غزة تعمّق الانقسام في اسرائيل وفلسطين

أدى قرار المجلس الوزاري المصغّر في إسرائيل بقبول المبادرة المصرية لوقف اطلاق النار مع حماس، إلى سلسلة من التطورات السياسية على الساحة الاسرائيلية انتهت بفصل نائب وزير الدفاع، داني دانون، بعد أن اتهم رئيس الحكومة، بنيامين نتانياهو، بإفشال العملية العسكرية في غزة. في نفس اليوم عقد وزير الخارجية، افيغدور ليبرمان، مؤتمرا صحافيا دعا فيه إلى احتلال قطاع غزة، متحديا بذلك نتانياهو الذي التزم بتوصيات الجهاز الامني الاسرائيلي الذي يعارض بشدة أي توغل بري في غزة.

المعلق السياسي في يديعوت احرونوت، ناحوم بارنيع، انتقد رئيس الوزراء في مقال له بتاريخ 16 يوليو، جاء فيه: “ان إسرائيل حظيت بناطق بلسان ممتاز اسمه بنيامين نتانياهو، ولكن لا رئيس حكومة فيها.”

يعبر هذا الاعتقاد عن شعور عام بضياع الطريق وفقدان الاستراتيجية الواضحة تجاه حماس، ويصف بارنيع ما يجري بالقول: “ان نتانياهو و(وزير الدفاع) يعالون تبنّيا عمليا رؤية الجيش، فهدف العملية في غزة لم يحدد، ونتانياهو كان حذرا من الالتزام بشيء ما خشية الفشل في تحقيق مآربه ولكن مع الوقت تسربت الحقيقة: الهدف هو إضعاف حماس. ماذا يعني “إضعاف”، الى أي حد يريدون حماس “ضعيفة”، لا احد يعرف ولكن من الواضح ان نية الحكومة الاسرائيلية هي ان تستمر حماس في السيطرة على غزة.”

ويضيف بارنيع: “هذه الرؤية أدخلت السياسة الحكومية إلى تناقض، فاذا قبلت اسرائيل بوجود سلطة حماس في غزة لماذا اذن تستثمر الحكومة كل جهودها وعلاقاتها لمنع 43 الف موظف تابعين لحماس من استلام معاشاتهم؟ لماذا خاضت حملة عالمية ضد تشكيل حكومة وحدة فلسطينية؟ لماذا مارست ضغوطا على دول ومنظمات لمنع أي علاقة مع حماس؟ ولماذا تطلب الآن من نفس الحكومات التواصل مع حماس لإقناعها بالموافقة على وقف إطلاق النار.”

من هنا يسهل الاستنتاج بأن قوة حماس ليست في امتلاكها عشرة آلاف صاروخ قادرة على أن تغطي سماء اسرائيل، بل في عدم وجود بديل لها، وهو ما يقوّي من أوراق المساومة. ان ما يرعب اسرائيل اكثر من صواريخ حماس هو العودة لاحتلال غزة بشكل مباشر. قد تكون إسرائيل وفّرت الرد على الصواريخ من خلال منظومة القبة الحديدية، ولكنها لا تملك جوابا عن السؤال – ماذا ستفعل بعد احتلال غزة والقضاء على حماس وترسانته الصاروخية. غزة وصلت إلى وضع من الكارثة الانسانية الرهيبة ليس بسبب القصف الجوي فحسب بل بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليها منذ انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007.

اشتد الحصار على غزة بعد الانقلاب العسكري على حكومة الاخوان المسلمين في مصر. وكان من تبعات هذا الحدث إدراج حماس على قائمة الارهاب وتدمير الانفاق بين سيناء وغزة التي كانت شريان الحياة الرئيسي للقطاع والمنفذ الوحيد للاقتصاد. منذ تم سد الانفاق تحولت غزة الى سجن كبير جدا ولا احد يستطيع ان يوفر لسكانها حاجاتهم الأساسية. هذا الواقع الاقتصادي المستحيل دفع حكومة اسماعيل هنية للاستقالة وتشكيل حكومة وحدة مع فتح. وكان المفروض ان تتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية السياسية والاقتصادية عن القطاع وأن توفر ما يلزم من ميزانيات لإدارة الحياة فيه.

ولكن هذا السيناريو لم يتم، لأن تنانياهو اعترض على حكومة الوحدة الفلسطينية. فهذه الحكومة أجبرت رئيس الوزراء الاسرائيلي على التعامل مع قيادة فلسطينية موحدة ونزعت حجتها التي قالت بعدم وجود شريك فلسطيني بسبب الانقسام بين غزة والضفة الغربية. كان هذا سيضطره للدخول في مفاوضات وتقديم تنازلات هو غير معني بها من أساسه.

اذن نتانياهو يريد إضعاف حماس دون إسقاطها، فماذا تريد حماس؟ الهدف الاستراتيجي بالنسبة لحماس في هذه المرحلة الحرجة هو الحفاظ على وجودها كمنافس رئيسي لفتح، بانتظار تغيير موازين القوى الاقليمية حتى يتسنى لها إعادة قوتها من جديد. ولكن الهجوم الصاروخي على اسرائيل جلب النتيجة العكسية. فبدل الخروج من العزلة من خلال الوحدة وتحقيق الانفراج في الحصار على غزة كما كان متوقعا، عاد الانقسام بل وتعمق بعد ان رفضت حماس قبول المبادرة المصرية لوقف اطلاق النار.

تواجه حماس اليوم جبهة عريضة جدا تشمل اسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية إضافة الى السعودية التي تدين القصف الصاروخي على اسرائيل في حين تشن الصحف العربية حملة تشهير ضد حماس وتتهمها باستخدام المواطنين العزل كدروع بشرية في مواجهة القصف الإسرائيلي الهمجي.

الحرب على غزة كشفتعلى الملأ وجود كيانين فلسطينيين لا علاقة حقيقية بينهما: ففي حين تعتمد حماس على الترسانة الصاروخية كأداة رئيسية لمواجهة الاحتلال، تعيش الضفة الغربية واقعا مختلفا تماما في ظل سلطة فلسطينية تعتمد على التنسيق الامني مع اسرائيل الذي يضمن وجودها واستمرار تدفق الاموال من امريكا واوروبا. وفي حين تحافظ اسرائيل على وجود سلطة فلسطينية “صديقة”، تقوم بمحاربة سلطة حماس في غزة ولكن دون إسقاطها. ومن يقع بين هذا وذاك هو بلا شك المواطن الفلسطيني الذي يعاني من حصار قاتل في غزة وجدار فاصل في الضفة الغربية، ويخضع لسلطتين كل ما تريدانه هو الحفاظ على سلطتهما بحجة “خدمة القضية”.

الوضع في إسرائيل ليس بأحسن حالا. بعد أسبوع واحد من الحرب وفشل المبادرة المصرية تبين أن الصواريخ لم تصب أهدافها ولكنها مع ذلك دفعت بالمواطن الإسرائيلي الغاضب للإدراك ربما لأول مرة بأن لا حل عسكري للقضية الفلسطينية مثل ما تعود وتؤكد وسائل الاعلام الاسرائيلية مرارا وتكرارا. النقاش الحاد داخل الحكومة اليمينية المتطرفة يدل على فقدان الحلول وخيبة الامل من الحكومة التي وعدت بالقضاء على “الارهاب” ولكنها تعجز عن ذلك.

الغريب في الامر هو ان رموز اليمين مثل نتانياهو ويعالون يعتمدون اليوم على دعم اليسار الذي يدعو الى ضبط النفس والحوار مع الفلسطينيين. لقد تبددت الفرضية التي قالت بأنه بالإمكان التعايش مع الاحتلال وممارسة الحياة العادية إلى جانب خمسة ملايين فلسطيني يعيشون في سجن كبير. تبين ان المواطن الإسرائيلي لن يحظى بالأمن والهدوء ما دام المواطن الفلسطيني محروما من حقوقه الوطنية.

من الصعب التكهن متى وكيف ستنتهي هذه الجولة من الحرب، ولكن من الواضح ان الساحة السياسية في اسرائيل وفلسطين لن تعود إلى سابق عهدها. لا شك ان حماس وفتح وعموم الشعب الفلسطيني سيضطرون لإعادة حساباتهم بكل ما يتعلق بالعلاقات الداخلية بين الفصائل وبالنسبة لكيفية مواجهة الاحتلال.

اما في اسرائيل فحكومة نتانياهو تترنح بسبب الانشقاقات داخل اليمين الاسرائيلي. وقد كتب المعلّق السياسي شمعون شيفر في نفس العدد من صحيفة “يديعوت احرونوت” يصف اليوم الذي سيلي انتهاء الحرب: “سوف يفسر نتانياهو للشعب الاسرائيلي بانه حصل على انجاز غير مسبوق، وحماس ستقول الشيء ذاته وستدّعي ان المقاومة انتصرت مرة اخرى. ولكن في لحظة الاعلان عن وقف اطلاق النار ستبدأ اللكمات الحقيقية في السياسة الاسرائيلية…. فالشعب الإسرائيلي سيحاسب هؤلاء (حكومته) اذا انتهت العملية العسكرية دون الوصول إلى نتيجة حاسمة”.

العبرة من هذه الحرب واضحة، الشعب الفلسطيني بحاجة الى تغيير سياسي جذري، الى ربيع فلسطيني جديد ضد حماس وفتح اللتين سبّبتا هذا الانقسام العميق الذي يمنع المواجهة الحقيقية مع الاحتلال ويقوي اليمين الاسرائيلي الفاشي الذي يستغل الضعف الفلسطيني لتوسيع الاستيطان. في نفس الوقت اثبتت الحرب للشعب الاسرائيلي ان عليه التخلي عن اليمين المتطرف الذي يريد إقناعه بان الاحتلال هو حالة طبيعية عليه التعايش معها.

ان الامل الوحيد للوصول الى حل والى سلام هو بروز قوى شبابية جديدة في فلسطين وداخل اسرائيل تسعى لإحداث تحول سياسي جذري على أساس الإدراك بان الاحتلال هو مصدر كل الكوارث وإزالته هو مصلحة مشتركة للشعبين.

 

عن حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.