سامح شكري في أورشليم

وقعت زيارة سامح شكري إلى إسرائيل كالصاعقة على الرأي العام العربي والمصري كونها ليست متوقعة بل تأتي في الاتجاه المعاكس لمرجى الحدث السياسي في إسرائيل التي خطت خطوة إضافية نحو اليمين والتطرف بعد انضمام أفيغدور ليبرمان إلى الإئتلاف الحكومي بمنصب وزير للدفاع. وكان انضمام ليبرمان إلى الحكومة أول صفعة تلقاها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من صديقه نتانياهو الذي طلب منه  المساعدة لإدخال حزب العمل إلى الحكومة من خلال إطلاق مبادرة مصرية للسلام. وقد صرح السيسي في أيار المنصرم”هناك فرصة حقيقية لتحقيق السلام في ظل وجود عدة مبادرات إقليمية ودولية” لكي يفتح الطريق أمام زعيم المعارضة العمالية في إسرائيل، إسحاق هرتزوغ، للإنضمام إلى الحكومة بحجة وجود “فرصة حقيقية بل ونادرة” للوصول إلى تسوية إقليمية شاملة مع المحور “السني””. لكن العناصر اليمينية في حزب الليكود وعلى رأسهم الوزير زيئب إلكين أفشلت الخطوة في الوقت الذي تخلى نتانياهو عن وزير الدفاع ورئيس الأركان الأسبق موشيه يعلون وحل مكانه ليبرمان المعروف بدعوته لقصف السد العالي في مصر وتصفية إسماعيل هنية القيادي البارز في حركة حماس.

وفي الوقت الذي تم فيه إغلاق البوابة المصرية انفتحت وبشكل تلقائي البوابة التركية التي بقيت مغلقة منذ أحداث سفينة “مرمرة” عام 2010. وقد استغرقت المفاوضات بين تركيا وإسرائيل عدة سنوات وكان الإعتقاد بأن نتانياهو لا يريد التقدم نحو تحسين العلاقات مع أردوغان حفاظاً على مصالح النظام المصري. علماً بأن تركيا عارضت منذ البداية الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وهي تمنح اللجوء لقياديين من الإخوان الذين حُكموا بالإعدام في مصر وهي تسمح لفضائيات إخوانية بالبث من أراضيها. أما وفي نفس الوقت فقد قام النظام المصري بحملة دعائية شرسة ضد حماس وسد كل المنافذ والأنفاق التي تربط بين سيناء وقطاع غزة مما أدى إلى خلق كارثة إنسانية خطيرة الأمر الذي أقلق المؤسسة الأمنية في إسرائيل. من ناحية ثانية وجد الرئيس التركي أردوغان نفسه في عزلة على الساحة العالمية بعد أن أدارت له أمريكا الظهر ودعمت الأكراد في سورية وبينما الروس يهددون الأمن القومي التركي من خلال التدخل العسكري في سوريا. في سعيه لفك عزلته الدولية أبرم أردوغان الاتفاق مع نتانياهو وأقدم على المصالحة مع بوتين.

لا شك بأن الاتفاق الإسرائيلي التركي كان بمثابة صفعة ثانية في وجه السيسي وتعبير صريح بأن إسرائيل لا يمكن أن تراهن على مصالحها الاستراتيجية لصالح النظام المصري الهش الموجود هو أيضا في عزلة دولية بسبب إجراءاته القمعية ليس تجاه الإخوان فحسب بل ضد المعارضة الليبرالية التي دعمت الانقلاب في حينه على حكم مرسي واكتشفت اليوم أن الجيش أسوأ بمئة مرة من الأخوان. السماح لتركيا بإدخال المساعدات إلى غزة كان بمثابة رسالة واضحة إلى النظام المصري بأن حربه ضد حماس من خلال خنق السكان لا يتماشى مع مصالح إسرائيل التي لا تريد لكارثة إنسانية أن تحدث وليست معنية بإسقاط حماس طالما ما من بديل أفضل منها. إن سيطرة حماس على غزة تخدم الهدف الإسرائيلي بالفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية. فكيانان فلسطينيان يقطعا الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال. إن إعادة العلاقات مع تركيا تضعف الموقف المصري دوليا وفي نفس الوقت تفتح ثغرة ولو صغيرة في الحصار المحكم على غزة وتمنح بالتالي لحماس إمكانية التنفس المشروط بإظهار حسن السلوك.

أما الصفعة الثالثة التي تلقاها السيسي فكانت زيارة نتانياهو إلى دول شرق أفريقيا ومن بينها إثيوبيا الموجودة في نزاع خطير مع مصر على خلفية بناء سد النهضة الذي سيقلص المياه الجارية في حوض النيل بشكل خطير جداً. وإذا استغل نتانياهو عزلة أردوغان ليفرض شروطه عليه فهو استغل بلا شك ضعف النظام المصري وفقدان القيادة في منظمة الإتحاد الأفريقي لكي يقفز على الفرصة السانحة أمامه ويقوم بزيارة على رأس وفد مكون من مائة رجل أعمال لغزو القارة الأفريقية اقتصادياً. إن كل الأنظمة التي زارها نتانياهو تخضع لانتقادات شديدة من قبل المجتمع الدولي بسبب خرقها لحقوق الإنسان وقمع المعارضة. إنها دول فاسدة تريد من علاقتها مع إسرائيل تبييض سلوكها الإجرامي من ناحية وأن تقدم لها خبرتها الأمنية من أجل الحفاظ على أمن نظامها من ناحية أخرى. إن التصالح مع  تركيا التي تدعم حماس والإخوان الذين يهددون بشكل مباشر أمن النظام المصري والعلاقة المتجددة مع إثيوبيا التي تهدد الأمن المائي المصري بشكل عام يقلب المعادلة رأساً على عقب. فمن محاصرٍ لغزة يصبح النظام المصري محاصراً على كل الأصعدة.

وكانت كل هذه التطورات المتلاحقة هي ما أجبر سامح شكري على “الذهاب إلى كانوسا” أو بمعنى أدق الذهاب إلى أورشليم ليذكر نتانياهو بأن لمصر مصالح مشتركة مع إسرائيل وعليها أن تأخذ بالحسبان أن البديل للنظام العسكري هو النظام الإخواني وفي حال سقوط النظام المصري ستنقلب المعادلة في غزة من جديد. فقد أصبح نتانياهو بمثابة الساحر الذي يملك كل الأوراق في يده وعليه أن يوازن بشكل دقيق خطواته بين المصالح التركية، والإثيوبية والمصرية وأن يحافظ على التوازن بين فتح وبين حماس لكي تبقى كل هذه الإنقسامات تلعب لصالح إسرائيل. ومن الجدير ذكره بأن نتانياهو نفسه يعيش في عزلة سياسية كبيرة وفي نزاع دائم مع الإتحاد الاوروبي ومع الإدارة الأمريكية التي تتبنى مواقف متحفظة جداً من النظام المصري، التركي والإثيوبي وربما عدائية تجاه روسيا التي أصبحت شريكاً استراتيجياً لإسرائيل. ففي الوقت الذي يحاسب المجتمع الدولي كل هذه الأنظمة على أساس موقفها من الحريات الدمقراطية وحقوق الإنسان فهو يحاسب إسرائيل على انتهاك حقوق الفلسطينيين ورفضها لكل الحلول السلمية الرامية إلى إنهاء الاحتلال.

إن ما يطلبه نتانياهو اليوم من عبد الفتاح السيسي مقابل مساندة نظامه في النزاع مع الإخوان وفي مواجهة إثيوبيا وحتى في سيناء هو أن يسانده في تجنب كل الضغوط الدولية لإجبار إسرائيل على حل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين. وقد عمل نتانياهو على إحباط مؤتمر باريس من خلال لقائه مع جون كيري واليوم يريد أن يقطع الطريق على الفرنسيين من خلال لقاء ثلاثي مع أبو مازن في القاهرة. إن الطريق لإحباط كل مجهود دولي هو فرض مبدأ “المفاوضات المباشرة” على رئيس السلطة الفلسطيية دون أي التزام إسرائيلي بوقف الإستيطان أو الإنسحاب إلى حدود خريران 1967. إن التشكيلة الحكومية الإسرائيلية الراهنة التي جمعت كل من يرفض أي تسوية مع الفلسطينيين تدل على أنه لا مناخ سياسي للوصول إلى أي نوع من التسوية مع الفلسطينيين. إن زيارة سامح شكري جاءت من أجل تخفيف الضغط على إسرائيل وبهدف ممارسة الضغط على أبو مازن لكي يضحي بما تبقى من رصيده السياسي من أجل إنقاذ النظام المصري. وأنْ تدل زيارة سامح شكري إلى إسرائيل على شيء فهي تدل على هشاشة النظام المصري الذي وصل إلى  الحكم من خلال انقلاب عسكري وجلب مصر كلها إلى كارثة اقتصادية لم يسبق لها مثيل. أما اليمين الإسرائيلي فإنه يناور من أجل بقائه في السلطة ويستغل ضعف الشعوب العربية ولكن هذه الحالة لن تستمر إلى الأبد فالأجيال الصاعدة تطمح للتطور، التحديث والديمقراطية وهي لن توقف نضالها حتى تحقق أهدافها مهما طال الوقت ومهما كلف من التضحيات.

אודות يعقوب بن افرات