شمعون بيريز ابن الأم العربية

أثارت جنازة شمعون بيريز الدولية جدلاً كبيراً في وسائل الإعلام وشبكات التوصل الاجتماعي بين مؤيّد لحضور القيادات العربية فيها وبين معارض بشدة. وقد أطلق النائب في الكنيست عن حزب التجمع باسل غطاس أول طلقة في الوقت الذي هرع بيريز إلى المستشفى بعد أن أصيب بجلطة دماغية خطيرة والتي توقع البعض بأنها قد تؤدي إلى وفاته. وقد كتب غطاس على صفحته الشخصية في الفيس بوك عن بيريز بانه: “أحد أعتى أركان المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني وأكثرهم لؤماً وقسوةً وتطرفا وأطولهم عمرا” وهذا في الوقت الذي يحتضر الرجل على سرير المشفى مما جلب استنكارا من قبل الأوساط الإسرائيلية ونقداً من قبل كثيرين في الوسط العربي الذي اعتبر سلوك غطاس غير ملائم من الناحية الإنسانية وحتى السياسية.

وبعد أن توفى بيريز استغلت حكومة نتانياهو الفرصة لتنظيم أكبر تظاهرة دولية تضامنا مع حداد إسرائيل وتكريماً لمن كان آخر الرموز لجيل مؤسسي الدولة ومن أبرز قادتها منذ عام 1948 وحتى اليوم. وفي الوقت الذي استبق باسل غطاس كل رفاقه في القائمة المشتركة بتحديد المعيار حول المسموح والممنوع، بين الموقف “الوطني” وبين الخنوع أمام الصهيونية، كانت الإستجابة الدولية للمشاركة في الجنازة وحضور الرئيس أوباما شخصياً قد وضعت الرئيس أبو مازن وشركاء إسرائيل في اتفاقيات السلام مثل الأردن ومصر أمام معادلة صعبة. أما موقف رئيس القائمة المشتركة عن الجبهة، النائب أيمن عودة الداعي لمقاطعة مراسم الجنازة فقد كان بحد ذاته تحدياً ليس لدولة إسرائيل وحدها بل للرئيس الفلسطيني الذي قرر الحضور على رأس وفد رفيع المستوى. وهنالك من اعتبر موقف أيمن عودة بدايةً لفك الارتباط بين فلسطينيي 48 وبين السلطة الفلسطينية وخطوة تعبر عن تحريرهم من التبعية التلقائية للسلطة الفلسطينية والركوع لأوامرها.

كثيرون هم الذين مدحوا الموقف الشجاع الذي فضح خنوع وحذلان السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية وقد ذكروا لكل من صور بيريز على أنه رجل سلام لائحة طويلة من الخطايا التي ارتكبها من بناء المفاعل النووي في ديمونة إلى إنشاء الصناعات العسكرية الإسرائيلية، إلى قتل شهداء يوم الارض، وصولاً إلى مجزرة قانا اللبنانية عام 1996 وأخيراً وليس آخراً كونه مهندس اتفاق أوسلو المشؤوم. كثيرون من هؤلاء الذي يتهجمون بقوة على بيريز ويؤيدون من قاطع مراسم جنازته حدّدوا موقفهم بعنوان يقول كان الرجل “جيداً للإسرائيليين وسيئاً للفلسطينيين”. هذه المقولة ليست صحيحة بالضرورة لأنه من يسيء للفلسطيني يسيء في المحصّلة إلى الإسرائيلي. ومع ذلك كثيرون في إسرائيل لا يوافقون على أن الرجل كان “جيداً” لهم بل بالعكس تماما.

حين سأل بيريز أعضاء حزبه وهو يخطب في مؤتمر انعقد عام 1997 بعد أن خسر الانتخابات لصالح نتانياهو “هل أنا خسران؟” أو بكلمات أخرى هل أنا فاشل؟ فقد أجاب الحضور بصوت واحد “نعم!” وذلك بعد أن ترشح بيريز على رأس قائمة حزب العمل منذ انتخابات عام 1977 وفي كل الجولات التالية 1981 و1984 وفي 1988 ولم يستطيع أن يشكل حكومة إلّا مرة واحدة بالتناوب مع رئيس الليكود آنذاك إسحاق شامير. أما وبعد مقتل رابين فقد كانت الفرصة سانحة للفوز على نتانياهو الذي اتُّهِم بالتحريض على قتل رابين ولكن لم ينجح للمرة الخامسة والأخيرة وبقى فاشلاً وغير محبوب داخل حزبه ومنبوذاً عند جزء كبير من الشعب الإسرائيلي.

في انتخابات 1977 التي أدت إلى “الانقلاب” الشهير وأصبح الليكود الحزب الحاكم لأول مرة فقد تبيّن بشكل واضح الإنقسام الداخلي بين اليهود المغاربة وغيرهم من المهاجرين من البلدان العربية من ناحية والأشكناز – أو من قدِموا من أوروبا- من ناحية أخرى. وقد مثل بيريز تاريخاً طويلاً من الإذلال والتفرقة العنصرية تجاه اليهود المغاربة، والاستعلاء عليهم والاستهتار بثقافتهم الشرقية حتى وصلت الكراهية تجاهه إلى ذروتها في انتخابات 1981 عندما حضر ليشاركهم في حفل “الميمونة” في آخر يوم من عيد الفصح ورجموه بالبندورة العفنة. وقد تبنى اليهود المغاربة مبادئ الليكود وموقفه العنصري تجاه العرب بسبب تمييزهم عن الأشكناز وثقافتهم الغربية وميولهم الليبرالية تجاه العرب وكانت أكبر لعنة على بيريز قولهم بأن أم بيريز عربية بالرغم من أنه ولد في بولندا مثله مثل مناحيم بغين الذي في المقابل عبدوه واعتبروه مغربيا مثلهم.

إن كراهية جزء كبير من المجتمع اليهودي لبيريز جلبت تلقائياً حبّ العرب له حتى وهم يعرفون أن أمه يهودية، فكان عليهم أن يختاروا ما وصفوه “أهون الشرّين” وكان شرّ بيريز أهون من شرّ شامير ومن بعده شارون ونتانياهو. ورغم مقاطعة فلسطينيو 48 لمراسم جنازته، ففي غمار حياته كانوا كلهم من أصدقائه دون استثناء. حتى الشيخ رائد الصلاح الذي يقبع اليوم في السجن كان من مؤيدي حزب العمل عندما كان رئيساً لبلدية أم الفحم منذ عام 1989 وحتى عام 2001 وكان يستقبل في بيته ومكتبه وزراء مثل أريه درعي من الداخلية وبنيامين بن اليعازر من وزارة الإسكان. أما الحزب الشيوعي فقد تميز بالغزل تجاه حزب العمل، ودعى رئيس الدولة هرتسوغ لحضور المؤتمر العام للحزب عام 1985 ومن بعده منح لإسحاق رابين فرصة تشكيل حكومته سنة 1992 من خلال ما سمي “الكتلة المانعة”. وقد برر اليمين اغتيال رابين بحجة استناده على إصوات العرب لتمرير اتفاق أوسلو.

ولم تكن مجزرة قانا، التي تذكَر اليوم مراراً وتكرراً كمبرر لمقاطعة مراسم الجنازة، عقبة أمام الحزب الشيوعي والجبهة الذان تجندا لصالح بيريز وضد نتانياهو في انتخابات عام 1996 من منطلق الدعم الكلي لاتفاق أوسلو الذي أصبح ركناً من أركان برنامج الحزب الشيوعي حتى هذا اليوم. ولم يقتصر الخيار بين “أهون الشريّن” على الحزب الشيوعي فقط بل شمل حزب التجمع أيضا وزعيمه عزمي بشارة الذي تحدى المجتمع الإسرائيلي عندما أعلن عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة في انتخابات 1999، والتي جرى التصويت خلالها بورقتين الأولى لرئاسة الحكومة والثانية للعضوية في البرلمان، ولكن وفي اللحظة الأخيرة تراجع عزمي بشارة عن موقفه “الوطني” وسحب ترشّحه مقابل ورقة تفاهمات مع براك ودعا مؤيديه إلى التصويت لبراك كي لا يقلل من فرصة زعيم حزب العمل بالفوز على نتانياهو، وهو ما حصل فعلاً.

وقد عكست جنازة شمعون بيريز الوضع التعيس الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، ففي حين شارك أبو مازن ممثلاً لسلطة الضفة الغربية في مراسم الجنازة فقد قاطعها أيمن عودة باسم عرب 48 وشجبتها حركة حماس من غزة وكان العالم حاضراً وبقوة لإبراز دعمه لموقف بيريز في مواجهة الموقف الرافض بشكل مطلق لكل تسوية والذي يمثله نتانياهو. إن الشعب الفلسطيني منقسم على نفسه وفاقد لعاموده الفقري والمشاركة أو عدمها لا تعبران عن مواقف راسخة وبرنامج واضح لمواجهة الاحتلال. إن أبو مازن وأيمن عودة يتمسكان باتفاق أوسلو من ناحية ويدعمان بشار الاسد وينظرون للربيع العربي نظرة ريبة. في نهاية المطاف لم يكن بيريز رجل سلام وحائزاً على جائزة نوبل دون شريكه عرفات، إن يداً واحدة لا تصفق واليد الفلسطينية هي التي ألبست بيريز عباءة السلام رغم تاريخه السيئ.

كاتب المقال رفض اتفاق أوسلو عام 1993 عند التوقيع عليه ولا يزال يعارضه ورفض أيضا خيار “أهون الشرين” وامتنع عن لعن بيريز أو مدحه بل ناقش سياساته من ناحية وعارض ما قامت به فتح وحماس من ناحية أخرى. لذلك نقول أن المشاركة أو عدمها خطوة تكتيكية لا غير، أمّا الأمر المهم فهو الموقف المبدئي من اتفاق أوسلو ومن الثورات العربية. إن المقاطعة تعبّر عن ضعف، فمن يملك برنامجاً وطريقاً للنضال لا يقاطع بل يدعو كل من يوافق على برنامجه إسرائيلياً كان أم فلسطينياً عربياً أو يهودياً أن ينضم إلى صفوفه من أجل إنهاء الاحتلال الذي إذ يقمع الفلسطيني فهو يقذف المجتمع الإسرائيلي إلى أحضان الفاشيين المتطرفين الذين أصبحوا أعداء لكل القيم الديمقراطية التي يتمسك الكثير من الإسرائيليين بها.

 

אודות يعقوب بن افرات