فوز ترامب: صرخة الصوت الأبيض

كانت النتيجة مفاجأة كبرى لم يتنبأ بها أحد سوى الإعلامي الوثائقي مايكل مور. منيت هيلاري كلينتون بهزيمة نكراء ونحن كالعادة سندفع الثمن مثلما دفعناه مع كل الفوائد عندما فاز جورج بوش بانتخابات عام 2000. في الصيف المنصرم نشر مايكل مور مقالاً بعنوان: “خمسة اسباب ستؤدي لفوز ترامب” الذي كان مقنعاً في وقته ولكنه دفن فيما بعد تحت أكوام المقالات التحليلية، استطلاعات الرأي وإحصائيات مختلفة حسمت الانتخابات قبل أن تجري لصالح كلينتون وتعاملت مع ترامب كظاهرة طريفة لا بد أن تختفي مع بداية فرز الأصوات في ليلة الإقتراع. إلا أنه وبعد ساعات قليلة من إغلاق صناديق الإقتراع تبينت الحقيقة المرّة، مايكل مور أصاب في تقديره والإعلام “المحترم” وقع في غلطة شنيعة لا تغفر له. والعبرة من هذا الحادث التاريخي هي واحدة، لا يوجد استطلاع دقيق والإستطلاع الحقيقي الوحيد هو الإنتخابات نفسها مما يفسر لماذا تعادي الأنظمة العربية الانتخابات النزيهة.

من خلال المراجعة لما حدث في الانتخابات تصبح الأسباب الخمسة التي أدت إلى فوز ترامب أمراً مفروغاً منه. إن السبب الأول الذي أشار إليه مايكل مور كان ما يسمى “بريكسيت حزام الصدأ” وهو يتحدث عن الولايات الأربعة: ميشيغان، أوهايو، وسكنسن وبنسلفانيا والتي كانت معقل الحزب الديمقراطي ولكن تحولت لصالح ترامب. السبب الثاني وصفه “الفرصة الأخيرة للرجل الأبيض الغاضب” الذي يعارض بشدة حكم إمرأة لأول مرة في تاريخ البلاد، السبب الثالث هو “مشكلة هيلاري” التي تمثل المحافظة على الحاضر واستمرارية الزواج بين رأس المال والسياسة، السبب الرابع هو “أصوات ناخبي سندرز المحبطين” وقصده لقواعد الحزب الديمقراطي الشابة التي دعمت في الانتخابات التمهيدية النائب برني سندرز ولم تتحمس للتصويت لكلينتون والسبب الخامس والأخير هو ما سمي ظاهرة “جيسي فنتورا” وهي تجربة شخص بهذا الإسم والذي كان ملاكماً وتحول إلى سياسي فاز بمنصب حاكم ولاية مينيسوتا في أواخر سنوات التسعين فقط لأنه كان مرشحا غريب الأطوار وقد عبر الناخبون من خلال التصويت له عن احتجاجهم ضد المؤسسة الحاكمة الفاسدة.

ولم يصب مايكل مور في تقديره من باب الصدفة بل كانت له معرفة جيدة لما يحدث في “حزام الصدأ” الذي شكل في الماضي قلب أمريكا الصناعية وتركزت فيه أهم صناعات السيارات، الفولاذ والمعادن، وكان الأساس لقوة أمريكا وسيطرتها على العالم. ومن يريد أن يفهم جذور الواقع الأمريكي الحالي عليه أن يعود إلى أول فيلم وثائقي من إنتاج مايكل مور بعنوان “روجير وأنا” الذي انتج في سنة 1988 بعد أن قرر روجير سميت مدير شركة GM للسيارات في مدينة فلينت بولاية ميشيغان إغلاق أبواب المصنع الأمر الذي أدّى تدريجياً إلى فقدان 80000 مكان عمل بعد ذلك أصبحت فلينت مدينة أشباح. إن إغلاق المصانع الكبيرة ونقلها إلى المكسيك وبعد ذلك إلى الصين كان جزء من سياسة اقتصادية بادر إليها الرئيس ريغان ونظيرته تاتشر في بريطانيا الذان قررا تدمير النقابات والمعاشات النقابية العالية لصالح اليد العاملة الرخيصة من أجل رفع ربحية الشركات الكبرى إلى مستويات خيالية.

إن العولمة كانت كارثة على الملايين من العمال في أمريكا وبريطانيا وظاهرة البريكسيت – خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي – التي أدت إلى استقالة ديفيد كاميرون، كما التصويت لدونالد ترامب في أمريكا ليسا سوى رد فعل وتعبير عن الغضب العميق من قبل هؤلاء العمال البيض الذين شكلوا الطبقة الوسطى وكان لهم نفوذ كبير على مراكز اتخاذ القرار السياسي بفضل قوتهم الإقتصادية والإنتخابية وبفضل النقابات العمالية التي انضموا إليها والذين تحولوا اليوم بسبب العولمة إلى مجموعة عاطلة عن العمل، مهمشة ومنسية وفاقدة لأي أمل في مستقبلها. إن الشريحة الضيقة الرأسمالية حلت محل النقابات والعمال وهي التي تستطيع بفضل ثروتها الضخمة أن تؤثر على السياسة والسياسيين الذين يضطرون للجوء الى هؤلاء لتمويل حملاتهم الانتخابية، فقد أنفقت هيلاري كلينتون مليار ونصف دولار على حملتها الإنتخابية ومع ذلك لم تتمكن من التغلب على غضب العمال البيض.

ولم تكن العولمة وحدها ما أدّى إلى الكارثة التي تمر بيها الطبقة العاملة البيضاء في بلدان الغرب بل إلى جانب نقل الصناعات إلى الصين تحول رأس المال من الإستثمار في مجال الإنتاج إلى مجال المضاربة في البورصة بفضل الثورة المعلوماتية والإنترنيت. وتم تشجيع العمال الذين تضرروا من فقدان أماكن العمل على الإدمان على بطاقات الائتمان والرهن العقاري ليتمكنوا من الحفاظ على مستوى معيشتهم المعتاد. إلا أنه وفي سنة 2008 انفجرت فقاعة أوراق المال في بورصة وول ستريت عندما لم يتمكن هؤلاء العمال من دفع أقساطهم الشهرية وأعلنت مئات  البنوك الإفلاس وفقد 8 مليون مواطن أمريكي بيوتهم وكل مدخراتهم في صناديق التقاعد. ثم فاز أوباما فوزاً ساحقاً في انتخابات 2008 على أساس الشعار “نعم نحن نستطيع” ووعد وعوداً كثيرة بالتغيير ومحاربة رأس المال المضارب ومعالجة مشاكل المواطنين ولكن قدر التوقعات بقدر خيبة الأمل العميقة منه ومن حزبه.

إن الأزمة الاقتصادية وتحديداً سياسة الخصخصة وتشجيع رأس المال على حساب العمال لم تؤثر فقط على العالم العربي الذي عانى الأمرّين من الخصخصة والفساد المقرونة بنظام استبدادي بل زعزعت النظام السياسي في مجمل الدول الغربية وعلى رأسها الدول التي اعتمدت على النيوليبرالية الصرفة  مثل بريطانيا وأمريكا. إن ظاهرة ترامب ليست سوى الوجه الثاني للربيع العربي. إنها رد فعل من قبل هؤلاء العمال البيض الذين فقدوا مكانتهم في أمريكا ويبحثون عن التغيير بكل الوسائل الممكنة. الشاب التونسي محمد بوعزيزي الذي أضرم النار في جسده تمرد بذلك على السياسة الاقتصادية، ضد التهميش واختار الموت على العيش على الهوامش وفي الوقت نفسه استغل إنسان عنصري مثل ترامب معاناة العامل الأبيض مثلما استغل الإسلام السياسي معاناة العامل العربي ومجمل الفقراء لجرّهم نحو التطرف بدلاً من السعي نحو التغيير الحقيقي، نحو التضامن بين كافة البشر ومكافحة كل أنواع الكره على أساس عرقي، جنسي أو ديني.

لقد وعد ترامب أن يعيد لأمريكا كبريائها وللعامل الأمريكي مكان عمله من جديد، إلّا أن التغييرات التي حلت في العالم في الثلاثين سنة الأخيرة بسبب الثورة التكنولوجية والمعلوماتية حولت هذه المهمة إلى شبه مستحيلة. ترامب هو رأس مالي كبير وسيستمر بمراعاة رأس المال ولكن وبغض النظر عن نيّته، فالتطور التكنولوجي تقدم على الصناعة التقليدية، وإذا استطاع “حزام الصدأ” أن يحسم مصير هيلاري كلينتون فان “وادي السيليكون” في ولاية كاليفورنيا (منطقة صناعات الهاي تك) يقف في طليعة الاقتصاد العالمي الجديد معتمداً على التطور العلمي الذي تقدم كثيراً على التكنولوجيات الميكانيكية القديمة. مجال الروبوتيك قد وفّر الأيدي العاملة وأماكن العمل تتقلص أكثر فأكثر وصناعة السيارات لا تقارن من الناحية الربحية مع صناعة كل التطبيقات المتعلقة بعلم الحاسوب. إن المشكلة العميقة التي تقف أمام العالم كله دون استثناء هي التناقض الكبير بين التطورات التكنولوجية الحديثة وبين النظام الاقتصادي الرأسمالي القديم المنحاز تماماً لصالح قلة من الرأسماليين على حساب أغلبية العمال.

إن الفجوة الاجتماعية بين شريحة ال1% الغنية وبين بقية ال99% من الناس الذين أصبحوا فقراء هي التي تؤدي إلى التحولات السياسية العميقة في الغرب وإلى حروب أهلية في الشرق وتدفع المجتمع نحو التطرف والتدمير الذاتي. ترامب، داعش، الأسد، بوتين خامنئي، نصرالله ونتانياهو ليسوا سوى إفرازات لواقع سياسي اقتصادي غير عادل يؤدي إلى مزيد من الفقر والتهميش السياسي في الوقت الذي تمكن الانسان فيه من تحقيق اختراعات علمية من الممكن أن تضمن التطور والرفاهية للجميع. إننا أمام تحول ثوري نحو مجتمع مؤسس على العدالة الاجتماعية على أساس التوزيع المتساوي للثروة الاجتماعية وإلّا سيأتي الدمار على الجميع. ما يحدث اليوم في مدينة حلب السورية يبقى الأول ولكنه ليس الأخير.

אודות