كيري يتلاعب بمصير سورية وفلسطين

وزير الخارجية الامريكي، جون كيري، بالكاد ينام في بيته، فهو يقضي معظم وقته في التنقل بين عواصم المنطقة، مركّزا مجهوده الدبلوماسي في ثلاثة ملفات أساسية: السلاح النووي الإيراني، الأزمة السورية والنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. منذ تولي أوباما الحكم طرأ تغيير نوعي على السياسة الخارجية الأمريكية، فتم استبدال التدخل العسكري المباشر بالعمل الدبلوماسي على أمل التعويض عن التراجع في مكانة الولايات المتحدة في العالم. ولكن لا يبدو أن هذا يغير الاتجاه العام بسبب التردد المستمر الذي يميز أوباما. وهكذا، يستمر أوباما بالتراجع، ويتقدم بالمقابل نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مما يعمق الشك العام بالوعود الأمريكية وحقيقة نواياها.

في هذا المضمار لا بد من التطرق لقضيتين أساسيتين خاضعتين للمعالجة الأمريكية: فلسطين وسورية. رغم الفارق الكبير في طبيعة الأزمة، ولكن تمكن الإشارة لبعض أوجه الشبه. من ذلك، التماثل في سلوك السلطة الفلسطينية والائتلاف السوري المعارض، وكذلك بين سلوك نظام الاسد وحكومة نتانياهو. في كلتا الحالتين تدور المفاوضات بلا أساس مبدئي يضمن نجاحها وتحقيق الهدف منها، وهو في الحالة الإسرائيلية-الفلسطينية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفي الحالة السورية إنشاء حكومة انتقالية وتغيير النظام الفاشي.

لقد صرّح أوباما مرارا وتكرارا بأن الشرط للوصول لحل بين إسرائيل والفلسطينيين هو وقف الاستيطان الذي يواصل التوسع حتى لم تبق أرض تقام عليها دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، من جهة أخرى تعهد بتنحية الأسد كشرط لإنهاء الحرب الدائرة في سورية. المشكلة في هذه التصريحات الرنانة أنها تبقى يتيمة من أية خطوات عملية تفرض الرؤية الأمريكية على الأطراف. وكان أسوأ نموذج دل على قمة الخذلان الأمريكي، تراجع اوباما عن قراره شن هجوم جوي على النظام السوري على أثر استخدامه الأسلحة الكيماوية ضد الشعب الأعزل، وتفضيله الاتفاق مع الروس على نزع السلاح الكيماوي مما أنقذ نظام الأسد ومنحه شرعية لمواصلة حربه الشعواء على المواطنين.

ولم تقف النتائج المدمرة للتردد الأمريكي عند هذا الحد، بل قادت إلى تراجع الدعم الدولي للمعارضة السورية، مما سمح باقتحام التنظيمات الجهادية المتطرفة، وعلى رأسها “داعش”، للفراغ السياسي والعسكري العظيم الذي فشلت المعارضة في ملئه بسبب شح الدعم العسكري والمادي. وباتت هذه القوى الظلامية تسيطر على مساحات شاسعة من المناطق المحررة، وتقوم بتصفيات واعتقالات للناشطين المدنيين الثوريين. وسارع نظام الأسد وحلفاؤه الروس للاستفادة من هذا الوضع لصرف الأنظار عن جرائمهم، وتحويل الأجندة إلى “حرب على الإرهاب”، في محاولة لإقناع الغرب بأن نظام الأسد وحده القادر على القضاء على هذه القوى الظلامية.

اما في فلسطين، فبعد أربع سنوات من التردد الأمريكي في فرض موقف واضح من الاستيطان والجمود المطلق في عملية السلام، وإزاء الضعف الفلسطيني الداخلي، تمكن اليمين الإسرائيلي المتطرف من اكتساح الحكم بلا منازع. وقد حقق اليمين المتطرف موقعا رئيسيا داخل حزب الليكود، وفاز حزب المستوطنين بقيادة وزير الاقتصاد الحالي، نفتالي بينيط، ب12 مقعدا في البرلمان وتحول لشريك رئيسي في الائتلاف الحكومي. إن من يرفض الحل مع الفلسطينيين اليوم ليست مجموعات هامشية في المجتمع الإسرائيلي، بل وزراء الدفاع، الخارجية، الاقتصاد والإسكان ورئيس كتلة الائتلاف في البرلمان ورئيس البرلمان نفسه. حسب رأي هؤلاء، الاحتلال لا يمنع استمرار الحياة الطبيعية في إسرائيل ويعارضون خطة كري بشدة.

في مواجهة هذا الواقع المعقّد الناتج عن السياسة الأمريكية الفاشلة، يلجأ كيري للحل الأسهل وهو الضغط على الطرف الضعيف. هكذا ضغط الأمريكان على ابو مازن لاستئناف المفاوضات دون التزام من إسرائيل بوقف الاستيطان، كما ضغطوا على الائتلاف السوري المعارض للمشاركة في جنيف 2 رغم استمرار النظام في قصف المدن السورية بالبراميل المتفجرة وعدم التزامه بمبادئ الحل. وكانت النتيجة انقسامات داخلية في الساحتين الفلسطينية والسورية بين مؤيد ومعارض للتفاوض، مما زاد الإرباك والضعف الداخلي.

ان موقف نتانياهو يشبه إلى حد ما موقف الأسد، أولا من ناحية رفض الاعتراف بأسباب النزاع: فنتانياهو يرفض الاعتراف بأن سبب النزاع مع الفلسطينيين هو عدم شرعية الاستيطان والاحتلال، ويتمسك بأن السبب هو رفض الفلسطينيين الاعتراف بيهودية اسرائيل، ويستغل هذا الادعاء لرفض التفاوض على الحدود ويتوعد بعدم إزالة مستوطنة واحدة؛ كذلك يرفض الأسد الاعتراف بان أساس الأزمة في سورية هو عدم شرعية نظامه وطبيعته الاستبدادية القاتلة ويتهم المعارضة بالارهاب.

وجه آخر للشبه بين الزعيمين، هو في طبيعة المشاركة في المفاوضات العقيمة. فبينما يشارك الوفد السوري النظامي في جنيف، ويعترف “رسميا” بمبادئ جنيف 1 التي تنص على تشكيل حكومة انتقالية، إلا أنه يمتنع عن مناقشة هذا البند بالذات ويركّز على بند “الإرهاب” المذكور أيضا في الوثيقة. كذلك نتانياهو، “التزم” بدولة فلسطينية ولكنه لا يريد إزالة المستوطنات، بل يطالب بالسيطرة على غور الأردن والسيطرة المطلقة على القدس.

السؤال لماذا يشارك نتانياهو والأسد في مفاوضات مع طرفين لا يعترفان بهما، ولماذا تشارك المعارضة السورية والسلطة الفلسطينية في مفاوضات “عبثية”؟ بالنسبة للأسد ونتانياهو الجواب بسيط، فهما لا يريدان أن يُتّهما برفض التفاوض وذلك لتجنب العزلة الدولية، لذا يتفاوضان من أجل التفاوض لا غير. أما المعارضة السورية والسلطة الفلسطينية فهما خاضعتان للضغوط الأمريكية ومتعلقتين بدعم الدول المانحة، وتسعيان لإثبات مسؤولية النظام السوري وحكومة نتانياهو في عرقلة الوصول لأي اتفاق منطقي يخدم الشعبين السوري والفلسطيني ويضمن الاستقرار في المنطقة.

ما يحدث اليوم في جنيف والقدس يؤكد أمرا معروفا، وهو غياب أي سند للشعوب المستضعفة. صحيح أن العالم يعترف بحق الفلسطينيين بالحرية الاستقلال، وبحق السوريين بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولكن هناك المصالح الأقليمية التي تؤدي للانحياز الأمريكي لإسرائيل، وهناك ضعف الأمريكان بعد تجربة العراق الفاشلة الذي يقيد أيديهم في الحالة السورية، وهذا يسمح للنظامين الإسرائيلي والسوري بمواصلة التصرف الوقح ومخالفة الأعراف الدولية.

من هنا لا يتبقى أمام الشعبين السوري والفلسطيني سوى الاعتماد على طاقات الشعب للعطاء من أجل التحرر. أبو مازن لا يستطيع قبول الوثيقة الأمريكية التي تديم المفاوضات مع إسرائيل وتنقذ نتانياهو، كما لا يستطيع الائتلاف الوطني السوري القبول بأقل من تنحي الاسد وتغيير النظام. ولا بد لكلا الشعبين من رص الصفوف على أساس برنامج ديمقراطي بعيد عن التطرف الاسلامي من ناحية وعن الخنوع للإملاءات الأمريكية من ناحية أخرى.

المطلوب ليس الانحياز للسعودية أو قطر أو إيران وحزب الله، بل طرح طريق ثالث كذلك الذي بدأت تونس المضي فيه، والمؤسس على التوافق القومي بين كل الأطراف الدينية، القومية، الليبرالية واليسارية على بناء نظام ديمقراطي يضمن التعددية السياسية والمنافسة الحرة بين الافكار والبرامج خدمةً لرفاهية كل المواطنين. لقد أثبتت تونس أن التوافق أمر ممكن، وأن الشعوب العربية غير مضطرة للعيش تحت حكم فرعون أو ديكتاتور، بل حقها الانضمام للقرن ال21 والاستفادة من كل ما يكفله العالم الحديث من علم وتقدم ورفاه اجتماعي للإنسان.

مفاوضات جنيف 2 والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية محكومة بالفشل، ومن يعتمد على امريكا سيلقى الهزيمة في آخر الطريق، لأنها هي نفسها مهزومة. أما من يتمسك بالحق ويحتكم إلى الشعب، فلا بد أن يحظى بدعم الرأي العام في العالم كله، وينتزع هذا الحق من أيدي الطغاة المحكوم عليه بالزوال.

 

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.