حلب تحدد الهوية

التدمير المنهجي لحلب يشهد على طبيعة النظام السوري وحلفائه ويضع في الوقت نفسه كل إنسان في العالم العربي وخارجه أمام امتحان لضميره، موقفه السياسي وهويته. قصف المستشفيات على أطبائها ومرضاها، البراميل المتفجرة التي تسقط في الأسواق، صور الموتى والمصابين أخرجت الناس عن صمتها ولامبالاتها وأثارت موجة كبيرة من ردود الفعل لكل من يتعاطف مع الضحايا ويدين النظام البربري الذي يحرق البلد في سبيل شخص وعائلة تحكم سوريا منذ 45 سنة. في الجهة الأخرى يقف من يتعاطفون مع الضحايا ولكن يتسترون وراء “تعقيد” المشهد السوري لكي يمتنعو عن اتخاذ موقف تجاه المذبحة الرهيبة بادعاء أنه لا يوجد طرف صالح في سوريا وآخر عاطل وكأنه لا يوجد شعب بين الأسد والبغدادي. حسب هؤلاء ما يحدث في سوريا ليست ثورة بل “مؤامرة” لأن الديمقراطية هي قيمة من قيم الغرب ولا تصلح للمجتمع العربي التقليدي لذا فعليه أن يختار بين الطغيان العلماني القومي أو الطغيان الديني الداعشي. حسب هؤلاء فمن اختار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فهو متواطئ مع السعودية، أمريكا والصهيونية.

هذا التفسير التبسيطي لا يتعامل مع “العقدة” الحقيقية وهي أن الأسد لا يتمتع بدعم من إيران وروسية فحسب بل من قبل أمريكا نفسها التي أعلنت الدعم للمعارضة السورية ولكن في الوقت نفسه اتفقت مع روسيا على إبقاء الأسد في الحكم، وتمنع أي دعم لردع القصف الجوي على المدنيين. في الواقع تنسق داعش مع النظام مثلها مثل الPYD الكردي في الوقت الذي يبقى الدعم التركي والسعودي للمعارضة محدوداً للغاية. مأساة الشعب السوري هي أنه يقف وحيداً ضد هذا التحالف الواسع، الأمر الذي كلّفه مئات الآلاف من الضحايا، مئات آلاف الأسرى وملايين اللاجئين. فإذا كانت الحركة الصهيونية، وأمريكا، وأوروبا تدعم الانتفاضة الشعبية وبحزم مثلما يزعم أنصار النظام فما كان الأسد ليصمد في الحكم إلّا أياماً معدودة ولم يتجرأ حلفاءه من إيران إلى حزب الله وروسيا على أن يتدخلو لقتل الشعب دون أن يتصدى لهم أحد. الحقيقة هي أن أمريكا وصلت إلى صفقة مع النظام بخصوص الأسلحة الكيميائية التي هددت إسرائيل ومن ثم وصلت إلى اتفاق مع إيران حول الأسلحة النووية التي تهدد إسرائيل أيضاً وأباحت الدم السوري الذي يسيل منذ ذلك الحين دون توقف.

إن الثورة السورية ليست “مؤامرة” بل حدث تاريخي يتماشى مع الربيع العربي الذي قلب كل المفاهيم. من يحاول أن يحلل هذه الظاهرة التاريخية بأدوات تقليدية شيوعية كانت أو إخوانية يبقى بعيد عن الواقع وعن الشعب. المعايير لتقييم طبيعة نظام ما ليست في انتمائه لمعسكر “الإمبريالية” أو لمعسكر “الممانعة” بل معاملته للشعب. وقد كشف الربيع العربي بأن القاسم المشترك لكل الأنظمة العربية – سورية كانت أم مصرية هو الاستبداد، الفساد، وسلطة العائلة والنخبة على حساب الشعب. لا بل إن ما كشف عنه الربيع العربي هو أن فلسطين أصبحت غطاءً لمشاريع سياسية بعيدة عن الشعب، فقد استعملت إيران فلسطين لبسط نفوذها في المنطقة، وحزب الله من أجل السيطرة على لبنان في الوقت الذي كانت فيه أيديولوجيا البعث السوري والعراقي غطاء لعبادة شخصية الحاكم وقمع الشعب. وأصبحت “المقاومة” أداة في يد حماس لمحاربة فتح والاستيلاء على غزة.

وقد تشكلت الهوية الفلسطينية على أساس بسيط وهو مقاومة إسرائيل كمصدر لكل شر.  وقد تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية العرب المحورية واستغلت من قبل الأنظمة لصرف الأنظار عن معاناة الشعوب العربية من الفقر، البطالة، قمع حرية التعبير وأبسط حقوق الإنسان. وكان الاعتقاد السائد بأن القضية الفلسطينية ممكن أن تُحل بمعزل عمّا يحدث في العالم العربي. ففلسطين يمكن أن تتحرر من الإحتلال حتى والشعوب العربية تعيش تحت أنظمة فاسدة استبدادية لأن المشكلة العربية الأساسية هي إسرائيل التي تهدد كيانها وليس النظام السياسي والاجتماعي العربي. التوسع الصهيوني كان يبدو وكأنه على وشك ابتلاع العالم العربي وفلسطين تقف في الخط الأمامي مما يجعلها تستحق الدعم من قبل العالم العربي برمته. لكن في الواقع فإن الركود العربي قد أثر سلباً على القضية الفلسطينية التي عُزلت واستسلمت في النهاية أمام إسرائيل عندما وافقت منظمة لتحرير الفلسطينية على اتفاق أوسلو الذي لم يضمن الإستقلال وإزالة الإستيطان.

وقد وضع الربيع العربي القضية الفلسطينية في سياقها الصحيح فمصير 300 مليون عربي سيحدد مصير 8 مليون فلسطيني وليس العكس فلا يمكن للشعب الفلسطيني أن يواجه الجبروت الإسرائيلي دون الإستناد إلى الظهر العربي ولا يمكن للعرب أن يحرروا فلسطين قبل أن يتحرروا أنفسهم من التخلف، الفقر والاستبداد. وقد كشفت الشعوب العربية الحقيقة المرّة التي عرفتها منذ زمن وهي أن إسرائيل ليس منفردة بوحشيتها فما يقوم به النظام السوري يتفوق بشراسته ووحشيته على ما قامت بها إسرائيل منذ قيامها. إن الحروب الأهلية في كل من اليمن، العراق، مصر، ليبيا وسورية تدل على الصعوبات الجمّة التي تقف أمام الشعوب للتحرر من النظام القديم وبناء نظام ديمقراطي جديد، ولكن هذا هو الطريق الذي مرّت به كل الشعوب التي انتقلت من حقبة تاريخية قديمة إلى عهد جديد.

ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا سيقرر ما يحدث في حلب مصير فلسطين، والتضامن مع الشعب السوري ليس سوى تضامن مع النفس. إن سقوط حلب سيكون كارثة للشعب السوري ولكل الشعوب العربية وعلى رأسها فلسطين. إن ما يهدد إسرائيل ليس السلاح النووي الإيراني أو سلاح حزب الله أو حماس، بل الديمقراطية، التقدم، المجتمع الحديث والاقتصاد العربي المتطور. الفكر العنصري لا يقاوَم بالعنصرية، التطرف الديني لا يقاوم بالتطرف الديني والاحتلال لا يقاوم بالاستبداد.

لا يمكن أن تحارب الاحتلال وفي نفس الوقت تدعم النظام السوري، ولا يمكن أن تشجب جرائم الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وتسكت أمام الفظائع التي تحدث يوميا في سورية وتحديداً في حلب. لا يمكن الاحتجاج على حصار غزة والقبول بحصار التجويع  في مضايا.  إن من يزعم بأنه يقاوم إسرائيل وفي نفس الوقت يدعم بشار الأسد ليس صديقاً للشعب الفلسطيني بل عدوه. ليست هناك قضية أكثر عدالة من قضية الشعب السوري. الشعب السوري يقف اليوم في الخط الأمامي للنضال من أجل مستقبل العالم العربي كله ومصيره سيحدد مصير المنطقة ككل وتحديداً مصير القضية الفلسطينية. اليوم كلنا سوريون، دون تمييز باللون، الدين أو القومية، يكفي أن تكون إنساناً لترى في نفسك سوريا وجزء من الكفاح من أجل القيم الإنسانية التي من أجلها قامت الثورة السورية.

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.