ربيع المعلمين الفلسطينيين

كثيراً ما تعرض الفلسطينيون للانتقادات بسبب تجاهلهم لمعاناة أشقّائهم السوريين بعد أن عبّر المواطنون العرب في كل أقطار الربيع العربي ولسنوات عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت احتلال إسرائيلي يقمع حريته. إن أحد الأسباب الأساسية التي تفسر موقف الفلسطينيين من الثورات العربية وعدم تعبيرهم عن تعاطفهم مع الشعب السوري وشهدائه، معتقليه ولاجئيه وعدم إدانتهم للنظام الأسدي المجرم هو إرهاقهم وفقدان أملهم في مستقبلهم. إنه الشعب الذي يتعرض إلى كل أنواع التنكيل من الاحتلال الإسرائيلي ومن سلطتين إستبداديتين قسمتا فلسطين بين غزة والضفة الغربية وضحّت بشعبها الذي بقي دون أرض ودون قيادة. إن الشعب الذي لا يتضامن مع نفسه لا يمكن له أن يتضامن مع غيره.

ولكن شيئاً ما يحدث هذه الأيام في فلسطين ويستحق التضامن والدعم، إنه إضراب المعلمين الفلسطينيين الذي تجاوز الطابع النقابي ليصبح سياسياً بامتياز. ومن هذا المنطلق فإن هذا النضال النقابي يشبه نضال أطباء مصر الذين تظاهروا في وسط القاهرة تحت شعار “يوم الكرامة” في الوقت الذي يتظاهر معلمي فلسطين تحت شعار “كرامة المعلم”. إن المصريين مثل الفلسطينيين يطالبون باستعادة كرامتهم المسلوبة. الجنرال السيسي يحكم مصر بالحديد والنار وقد صادر من الشعب حقوقه الأساسية أما محمود عباس فيهين شعبه وسلطته تتعاون أمنياً مع الاحتلال وتراعي مصالح المقربين منها وأجهزتها الأمنية وتترك معلميها فريسة الفقر والتهميش.

في مصر تعتقل شرطة النظام الأطباء الذين يتظاهرون من أجل وقف الإعتداءات الجسدية ضدهم من قبل أفراد الشرطة، أما في فلسطين فيُعتقل أكثر من 20 معلماً من منظمي الإضراب. في رام اللهالإضافات 9 تبعث السلطة بشرطيّها بهدف سد كل الطرق المؤدية إلى المدينة من أجل منع المعلمين من الوصول إليها لأجل التظاهر السلمي مطالبين بحقهم بأجر يسمح لهم بحياة كريمة محترمة. ورغم كل محاولات السلطة الفلسطينية قمع المعلمين إلّا أن إصرارهم هذه المرة على عدم التنازل عن حقهم أفشل كل محاولات الإلتفاف على مطالبهم وإجبارهم بحجج واهية على العودة إلى العمل قبل أن تستجيب الحكومة لهذه المطالب.

وقد يعبر هذا الإضراب وقبل كل شيء عن أزمة ثقة مطلقة بين السلطة والشعب، فالمعلمون لا يطالبون فقط بحقهم بل يريدون أن تتم معاملتهم مثلهم مثل بقية موظفي السلطة وعلى رأسهم المنتسبين إلى قوات الأمن الفلسطيني. المكتوب يُقرأ من عنوانه، فمن المعروف أن السلطة الفلسطينية قائمة على هِبات من الخارج والتحويلات المالية الإسرائيلية من جباية الجمارك، ومن المعروف أيضاً أن الوظيفة الأساسية للسلطة هي الحفاظ على الأمن الداخلي وأمن الاحتلال من خلال التنسيق الأمني، مما يفرض تحويل جل الأموال إلى الجهاز الأمني لإرضاء الأمريكيين والإسرائيليين الممولين الأساسيين إلى جانب الأوربيين. طريقة توزيع الهبات تدل على الأولويات ولا شك في أن المعلم الفلسطيني يبقى في آخر سلم الأولويات وعليه أن يستدين لأن الراتب لا يكفي لتغطية حاجياته الشهرية.

عدم الثقة لا يقتصر على السلطة بحد ذاتها بل يشمل أيضا النقابة الرسمية التي سارعت للتوقيع على اتفاق مع الحكومة الفلسطينية من وراء ظهر المعلمين الذين نظّموا أنفسهم في تنسيقيات هي التي تدير الإضراب. وقد أدى التحرك الجماهيري إلى استقالة رئيس النقابة الذي قدم ورقة الإستقالة إلى مركزية حركة فتح مما يدل على أن الجهاز النقابي يتبع حزب السلطة وليس جمهور المعلمين. إن ما يريده المعلمون هو تنظيم نقابي حر لمراعاة مصالحهم وليس نقابة تابعة على غرار ما يحدث في العالم العربي. إن المطالبة بنقابة مستقلة هي شرط أساسي لاستعادة الكرامة وتمكين الشعب من خوض نضالات مطلبية والتحدي للفساد والمحسوبية التي تحكم سياسة السلطة الفلسطينية.

لا يمكن تجاهل الخلفية السياسية لهذا التحرك الجماهيري الذي يبشر بإنفجار شعبي بعد أن بلغ السيل الزبى عندما انسدت كل الطرق أمام الوصول إلى أي تسوية تضمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وإذا قامت إنتفاضة السكاكين -المستمرة منذ أكثر من ستة أشهر- على أساس الأعمال الفردية فالإضراب هو عمل منظّم له مطالب واضحة وعنواناً واضحاً. من الممكن القول بأن إنتفاضة السكاكين وإضراب المعلمين هما وجهين لنفس العملة حتى وإن كان هناك اختلاف كبير بين ما يقوم به المعلم من عمل حضاري احتجاجي جماهيري سلمي من أجل مستقبل الأجيال القادمة وبين ما يقوم به تلميذه الذي لا يرى مستقبلاً له في ظل سلطة فلسطينية فاسدة من ناحية واحتلال قمعي وعنصري من ناحية أخرى. رغم الفرق الكبير بين المعلم المضرب من أجل كرامته وبين الشاب الذي يفضل الموت على الحياة المهينة إلّا أن الظاهرتين تشكلان إشارة واضحة وهي أن الشعب لا يحتمل الوضع بما هو عليه الآن.

 لقد اكتسب اليمين الحاكم في إسرائيل تفهماً كبيراً مع موقفه القائل بأن لا مجال الأن لحل سياسي وإقامة دولة فلسطينية، العالم اليوم مشغول بما يحدث في سورية وقضية اللاجئين، واوكرانيا والانتخابات الداخلية في أمريكا مما دفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، فالاحتلال يظهر كقضية صغيرة أمام الكوارث في سورية والعراق واليمن، ومن انتظر 50 سنة يمكنه أن ينتظر بضع سنوات إضافية لحل القضايا المستفحلة. حتى المعارضة الإسرائيلية والمتمثلة بحزب العمل قد سلّمت بالأمر الواقع وخرجت ببرنامج الإنفصال عن الفلسطينيين دون مفاوضات ودون دولة بجوار إسرائيل الأمر الذي يعتبر في الواقع قبولا بالافتراض الذي يدعي له نتانياهو بأنه لا مجال اليوم للحديث عن حل وانسحاب ودولة فلسطينية.

الغريب في الأمر هو أن السلطة الفلسطينية إنضمت هي نفسها إلى القافلة ولا تستعجل التحرك من أجل إنهاء هذه الحالة الناشزة من التعايش بينها وبين الاحتلال. فبالنسبة لقيادة السلطة يبدو أن لا شيء مستعجل علماً بأن أفراد القيادة يتمتعون بإمتيازات ومستوى معيشي عال. طالما الهِبات تتدفق من الخارج بانتظام وما دامت الشرطة تقبض رواتبها والشعب مرهق ويلاحق قوته اليومي، يظهر وكأنه من الممكن الإستمرار في هذا الترتيب حتى دون أفق للحل لا مع إسرائيل ولا مع حركة حماس التي أنشأت إمارتها في غزة. ولكن ليست كل الاوراق في يد إسرائيل، أو السلطة ولا حتى حماس. فمثلما علّمنا الربيع العربي إن الرقم الصعب يبقى أولاً وأخيراً هو الشعب الذي عاجلا أم آجلا سيعيد سيادته لنفسه.

وما نراه في فلسطين هذه الأيام من عمليات فردية ضد الاحتلال أو عمليات منظّمة ضد السلطة يدل على أن الشعب الفلسطيني قد تعب، أُرهق بسبب الاحلال والإنقسامات الداخلية، يفتقد لقيادة وبرنامج سياسي بديل عن الفصائل المسماة “وطنية وإسلامية” والتي فقدت كل مصداقيتها. فما نراه اليوم يدل على أن الشعب لم يفقد قدرته على ابتداع طرق نضالية جديدة، فبدل الأحزاب شكّل تنسيقيات من خلالها استطاع أن يتجنب جمود الفصائل التي قفدت كل رؤية للمستقبل وحتى أنها تدعم الطغاة بدل أن تتضامن مع الثوار.

ما يقوم به المعلمون الفلسطينيون يستحق التضامن كونه أول خطوة وإن كانت متواضعة نحو التحاق فلسطين بالربيع العربي. نعم فلسطين بحاجة ماسة للربيع بعد سنوات طويلة من الخريف البارد الذي قتل كل ملامح الحيوية التي ميزت الشعب الفلسطيني. ليس بالمفاوضات العبثية وليس من خلال المقاومة المسلحة المدمرة سيهزم الاحتلال، بل من خلال الإلتحاق بالربيع العربي الذي رفع عالياً شعار الكرامة الإنسانية، العدالة الاجتماعية والديمقراطية كمبادئ لا رجعة عنها. ليعرف نتانياهو والحكّام العرب ومعهم العالم كلّه وعلى رأسهم أوباما وبوتين أن أيام الإستعمار والإستبداد قد ولّت، عجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء، الشعوب قالت كلمتها وستبقى مسجلة في التاريخ إلى أبد الآبدين.

אודות يعقوب بن افرات