غزة بين التمكين والتجويع

كان خطاب ابو مازن أمام القيادة الفلسطينية، إثر محاولة إغتيال رئيس الحكومة رامي الحمد الله، ورئيس المخابرات ماجد فرج،  يعكس خطورة الوضع المتأزم، الذي تشهده القضية الفلسطينية. وإن كانت الشتيمة التي أطلقها الرئيس الفلسطيني، ضد السفير الامريكي لدى اسرائيل، ديفيد فريدمان، ووصفه “بكلب ابن الكلب” قد أثارت ضجة اعلامية ضخمة، فمضمون الخطاب كان توجية لائحة اتهام دامغة، ضد حركة حماس وتحميلها المسؤولية عن محاولة الاغتيال.

لقد عكس خطاب الرئيس ابو مازن، ضمنياً قناعته الشخصية، بان القضية الفلسطسنة، قد وصلت الى طريق مسدود، بعد تخلي الزعماء العرب والادارة الامريكية عن دورهما، والتزامها تجاه القضية الفلسطينة، كشركاء ووسطاء، الامر الذي شكل صدمة جعلته يهدد، بخلق فوضى القرن، في محاولة لتحريك الجمود السياسي، وحث كافة الاطراف الى التحرك.

ان التهديد الذي اطلقه الرئيس الفلسطيني، ضد حركة حماس تحت شعار ” كل شئ او لاشئ”  بمعنى تمكين سلطة رام من العودة الى قطاع غزة، او الجوع ، في ظل الحصار الاسرائيلي والذي يدخل عامه الثاني عشر، يشكل مصدر قلق ورعب بالنسبة الى اسرائيل. وقد دخلت غزة أوضاع غاية في الصعوبة في ظل إجراءات مستمرة، تتخذها كل الأطراف المؤثرة تهدد في انفجار الاوضاع الاقتصادية والمعيشية والصحية، حيث تنتشر البطالة، وتزاد حالات الفقر والعوز إنتشار الأمراض، وتردّي الوضع الصحي بسبب تلوّث المياه، وتدهّور اوضاع  المستشفيات، واستمرار اغلاق معبر رفح البري،  مع نقص السيولة، وتزيد من حدة الاوضاع المأساوية الانسانية، الاجراءات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية ضد حركة حماس.

ان تهديد ابو مازن بقطع التمويل، الذي تدفعه السلطة الفلسطينية إلى القطاع، يشكل بحد ذاته اسهاما كبيرا في تسريع انهيار الوضع الانساني مع استمرار الكارثة الانسانية والاوضاع المأساوية التي يسببها الحصار الاسرائيلي على غزة منذ سنوات. وقد اصبحت غزة  تشكل المدخل الرئيسي القادر على قلب الطاولة على رأس الإدارة الأمريكية وإسرائيل في آن واحد.

فما يحدث في غزة من كارثة إنسانية بسبب الحصار الإسرائيلي، قد أصبح ورقة في يد ابي مازن لممارسة الضغط على إسرائيل وعلى أمريكا. وما يسعى إليه ابو مازن من خلال وقفه لكافة التزاماته المالية تجاه غزة، هو الإسهام بتسريع إنهيار الوضع الانساني. الذي يُقلق الحكومة الاسرائيلية، وتحديدًا المؤسسة الأمنية التي تتخوف من إنفجار أمني جديد، أو سقوط سلطة حماس، بسبب عدم قدرتها على السيطرة على الوضع، وما تصريحات ابو مازن الا نزع صمام الامان عن القنبلة الموقوتة التي يشكلها قطاع غزة بالنسبة الى كافة الاطراف .

كان على الرئيس الفلسطيني، كقائد يريد السلام لشعبه، ان يختار بين الاستقالة لعجزه عن  تقديم الحلول، او توجيه خطاب صريح امام شعبه، يتضمن محاسبة الذات والاخطاء، وشرح الحقيقة امام شعبه ، اما ما قام به من اطلاق التهديدات  تذكرنا بقادة عرب اخرون الذين من اجل التمسك بموقعهم على سدة الحكم تحمل الامبريالية الاميركية، والصهيونية العالمية اصابع الاتهام لتبرير عجزهم وفشلهم، وعدم قدرتهم على قيادة شعبهم، واستمرارهم في ارتكاب جرائم بحق مواطنيهم .ففي طهران يسمون العدو”الشيطان الاكبر” وفي سوريا الأسد يسمونها “المؤامرة الكونية”،  وفي مصر” السيسي” يعرف الجنرال كيف يبرر سياسته الاستبدادية ضد الشعب المصري، بتوجيه الاتهام  لامريكا.

ويطل علينا ابو مازن من جديد بنفس الديباجة، بتوجيه الاتهام الى امريكا، التي وقفت وراء انقلاب حماس على سلطته في غزة ، معتبرا ان هذا الانقلاب هو بداية الربيع العربي، وليس شرارة محمد البوعزيزي في تونس، وشباب ميدان التحرير في القاهرة، الذين فجروا الهبّة الثورية ضد الأنظمة الفاسدة في يناير 2011، بل حماس ضد سلطة ابو مازن سنة 2007.

ومن هذا المنطق وباستعادة التاريخ القريب، يمكننا اعتبار ان بداية الربيع العربي بحسب ابو مازن، هو “انقلابه” ذاته  على الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتعيينه رئيسا  للحكومة  الفلسطينية في آذارمارس 2003 بضغط مباشر من الإدارة الأمريكية، اثناء رئاسة الرئيس بوش، لمعارضته الحازمة لنهج عرفات التصادمي مع اسرائيل، إبان الإنتفاضة الثانية. وكان هذا “الأنقلاب” على عرفات وإنتخابه، فيما بعد رئيس السلطة الفلسطينية، بعد وفاة عرفات، قد مهّد الطريق امام حركة حماس للفوز في الإنتخابات التشريعية عام 2006 بعد أن سئم الشعب من فساد السلطة، ومن فشلها بإنجاز أي تقدم في العملية السلمية، اضافة الى الإنقسامات داخل حركة فتح. إن ابو مازن هو “مخلوق أمريكي”،  فهو من وافق على تدريب الشرطة الفلسطينية، من قبل الجنرال “دايتون” ومن ثمة أعاد التنسيق الامني مع إسرائيل وملاحقة كل معارضي السلطة واعتقالهم او تسليمهم الى اسرائيل.

لقد وضع ابو مازن كل ثقته، وعلق كل اماله  في الراعي الامريكي، وراهن على حدوث ضغط امريكي على اسرائيل، كاستراتيجية وحيدة من  اجل وقف الاستيطان، والعودة الى المفاوضات، الا ان  اعتراف  ترامب بالقدس عاصمة  لاسرائيل،  كشف مدى الوهم  الكبير الذي يعيش داخله ابو مازن ، وكشف عن عورته امام شعبه، وامام العالم في رهانه واستراتيجيته السياسية  الفاشلة  داخليا وخارجيا ليحمل في النهاية حركة حماس واسماعيل هنية المسؤولية عن فشله وعجزه.

إن دعم الشعب الفلسطيني لحركة حماس في إنتخابات 2006 وفوزها في الأغلبية، لم يكن بداية ربيع عربي، لكنه كان دون شك رد فعل مباشر لفساد سلطة عباس. وكان أحد أقوى الوزراء في فتح واحد رجال ابو مازن السيد محمد دحلان، الشخص الاقوى والحاكم الفعلي، في غزة طيلة أكثر من عقد من الزمن، منذ إتفاق غزة أريحا ، فتميز بالفساد والسطوة والقمع، ضد مواطنيه  وضد معارضيه في غزة، ومارس اشد اساليب القمع، حتى حصل  الانقلاب في العام 2007. ويعود ابو مازن الان ليلقى اللوم على حماس ، متناسيا فساد سلطته، وتحميلها كل مصائب الشعب الفلسطيني، وتحويل غزة الى رهينة في الصراع، بين حركتي فتح وحماس.

لا يمكن  ان تتهرب حركة حماس من مسؤوليتها  امام الكارثة الانسانية، التي يشهدها قطاع غزة،  فعشر سنوات من سلطتها الفعلية، جلبت على غزة اقتصاد الانفاق المُدمر، وقمع كل من يعارض سلطتها، وساهمت في تعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي، ووضعت المقاومة المسلحة مكانة القداسة والاولية المطلقة، على حساب لقمة عيش شعبها، وساهمت في تردي الاوضاع المعيشية المأساوية، التي نشهدها اليوم الامر الذي  جعلها تشعر بعجزها عن تحمل مسؤوليتها امام شعب غزة، لانها ليست بديلا سلطويا، تستطيع رعاية السكان، وتقديم الخدمات الاساسية لهم، لانه لا يمكن  لحكومة، من المفروض ان تقدم خدمات للناس، أن تعزل نفسها عن العالم، وتخضع حاجيات الناس الأساسية لشعارات المقاومة،  فحلت حكومتها ووافقت على تولي حكومة رام الله المسؤولية عن القطاع. وحتى الآن تستمر حماس في مناوراتها، فهي ترى في سلاح المقاومة أمرًا مقدسًا، أما حياة الناس فهي غير مقدسة، ومن الممكن تسليمها للسلطة الفلسطينية في رام الله. فإذا أرادت حماس مصلحة المواطن فعليها أن تسلم كل الصلاحيات بما فيه السلاح الى ابو مازن مما سيعتبر إستسلام دون مقابل.

إن الشارع الفلسطيني بقى لا مبالي أمام ما يحدث من ثورات، ومجازر دموية في العالم العربي. فحركتي فتح وحماس تتقاتلان على السلطة، لكنهما تعارضان الربيع العربي، فأبو مازن يدعم بشار الأسد الجزار، وحماس تتباهى بعلاقاتها الطيبة مع طهران. ان المأساة الحقيقية، تكمن بعدم وجود تيار ديمقراطي فلسطيني، حقيقي يطرح نفسه، بديلًا لفتح وحماس، اللتان تقودان  الشعب الفلسطيني نحو الهاوية . حتى التجمع الاكبر من التيارات ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني  وقف وراء شعار عبثي “انهاء الانقسام” بدل تبني شعار شباب الربيع العربي “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”،  ولم يكن قادرا على ان يتحول، الى بديل ديمقراطي عصري لسلطتي غزة ورام الله.

أمام هذا المشهد تقف اسرائيل، وهي مثل عباس وحماس،  تغطي على جرائمها وسياستها  ورفضها المطلق لاي حلول، بتوجيه الاتهامات ضد ابو مازن، بأنه لا يريد السلام، وضد حماس التي تدعم الإرهاب حسب الرواية الأسرائيلة. من جانبه أثبت الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأنه لا يبالي كثيرا إذا إنفجر الوضع، حتى تبدأ حلقة دم جديدة ومزيدا من الدمار. فهو مشغول في حربه التجارية ضد العالم، وهو يحارب المحقق الخاص، الذي تم تعيينه للتحقيق في تواطئ حزبه مع بوتين في الانتخابات الرئاسية. أما نتانياهو  فهو مشغول بمواجهة الشرطة، القضاء والصحافة الإسرائيلية، التي تلاحقه بتهم الفساد، ولا وقت ولا نية لديه لمواجهة الواقع الفلسطيني المعقد. أن القضية الفلسطينية واقعة تحت رحمة زعماء مثل ترامب، نتانياهو، عباس وهنية المعروفين في فسادهم، ولا يهمهم سوى كراسي الحكم ، فشلوا في  تقديم حلول منطقية وعادلة ترضي الشعب الفلسطيني والاسرائيلي في آن واحد. أن التغيير السياسي الجذري في امريكا مثل في فلسطين واسرائيل هو شرط مسبق وحتمي  للخروج من هذا المأزق التاريخي الذي يهدد حياة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. ان مصير ترامب، نتانياهو، عباس وهنية في مزبلة التاريخ.

عن حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.