قريبا سنكون الأغلبية

ملصقات ضخمة معلقة على واجهات ناطحات السحاب التي تحيط تل أبيب تلفت أنظار مئات الآلاف الذين يدخلون المدينة للعمل كل يوم. الشيء الغريب هو أن اللافتات العملاقة مكتوبة باللغة العربية وعليها ثلاث كليمات فقط:  “قريبا سنكون الأغلبية”. هذا العنوان الذي كان من الممكن أن يُفرح المواطن العربي، يهدف إلى ترهيب المواطن اليهودي لأن الكلمات مطبوعة على خلفية صورة يظهر فيها شباب فلسطينيون وهم يتظاهرون والغضب ظاهر على وجوههم، يرفعون أيديهم بإشارة النصر والأعلام الفلسطينية ترفرف فوق رؤوسهم. من تقف وراء هذه اللافتات العملاقة هي جهة تحمل اسم: “ضباط من أجل أمن إسرائيل” والذي يضم 250 من جنرالات “حزب العمل” الكبار ومن بينهم قياديين سابقين في الموساد، والمخابرات والجيش الإسرائيلي. هذه اللافتات أثارت دهشة بل واستغراب الكثيرين كونها اسلوب غير مألوف لتمرير رسالة “سلام” تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل أو بالأحرى إلى الانفصال الفوري عن الفلسطينيين.

لسنا بصدد التطرق إلى الطابع العنصري بل والتحريضي لهذا الملصق الغريب كوننا لا نتوقع ممن قام بملاحقة، تعذيب بل وقتل الفلسطينيين أن يغيّروا جلدهم ويصبحوا محبين للعرب والسلام. فما يجب أن يشغل بالنا هو ضعف بل ويأس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في إقناع “المؤسسة” السياسية التي يشكل حزب الليكود عمودها الفقري، بالضرورة الاستراتيجية للانفصال عن الفلسطينيين من أجل الحفاظ على طبيعة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية في آن واحد. إن هذا الأسلوب التحريضي والاستفزازي يدل على أن كل المحاولات السابقة في مخاطبة العقل قد وصلت إلى طريق مسدود ولم يبقى سوى مخاطبة العاطفة وليس هنالك طريقة أنسب من استغلال الخوف المتجذر في قلوب اليهود من الفلسطينيين.

ما يشير إليه الملصق التحريضي هو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ومعها المعارضة السياسية المتمثلة بحزب العمل رضخت أمام ادعاء اليمين الإسرائيلي حول عدم إمكانية الوصول إلى حل مع الفلسطينيين في الوقت الراهن. وما يجمع بين اليسار واليمين هو الاعتقاد بعدم وجود شريك فلسطيني أمين في الوقت الراهن. ويبقى الخلاف حول ما يمكن فعله في هذا الظرف. اليمين يسعى إلى استكمال السيطرة على كامل الضفة الغربية من خلال توسيع الاستيطان بينما اليسار ومعه هؤلاء الجنرالات يسعى إلى الانفصال من جانب واحد واستكمال الجدار الفاصل الذي يضم القدس الشرقية والكتل الاستيطانية المحاذية للخط الأخضر إلى إسرائيل. فما يجمع اليمين واليسار الإسرائيلي هي الكراهية تجاه الفلسطينيين مما يمنع من اليسار أن يكون معارضة جذرية لليمين وطروحاته العنصرية.

إن النقاش السياسي على الساحة الإسرائيلية يدل على أن حل الدولتين أصبح شعاراً من الماضي دون أي آلية للتطبيق. إن نداء اللحظة الأخيرة من قبل جنرالات حزب العمل ينبع من الاعتقاد بأن اليمين الإسرائيلي قد عمّق تمسكه في السلطة بعد أن تولّى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة. الاعلانات المتكررة من قبل نتانياهو عن بناء آلاف الشقق السكنية في المستوطنات قبل اللقاء المرتقب مع ترامب في 15 فبراير القادم في البيت الأبيض هي علامة واضحة بأن إسرائيل مصرة على استكمال مشروعها حتى تقوض نهائيا فكرة الدولة الفلسطينية في مناطق ال-67.

أما في الجانب الفلسطيني فإن السلطة الفلسطينية تستمر في دفن رأسها تحت الرمل وهي تضع كل أملها في الأمم المتحدة، محكمة الجنايات الدولية، مجلس الأمن، الجامعة العربية وغيرها من هذه المؤسسات التي أثبتت عجزها التام أمام ما يحدث في سوريا من مجازر من قبل النظام السوري بمساعدة إيران وروسيا، وفي الوقت الذي يعبر ترامب عن استهتاره المطلق بكل الالتزامات الدولية بل ويجهر بتحمسه إلى التعذيب كأسلوب “ممتاز” لانتزاع المعلومات من المعتقلين. ففي الدراسة التي قامت بها لجنة معينة من قبل أبو مازن لبحث الرد المناسب في حال أعلن ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والتي تحمل عنوان “قرارات على مستوى التحديات” أوصت اللجنة بوجوب إعلان دولة فلسطينية بدلاً عن السلطة، وإجراء انتخابات برلمانية وسحب الاعتراف بإسرائيل. إن هذه التوصيات بعيدة جدا عن أن تكون “على مستوى التحديات” وهي تثبت عجز السلطة بل وانفصالها المطلق عن الواقع.

فما لا تريد السلطة الاعتراف به هو أن مشروع الدولة قد مات موتاً سريرياً والحقيقة هي أنه كان قد ولد ميتا منذ البداية ولم يقصد من وقّع على اتفاق أوسلو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كون هذا المصطلح يغيب عن كل المواثيق الموقعة بين منظمة الحرير الفلسطينية وإسرائيل. إن الاصرار على “إعلان الدولة الفلسطينية” هو تهديد فارغ بسبب وجود الاستيطان والاحتلال العسكري بل وهو يضرب بمصداقية فتح والسلطة نفسها التي تهدد بسحب الاعتراف بإسرائيل وفي نفس الوقت تصر على التنسيق الأمني “المقدس” معها. إن فقدان البرنامج بل والاصرار على حل لا آلية لتنفيذه غير اللجوء إلى مؤسسات دولية ضعيفة ومفككة إضافة إلى الانقسام بين غزة والضفة الغربية خلق مناخاً من الإحباط واليأس في قلوب المواطنين الفلسطينيين. وقد نسب الكاتب مهند عبد الحميد في مقالة بصحيفة “الايام” الإحباط واليأس “من إمكانية تحقيق الهدف الوطني المركزي كالخلاص من الاحتلال وإقامة الدولة، ومن الإخفاق في تحقيق أهداف أقل في مجال الوحدة الوطنية وتطوير المؤسسة، والتزام الديمقراطية، وتطوير التعليم، وإزالة التمييز ضد النساء (نصف المجتمع)، وخفض البطالة، ورفع مستوى المعيشة.”

أهمية هذا الكلام هي بالربط بين “الهدف الوطني المركزي” وبين تحقيق “أهداف أقل” مما يعني أن الحل لا يكمن في “الإعلان” عن دولة بل في معالجة كل هذه المشاكل التي تبينت مع تشكيل السلطة الفلسطينية ووجود ديكتاتوريتين في كل من غزة والضفة الغربية. وفي حين لا مجال للحديث عن دولة فلسطينية فإن الحديث عن “الدولة الواحدة” سابق لأوانه. نعم نحن أصبحنا أقرب إلى الدولة الواحدة من الدولتين بفضل قوى اليمين الإسرائيل وضعف الفلسطينيين ولكنه لا يزال حتى الآن حلاً نظرياً فقط.

وإذا وصل الاستيطان الإسرائيلي إلى نقطة اللاعودة وطالما أن سيطرة فتح وحماس على الساحة الفلسطينية مستمرة فنحن أمام حالة من حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وإمارة إسلامية في غزة وكلتاهما تتعايشان مع الاحتلال. هذا بالضبط ما يريده نتانياهو وهذا ما يتم تحقيقه في الواقع. إن التعاون الوثيق بين كل من الحكم الذاتي الفلسطيني من جهة والإمارة الإسلامية في غزة من جهة أخرى مع إسرائيل يضمن لليمين الإسرائيلي أن يحافظ على تفرّده في السلطة لسنوات طويلة دون الالتفات إلى أي مواطن إسرائيلي يعارض الاحتلال إن كان من منطلق الكراهية تجاه الفلسطينيين أو من منطلق ديمقراطي يسعى إلى بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي مع الفلسطينيين على أساس المساواة.

فإذا أردنا حلاً ديمقراطياً ضمن دولة واحدة لا بد من إحداث تغيير سياسي جذري على الساحة الفلسطينية حتى تنقلب كل المفاهيم السياسية الراهنة، وفي المقابل تغيير سياسي جذري على الساحة الإسرائيلية لهزيمة اليمين وبرنامجه الاستيطاني. من يريد أن يقفز عن هذه المهمات المعقدة من خلال إطلاق شعار “الدولة الواحدة” فهو يعزل نفسه عن الجماهير ويفسح المجال واسعاً أمام هؤلاء المعنيين بأن يبقى الوضع على ما هو عليه الآن. إن “الدولة الواحدة” تحولت من برنامج سياسي قابل للتحقيق إلى شعار فارغ يستعمله جنرالات حزب العمل بعد أن تبين ضعفهم السياسي في الساحة الإسرائيلية، ويستعمله أيضا التيار القومي الفلسطيني الذي يهدد هو أيضاً بفلسطين “من النهر إلى البحر” ليس كتعبير عن قوّته وتأثيره بل لتغطية عجزه عن بلورة بديل جماهيري واقعي لفتح وحماس على الساحة الفلسطينية. هؤلاء مثل هؤلاء يعلنون من خلال شعارهم الغير قابل للتحقيق عن تسليمهم بسيطرة اليمين الإسرائيلي والوضع الراهن ويتركون الساحة لهذا اليمين الذي يتغذى من كراهية الجنرالات ومن التطرف القومي الفلسطيني.

אודות حزب دعم العمالي

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.