سوريا – الثورة التي يرفض العالم الاعتراف بها

مراجعة كتاب بقلم روبين ياسين قصاب وليلى الشامي

Burning Country – Syrians in Revolution and War Pluto Press 2015

بقراءة هذا الكتاب عن سوريا، والذي كتبه مؤلفان من أصل سوري، تشعر بأنك تعيش القليل من المأساة التي يعيشها يومياً شعب سوريا. من الناحية الأخرى يسمك لك الكتاب بالتعرف القريب من الثورة المدهشة التي انطلقت في هذا البلد قبل أكثر من 5 سنوات، إذ يعتبر هذا الكتاب بمثابة الصرخة المدوية التي يطلقها الثوار الشباب السوريون إلى العالم الذي يرفض أن يسمع. التفاصيل الدقيقة للثورة الشعبية التي بدأت في آذار 2011 والتي نقرأها في هذا الكتاب، تجعل منه وثيقة مثيرة وحماسية من ناحية لكنها أيضا في الكثير من الأحيان محزنة ومحبطة من الطرف الآخر.

روبين ياسين قصاب وليلى الشامي – مؤلفا الكتاب – هما سوريّا الأصل ويقيمان في بريطانيا. يبدو من كتابتهما بأنهما على علاقة وثيقة مع الناشطين في الميدان في المدن والقرى في الداخل السوري الثائر وكذلك مع شبكة الناشطين في تركيا واوروبا والتي تقف مع الثورة في كافة انحاء العالم. هناك شعور من التجند الإيجابي في كتابتهما – الشعور بأنهما قد انخرطا في الثورة وأصبحا منذ اندلاعها جنوداً في المعركة من أجل الحرية تاركين خلفهما وظائف مريحة في الجامعات البريطانية.

في الفصلين الأول والثاني من الكتاب يروي المؤلفان باقتضاب تاريخ سوريا المعاصر تحت نظام حافظ الأسد الدكتاتور الأب وكذلك العقد الذي يفصل بين تولي بشار الأسد للحكم (عام 2000) وبين اندلاع الثورة. وإذ كانت دائما هناك معارضة للنظام إن كانت علمانية أو يسارية أم من طرف الإخوان المسلمين ويتبين من التاريخ أنها كانت مختصرة في عدد قليل نسبياً من الناشطين وأن الشعب السوري عامة كان يعيش حياة الخوف إزاء القمع والإرهاب الفكري الذي فرضه النظام الاستبدادي.

على هذه الخلفية يظهر جلياً الحدث الكبير – الثورة الشعبية التي فجرها الشباب السوري ابتداء من آذار 2011 في درعا إلى حمص وحماة وبانياس والعاصمة دمشق وضواحيها ومناطق الأكراد. الثورة التي شملت الملايين في كل حارة وكل قرية حيث أصبح المواطن السوري يعرف من جديد بلده بموجب خارطة المظاهرات الثورية ولاحقاً المجازر التي اقترفها النظام.

بخلاف ادعاءات النظام حول “المندسين” الذين فجروا المظاهرات ضد الأسد والعصابة المسيطرة على نظام الحكم يكشف الكتاب بشكل واضح الارتباط العضوي بين ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن البحرين وبين اندلاع المظاهرات الشعبية في سوريا. أحد الناشطين الذي يقتبسه الكتاب يروي كيف أصبح الشباب السوري يجتمع في اعتصامات تضامنية أمام السفارات المصرية والتونسية والليبية في الأشهر الأولى من عام 2011 وكيف التقى هناك بشباب من حمص وحماة وبدأ النقاش في ذلك الوقت هناك حول سوريا وضرورة تفجير الثورة فيها. (ص ن36).

في وجه القمع الوحشي وقتل المتظاهرين أصبح الميل نحو التسلح وتنظيم المعركة العسكرية ضد النظام يكسب دعم الشارع السوري. حسب مؤلفا الكتاب كانت هناك معارضة شديدة لمبدأ التسلح من قبل الناشطين في لجان التنسيق المحلية التي قادت الثورة في الميدان منذ البداية ولا تزال فعالة في مئات المواقع في سوريا حتى اليوم. الناشطون المركزيون في اللجان الشعبية التي قامت بدور تنظيمي ليس فقط للمظاهرات ولكن أيضا لموضوع التعليم وتوزيع الأكل ونقل المرضى إلى المستشفيات الميدانية وتوزيع المعونات والمساعدات، أدركوا الخطر من تسليح المعارضة. خوفهم كان بأنه سيجر الاحتجاج السلمي الشعبي إلى معركة بين طرفين مسلحين وسيدفع المعارضة إلى النقطة التي يريدها النظام.

إلّا أنه ومع الوقت أصبح الموقف المعارض للتسلح عديم المصداقية. القتل المتعمد للمتظاهرين السلميين دفع الشباب الثوري بما في ذلك من عارض التسليح في البداية إلى أحضان الوحدات المسلحة. عدد من الجنود والضباط الذين انشقوا عام 2012 عن الجيش ونظّموا الجيش السوري الحر كذراع للثورة المدنية الدمقراطية عززوا بطبيعة الحال التوجه العسكري الذي أصبح ابتداء من ربيع عام 2012 يسيطر على الغالبية العظمى من القوى الثورية.

الفصل السادس من الكتاب يناقش ظاهرة القوى الجهادية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة القوة الرئيسية في الجبهة العسكرية المناهضة لنظام بشار. هنا يكشف الكتاب المفارقة الغريبة في تعامل الغرب وخاصة نظام أوباما مع المعارضة السورية للنظام ويبين بوضوح لماذا انتقل مركز الثقل إلى الجهاديين.

تحرير مدينة حلب، كبرى مدن سوريا من سيطرة النظام في تموز 2012 يشكل نموذجاً هاماً إذ وحسب الناشطين باسل الجنيدي وسردار أحمد كان هناك في الأحياء المحررة من حلب، أجواء أخوية ثورية لا تمت بصلة إلى النظام الديني المتطرف الذي أصبحت تعاني منه فيما بعد المناطق المحررة وخاصة تلك التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش.

حسب تقدير سردار أحمد (ص 95) فإن نسبة 75% من الناشطين الذين شاركوا في تحرير حلب كانوا علمانيين والربع المتبقي كانوا منتمين للتيار الإسلامي المعتدل وكان هناك إجماع حول دعم الجيش السوري الحر. باسل الجنيدي يتطرق لنفس الفترة الهامة ويتحدث عن الموقف من ناشطي جبهة النصرة في عملية تحرير حلب (ص 127). كان هناك عشرات آلاف المناضلين في حلب آنذاك بينما كانوا المنخرطين في جبهة النصرة مجرد 200 أو 300. الجميع نظر إليهم كمتطرفين لكن كان هناك نوع من التقدير لنظامهم الداخلي ولباسهم الموحد وقدراتهم العسكرية. حسب الجنيدي في هذه الإفادة الهامة، كان هناك تقدير بأن التعامل معهم يجب أن يكون إيجابيا وأنه لا ضرر في التعاون معهم إذ أنه مع تحرير البلاد سيحسم الشعب السوري خياره الديمقراطي ويرفض التطرف الديني. ويقول الجنيدي في مقابلة مع المؤلفين كانت قد جرت بعد عدة سنوات أن هذا الموقف من مقاتلي النصرة كان موقفاً خاطئاً.

كيف تحولت مجموعات جهادية صغيرة نسبياً إلى قوى ذات وزن وتأثير كبير على مجرى الثورة؟ كيف خضعت القوى الثورية الشعبية التي تميل إلى الديمقراطية وتعادي التقسيم الطائفي والكراهية الدينية لسيطرة أمراء الحرب؟ في الجواب على هذا السؤال الصعب يحاول ياسين قصاب والشامي تقديم بعض النقاط الهامة (ص 122):

أولاً – الدعم المادي – بينما كان الجيش السوري الحر يعاني من نقص شديد في الإمدادات العسكرية واللوجستية كانت الكتائب الجهادية والسلفية تحظى بدعم سخي من أصحاب مال وأغنياء في الخليج. إحدى الوحدات المسلحة التي سمّت نفسها على إسم الزعيم الكردي اليساري “مشعل تمو” غيرت اسمها بين ليلة وضحاها إلى “كتيبة أسامة بن لادن” وحصلت بموجب ذلك على دعم كبير من الخليج.

ثانيا – الشعور الشعبي بأن القوى المعارضة وقياداتها تصرف الدعم الخارجي على امتيازات لقيادات الخارج وليس للميدان السوري وأنه يوجد فيها فساد إداري والوهم بأن الكتائب الإسلامية قد تكون أكثر إخلاصاً للناس.

ثالثا – رفض العالم وتحديداً الولايات المتحدة تقديم الدعم للثورة خاصة بعد الهجوم الكيماوي. الجدير ذكره أنه في صيف عام 2013 أصحبت القوى الثورية والجيش السوري الحر على مسافة 5 كم من قصر الرئاسة في دمشق. على هذه الخلفية أقدم النظام في 21 آب 2013 على قصف دوما بالسلاح الكيماوي مما أدى إلى سقوط 1500 ضحية من المدنيين. إذا كانت تلك خطوة يائسة من النظام الذي كان يشعر بأنه يقف على وشك السقوط وقد جاء تراجع الرئيس الاميركي عن تعهده بإنزال العقوبة القصوى على النظام الذي اجتاز الخطوط الحمراء ليؤكد للثوار السوريين (ص 105) إنه من اليوم وصاعداً لا تعتمدوا على أحد لأنه ما من أحد سيدعمكم.

الجانب المثير والمتفائل في هذا الكتاب مع كشفه عن نقاط الضعف للثورة وسلبياتها، يكمن في قدرته على إظهار القوة الإبداعية والروح الحرة التي لا تزال قائمة في صفوف الثوار السوريين في الداخل وفي الخارج. في الفصل الثامن (ص 163) الذي خصصه المؤلفان لموضوع الثقافة الثورية تكشف للقارئ عدد كبير من الكتاب والمبدعين السوريين الشباب الذين أنتجوا أغنيات ثورية وشعارات إبداعية إضافة إلى عشرات المجلات والصحف التي يتم نشرها في المناطق المحررة ومئات الصحافيين الميدانيين الذين يستمرون تحت القصف ورغم الظروف الصعبة بمتابعة الأحداث في الميدان. إلى جانب ذلك يذكر الكتاب أن الثورة أنتجت انفجاراً ثقافياً مع إنتاج أفلام وكتابة أشعار وروايات ومبادرات لمشاريع تربوية وتعليمية للأطفال في مناطق محررة.

جانب آخر من مظاهر الثورة في سوريا والذي يشير إليه الكتاب هو الدور البارز للنساء في الثورة. إحدى الشخصيات التي تظهر في الكتاب مرة تلو المرة والتي أهدى المؤلفان الكتاب لها هي الناشطة الثورية رزان زيتونة. في المقدمة يقتبس الكتاب من كلمات الصحافي اليساري ياسين الحاج صالح الذي خطفت زوجته سميرة الخليل سوية مع رزان زيتونة ووائل حمادي وناظم حمادة (كلهم كانوا في حينه ناشطين في الميدان الثوري في منطقة الغوطة الشرقية) في كانون أول 2013 من قبل ميليشيا جيش الإسلام – مع العلم أن جيش الإسلام ينكر حتى اليوم مسؤوليته عن عملية الخطف. ويقول الحاج صالح “رزان هي ناشطة من الجيل الصغير والتي كان لها دور مركزي في تحويل المعركة من أجل حقوق الانسان إلى معركة سياسية. خطف سميرة ورزان هو بمثابة رمز للمعركة التي يواجهها الثوار في سوريا – من ناحية المعركة ضد النظام الفاشي الأسدي ومن الناحية الأخرى المعركة ضد الجهاديين الإسلاميين الفاشيين. هاتان الإمرأتان هما بطلات النضال السوري من أجل الحرية وفي سبيل الحرية الاجتماعية والثقافية”.

خلاصة الكتاب تشير أيضا إلى هدف المؤلفان المتمثل بكتابة بيان يدعو للعمل الثوري وليس قراءة الفاتحة على الثورة. الشعور بأن الرأي العام اليساري والليبرالي في بلدان الغرب يعجز عن فهم الثورة في سوريا يبدو أنه كان من الدوافع الأساسية للمجهود الكبير الذي بذله روبين ياسين قصاب وليلى الشامي في إصدار هذا الكتاب. في الفصل الأخير (بداية التضامن ص 210) يطلب المؤلفان من القارئ بأن يترك الكليشيهات وأن يصغي للناشطين السوريين في الداخل والخارج الذين يستحقون الدعم والتضامن. الوعد للقراء الغربيين هنا واضح: اذا كان لديكم استعداد للاستماع والتعامل الإنساني مع الثوار السوريين ستكتشفون أهمية الفرص المتاحة أمامكم.

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.