قدسية التنسيق الامني

المقدسات الفلسطينية معروفة – حق العودة، القدس عاصمة الدولة، القرار المستقل، حق تقرير المصير والوحدة الوطنية – كلها أركان أساسية في مسيرة الشعب الفلسطيني نحو الحرية . ولكن في العشرين سنة الماضية أضيف لهذه القائمة مبدأ مقدس جديد هو التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

جاءت هذه الإضافة الاستراتيجية التي تحكم اليوم العلاقة الداخلية الفلسطينية وسياستها الخارجية، في مناسبة لا تقل قدسيةً وهي إنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس. فقد صرح الرئيس ابو مازن في 28 أيار الماضي بأن التنسيق الأمني مع إسرائيل “مقدس وسوف يستمر سواء اتفقنا أو اختلفنا”. وأضاف لدى لقائه في مدينة رام الله 200 مشارك من منتدى مؤسسات السلام في إسرائيل أن “الجانب الفلسطيني يتفهم المخاوف الإسرائيلية الداخلية في موضوع الأمن، ومستعد للتعامل معها وتلبيتها، ومن ثم نقوم بمناقشة باقي القضايا”.

وبعبارة أخرى: بغض النظر عما تقترفه الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل من ممارسات قمعية واستيطانية، يبقى التعاون الأمني ساري المفعول. فالتعاون الأمني مع إسرائيل أهم من الوحدة مع حماس، بل المفروض أساسا أنه متناقض معها لأنه موجّه أصلا ضد المقاومة المسلحة التي رفعت حماس لواءها طويلا. إعلان اسماعيل هنية عن حل حكومة حماس ودعمه لحكومة المصالحة برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، يعني عمليا قبوله بمبدأ التعاون الأمني.

لتبرير موقفه الجديد قال هنية إن حكومته حمت الثوابت الوطنية رغم الحروب والمؤامرات التي تعرضت لها، وحمت ظهر المقاومة كخيار استراتيجي للشعب الفلسطيني، وزاوجت بين السياسة والمقاومة، وحمت المؤسسات من الانهيار، وقدمت حكمًا رشيدًا بكل المجالات.

واضح هنا من الذي غيّر موقفه، وهو ليس أبو مازن الذي يفهم ان التعاون الأمني هو أساس وجود سلطته والدعم المالي والسياسي الذي تحظى به. لا شك أن الظروف الصعبة التي تواجهها حماس بعد الضربات الاستراتيجية التي تعرضت لها: القطيعة مع إيران على خلفية دعمها لبشار الأسد، والانقلاب العسكري في مصر الذي أطاح بحكم الإخوان المسلمين وإدراج حماس على قائمة المنظمات الإرهابية. من جهة أخرى، الحصار المفروض على غزة من قبل اسرائيل شمالا ومصر جنوبا، قيّد يدي حكومة حماس وأعجزها عن مواجهة البطالة المتفاقمة، الجمود الاقتصادي، النقص في الكهرباء وغياب المياه الصالحة للشرب. الوضع في غزة موشك على الانفجار مما دفع بحماس لرفع الراية البيضاء.

إذا قارنا تركيبة حكومة حمد الله الجديدة بسابقتها نجد شبها كبيرا، فهي من صنع فتح وبموافقة حماس وهدفها هو إرضاء الأمريكان لضمان تمرير المعونات المالية للسلطة. ومن غير المستبعد أن تكون وزارة الخارجية الأمريكية قد اطلعت مسبقا على قائمة المرشحين لتأليف الحكومة، وتأكدت من عدم انتماء أي منهم لحركة حماس.

حكومة بلا حماس بالنسبة لحماس هي إشارة لضعفها وحاجتها الماسة لإنهاء الحصار وضخ الأموال لإنعاش الاقتصاد في غزة، وبالنسبة لأبو مازن هي تكتيك حشر حكومة نتانياهو في الزاوية وفوّت عليها فرصة عزل السلطة دوليا بادعاء وجود وزراء لحماس في الحكومة.

جاء الموقف الامريكي من الحكومة الجديدة ليؤكد نجاح ابو مازن في تمرير الاتفاق مع حماس على الساحة الدولية. فقد قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جنيفر بساكي، إن واشنطن تعتقد أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، “شكل حكومة تكنوقراط انتقالية لا تشمل عناصر مرتبطة بحماس”، وأضافت: “أننا سنحكم على هذه الحكومة من خلال أفعالها. وبناء على ما نعرفه الآن، فننا نعتزم العمل مع هذه الحكومة”. نقطة. سطر جديد.

ما دامت أمريكا قد أقرت صلاحية الحكومة الجديدة، وما دام عباس ملتزم بالتعاون الأمني مع الاحتلال، فلا شيء يمنع استمرار تدفق الأموال للسلطة، ولكن من الآن ستتدفق أيضا باتجاه غزة.

بعد أن أحنت حماس رأسها، وأعلنت أمريكا أنها ستراقب “أفعال” الحكومة الجديدة، بقي على إسرائيل ان تلعب دورها في هذه المسرحية. وقد اجتمع المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون الأمنية والسياسية لمناقشة نوعية الرد على تشكيل حكومة المصالحة الجديدة. وبعد نقاش مطول تقرر مقاطعة السلطة الفلسطينية، وتخويل رئيس الحكومة نتنياهو بفرض عقوبات عليها، ومنع إجراء انتخابات في القدس ومنع مشاركة حماس في أي انتخابات في الضفة.

الإعلان الأخير عن بناء 1500 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات ، يؤكد انه لا جديد في جعبة الحكومة الإسرائيلية من عقوبات تفرضها على الفلسطينيين. وليس هذا لأن أساليب العقاب قد نفذت، بل لأن مجرد وجود السلطة الفلسطينية الملتزمة بالتعاون الأمني هو مصلحة عليا بالنسبة لإسرائيل سواء “اتفقت” مع أبو مازن أو “اختلفت” معه. ومن هنا، فالعقوبة القصوى التي يمكن لإسرائيل أن تُنزلها بالفلسطينيين هي منع تنقل الوزراء من غزة إلى الضفة الغربية، وسحب بطاقات الشخصيات المهمة VIP من وزراء سابقين وحاليين، وتقليص الامتيازات الممنوحة لهم.

وما دامت أمريكا راضية، وفتح وحماس راضيتان، و”الزعل” الإسرائيلي لا يتعدى مداه سحب بطاقات VIP، يبقى السؤال – ماذا عن الشعب الفلسطيني نفسه؟ لا يبدو ان احدا من الأطراف المعنية اهتم بطرح هذا السؤال، فالمصالحة لم تأت من باب مصلحة الشعب الفلسطيني بل من باب مصلحة فتح وحماس.

المصالحة ليست حقيقية بل مصطنعة، فلا توافق سياسي حقيقي بين الحركتين وكلتاهما تريدان الاحتفاظ بموقعيهما. لقد فشل ابو مازن فشلا ذريعا في سياسة المفاوضات مع حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتانياهو وخيب آمال الشعب، أما حماس فقد تلقت ضربة قاضية بعد الانقلاب في مصر مما أفقدها القدرة تماما على حكم غزة. لا شيء يجمع بين التعاون الأمني مع الاحتلال الذي يلتزم به ابو مازن وبين المقاومة المسلحة التي يلتزم بها اسماعيل هنية، ومن هنا تبقى المصالحة شكلية وهشة. حماس لن تسلم سلاحها وكتائب القسام ستبقى مصدر قوتها، كذلك ستبقى الشرطة الفلسطينية ركيزة فتح والعنوان الذي يضمن التعاون الأمني – أساس وجود السلطة الفلسطينية.

المشكلة الاساسية تبقى الاحتلال المستمر منذ 47 عاما وعدم وجود برنامج واقعي لمواجهته. المصالحة هي عبارة عن فشل كلا الحركتين، فتح وحماس، في انهاء الاحتلال ومنع الاستيطان، وهدفها إنقاذهما من غضب الشعب الذي يعاني من سلطتيهما القمعيتين. فتح تقمع حماس في الضفة الغربية وحماس تقمع فتح في غزة، ولكن كلتاهما تقمعان كل من يعارض سياستهما وممارساتهما الفاسدة. ان الشعب الفلسطيني يعاني من قمع مزدوج – إسرائيل من ناحية والقيادة الفلسطينية التي ترتزق من معاناته دون اهتمام أو قدرة على حل ابسط مشاكله اليومية ناهيك عن انهاء الاحتلال.

 

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.