظهور يئير لپيد وتقلّص الليكود وزيادة قوّة حزب العمل وميرتس، وترشّح “إيرتس حداشا” و”دعم”، اللذين حازا على تعاطف واسع واحدثا نقاشا في الشارع السياسي والاعلام، لم يحدث أيّ تغيير فيما يخص الساحة العربيّة.

إجماع على أنّ السياسة العربيّة عديمة التأثير

عانت الانتخابات في الشارع العربيّ من الهدوء السلبيّ حتّى ثلاثة أسابيع قبل موعد الانتخابات. وفي الفترة الأخيرة التي سبقت الانتخابات، شهدنا يقظة أحدثها مقاولو الأصوات وناشطو الأحزاب، الذين فتحوا مكاتب مؤقّتة في مراكز البلدات، وتجوّلوا في سيّارات بوقود مجّانيّ وقطعوا وعودًا بتقديم منح للطلاّب الجامعيّين وغير ذلك.

تميّزت هذه الانتخابات باللافتات الكبيرة في الشوارع والدعايات الانتخابيّة والمقابلات مدفوعة الثمن في وسائل الإعلام التي برزت فيها بصورة مطلقة المواضيع التي تتعلّق بالمواطنين العرب فقط، وتشدّد على تباينهم عن سائر المواطنين في البلاد. مع ذلك، ساد شعور في الشارع العربيّ بأنّ الرسائل التي تحاول الأحزاب العربيّة إبرازها لا تمتّ بصلة للمشاكل اليوميّة التي تعاني منها الجماهير العربيّة. ساد شعور بأنّه لا أحد يمثّل مشاكل الفقراء والعاطلين عن العمل والعمّال وعاملي شركات القوى العاملة والشباب الذين ينهون دراستهم ولا مستقبل لهم والأكاديميّين العاطلين عن العمل الذين لا يجدون عملاً يتلاءم مع مؤهّلاتهم.

ترى الجماهير العربيّة أنّ “السياسة العربيّة” غير ناجعة. منذ أكتوبر 2000 تكوّن صدع عميق بين المجتمع العربيّ والسلطات الإسرائيليّة. حزب العمل الذي شكّل في الماضي وخاصة في سنوات التسعينيات عنوانًا معيّنًا لممارسة الضغوط التي أدّت إلى تحقيق بعض الإنجازات- أدار في عام 2000 ظهره للعرب. الأحزاب العربيّة التي اعتمدت خلال فترة طويلة على وعود العمل ودعت الجماهير للتصويت لمرشحي العمل للرئاسة (بيرس عام 1996 وبراك عام 1999) فقدت نتيجة ذلك طريقها للتاثير على مجرى السياسة. وانتقل مركز الثقل السياسيّ إلى الانتخابات للسلطات المحلّيّة، التي يتنافسون فيها على الوظائف والسيطرة. ليس ثمّة نقاش حول استراتيجيّة تعزيز التأثير على سياسة الحكومة، كما لا نجده أيضًا في أجندة الأحزاب العربيّة.

لإنقاذ الهيبة الضائعة لهذه الأحزاب، بادر عدد من ناشطي التجمّع الوطنيّ والجبهة (من بينهم ناشطون يساريّون يهود) إلى دعوة لتوحيد الحزبين في قائمة انتخابيّة واحدة. اللامبالاة التي لاقتها هذه المبادرة والجمود في قائمة الجبهة (إلى جانب رفض الدعوة لدمج امرأة في مكان مضمون في القائمة) كشفت حقيقة أنّه لا جديد في كلا الحزبين. أثبتت هذه المحاولة الفاشلة للجمهور أنّ قادة جميع الأحزاب بدون استثناء يحرصون بمدًى أكبر للكرسيّ وليس للمصلحة العامّة.

تنبّأت استطلاعات الرأي بأن تكون نسبة الممتنعين عن التصويت عالية في الجمهور العربيّ. استطلاع الرأي الذي أجرته جامعة حيفا في مطلع كانون الأوّل بيّن أنّ %50 لن يصوّتوا. ثلث الممتنعين عن التصويت، كما تنبّأ به الاستطلاع، هم غير فعّالين لا يصوّتون بتاتًا في الانتخابات، وثلث يقاطعون الانتخابات لأسباب أيديولوجيّة (مؤيّدو الجناح الشماليّ للحركة الإسلاميّة وحركة أبناء البلد). لكنّ الاستطلاع بيّن أنّ الثلث المتبقّي، الذي يبلغ مئة ألف ناخب، يرغبون في التصويت، لكنّهم لا يعرفون لمن، لأنّهم فقدو الثقة بالأحزاب القائمة، بما فيها الأحزاب العربيّة.

بالإضافة إلى ذلك، فحص الاستطلاع القضايا التي تهمّ الجمهور العربيّ، وبيّن أنّ القضايا الاجتماعيّة- الاقتصاديّة تتصدّر سلّم أولويّاته. 47% من المشاركين في الاستطلاع قالوا إنّهم قلقون للغاية من وضع البطالة ومن الضائقة السكنيّة ومن وضع الجهاز التعليميّ والجهاز الصحّيّ. 26% من المشاركين قالوا إنّهم قلقون للغاية من عدم المساواة التي تنعكس في الطابع اليهوديّ للدولة وعدم المساواة بين اليهود والعرب. 19% قالوا إنّهم قلقون للغاية من العنف في البلدات العربيّة. 8% فقط قالوا إنّهم قلقون من العلاقات بين إسرائيل والشعب الفلسطينيّ.

على هذه الخلفيّة، وعلى ضوء التأييد الواسع الذي حظي به حزب دعم في الشارع اليهوديّ كحزب يهوديّ- عربيّ يجمع بين الرسالة السياسيّة والاجتماعيّة إلى جانب إثباته ذلك على أرض الواقع، كانت توقّعات القائمين على الحملة الانتخابيّة في دعم بأنّ هناك فرصة هامّة ومثيرة لإقامة تيّار سياسيّ جديد في الشارع العربيّ. الفراغ الهائل الذي تركته الأحزاب العربيّة والضائقة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي لا تجد حلولاً لها، كانا بإمكانهما أن يشكّلا قاعدة متينة لبناء قوّة سياسيّة جديدة.

رغم تجاهل الصحافة العربيّة لحزب “دعم، إلاّ أنّ الحملة الدعائيّة الموجّهة في مواقع الإنترنت والصحافة المحلّيّة نجحت في الوصول إلى عدد كبير من المنضمّين الشباب إلى صفحة الفيسبوك التابعة للحزب. وقد ساهم في ذلك التغطية الإعلاميّة التي حظيت بها أسماء إغباريّة زحالقة في الإعلام الإسرائيليّ العبريّ. وصل عدد “اللايكات” في الفيسبوك في مطلع كانون الثاني إلى 500-1000 “لايك” في اليوم. بدأ الشباب في التوجّه إلى الحزب بعد أن وجدوا فيه عنوانًا جديدًا يصرّح أنّه يمكن إحداث تغيير في الواقع الذي نعيشه.

يوم الانتخابات هو بمثابة تعبير عن الأزمة الاجتماعيّة

رغم هذا التطور بقي حزب دعم وانصاره في يوم الانتخابات على هامش الساحة وظل الواقع مريرًا كما عهدناه. عانى الشارع من عدم الاكتراث واللامبالاة. في ساعات الصباح والظهر تبين ان نسبة التصويت في التجمعات العربية منخفضة جدًّا، حتّى بالمقارنة مع الانتخابات السابقة. في التقرير الذي نُشر في “واي نت” في الساعة 17:00 من يوم الانتخابات تبيّن أنّ نسبة التصويت كانت في الناصرة %30 تقريبًا، وفي سخنين %33، وفي الطيبة %28، وفي الطيرة %25، وفي كفر قاسم %38، وفي جلجولية %20، وفي قلنسوة %27، وفي أمّ الفحم %21. “نشعر أنّ نسبة التصويت منخفضة، المصوّتون لم يأتوا”، قال رئيس صندوق اقتراع في الطيبة.

حينئذ بدأ ناشطو الأحزاب يستخدمون اساليبهم القديمة بما فيها الدعوة للخروج الى صناديق الاقتراع من مكبري الصوت في المساجد وممارسة الضغوط الاجتماعية وحتى التزييف في اكثر من صندوق. في الجوء الذي تمكنت الاحزاب من خلقه في هذه الساعات شهد  ناشطو حزب دعم الذين كانوا متواجدين في الميدان أعمالاً لم يسبق لها مثيل من تلاعب في اوراق التصويت واضافة ظروف رسمية الى الصناديق وغيرها من الحالات المثيرة للاستغراب من قبل احزاب تدعي بانها تريد التغيير والتقدم لشعبها. حسب تقرير نشره “واي نت”، في أحد صناديق الاقتراع في سخنين، الذي فحصته لجنة الانتخابات المركزيّة، كان عدد بطاقات التصويت أعلى بكثير من عدد المصوّتين. في صندوق آخر، الذي ظهرت فيه تجاوزات، تمّ الشروع في تحقيق جنائيّ. التقارير التي نُشرت في وسائل الإعلام أقرّت بأنّ الشرطة أيضًا تلقّت أمرًا بموجبه أهمّ شيء هو الحفاظ على الهدوء والنظام العامّ، وليس منع التزييف والتجاوزات. وبذلك اعتبرت من يحذّر من التزييف محدثا للمشاكل يجب إسكاته بدل معاقبة ووقف المسؤولين عن التزييف.

من المهمّ التشديد على أنّه اغلبية من بين نحو ثلاثمئة ألف شخص الذين صوتوا للأحزاب العربيّة، لم ياتونا للتصويت لهذه الأحزاب بقرار شخصيّ او بسبب قناعة سياسية. بالنسبة للأغلبيّة الحاسمة، لم يكن التصويت سياسيًّا وقيَميًّا، بل كان تصويتًا يتعلّق بالانتماء الاجتماعيّ والجماعيّ التقليديّ.

وصف سلمان مصالحة ذلك على أفضل وجه في مقاله باللغة العبريّة “عشيرة الإخوان” (في جريدة “هآرتس”، 5 شباط): “في أمّ الفحم، المدينة التي فيها “أفيون الشعوب” يوزَّع للجميع، اتّضح فجأةً أنّ السكّان اكتشفوا الماركسيّة- حوالي نصف المصوّتين منحوا صوتهم للجبهة. لو كان هذا التغيير حقيقيًّا، فإنّ الجبهة حتمًا كانت ستفوز برئاسة البلديّة، وليس الحركة الإسلاميّة. تفسير التصويت للجبهة هو “عشائريّ”: لو لم يكن عفو إغباريّة في قائمة الجبهة، فلن يصوّت أحد للماركسيّة الوهميّة في المدينة الإسلاميّة”.

جاكي خوري، مراسل “هآرتس” واذاعة الشمس، عرّف التصويت في الشارع العربيّ بمثابة “بطاقة صفراء” للأحزاب العربيّة. في المقال الذي كتبه في “هآرتس” بعد الانتخابات، شبّه خوري التصويت بالإنذار الذي يمنحه حَكَم كرة القدم للاّعب قبل طرده من الملعب. “صحيح أنّ المصوّتين العرب خرجوا في نهاية المطاف وصوّتوا دون محاسبة الأحزاب، لكنّ تصرّفاتهم يوم الانتخابات دلّت على لامبالاة وعدم اكتراث وانعدام الثقة بالنظم القائمة. كان ذلك بمثابة بطاقة صفراء منحها الناخب العربيّ للأحزاب العربيّة، التي تضمّنت أيضًا رسالة: “لا تهدّدونا كلّ مرّة باليمين، تحدّثوا إلى الناس وليس إلى الناشطين، قوموا بمحاسبة أنفسكم، أدخِلوا روحًا جديدة في الأحزاب، اطرحوا أجندة واضحة وجبهة موحّدة، اطرحوا قضايا اجتماعيّة”.

الربيع العربيّ يبشّر بإمكانيّة للتغيير

رغم عدد الأصوات القليل الذي حاز عليه حزب دعم في هذه الانتخابات في الوسط العربيّ وبشكل عامّ، تقول أسماء إغباريّة زحالقة، المرشّحة الأولى في الحزب، “في عشرات اللقاءات التي كانت مع شباب عرب، لاحظت أنّ هناك بوادر مشجّعة للتمرّد والتعطّش لصوت جديد. الفيسبوك ساهم في ذلك جدًّا، اذ انه يتيح اليوم التواصل بين آلاف الشباب في شبكة التواصل الاجتماعيّ دون رقيب. إذا كانت في الماضي فرصة حزب دعم لإسماع صوته منوطة بموافقة رؤساء تحرير الصحف والقنوات التلفزيونيّة والإذاعيّة، فإنّنا اليوم نصل إلى عشرات الآلاف دون إذن وموافقة من أحد.”

وتابعت اسماء “عشرات الناشطين الذين انضمّوا إلى صفوفنا في أعقاب الانتخابات هم القطرة الأولى التي تبشّر بالغيث- إنّنا ندرك أنّ هناك الآلاف الذين يتطلّعون إلى حزب دعم ويرون فيه عنوانًا يتابعون نشاطه، إلى أن تواتيهم الفرصة للانضمام إلى الحزب. إنّنا على ثقة أنّ الرسالة التي يحملها دعم، التي تقف في مواجهة تقوقع وانعزال الأحزاب العربيّة، تهمّ الجمهور العربيّ وعشرات آلاف العمّال العرب والشباب والنساء اللواتي يتعرّضن للتمييز في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، التغيّرات التي تشهدها المنطقة، وخاصّةً ثورات الشباب في مصر وتونس، يمكنها أن تشكّل حافزًا هائلاً لظهور قوًى سياسيّة جديدة تفتح أبوابها للجماهير العربيّة في إسرائيل أيضًا”.

אודות اساف اديب