لا دولة واحدة ولا دولتين

التصريح الذي أطلقه دونالد ترامب في المؤتمر الصحفي المشترك مع نتانياهو والذي قال فيه “أنظر إلى حل الدولتين وحل الدولة الواحدة وأميل إلى ما يميل إليه الطرفان” لم يربك نتانياهو فحسب بل أثار ضجة سياسية كبيرة. ولكن لم يكتف ترامب بدفن حل الدولتين بل وبشكل غير متوقع طلب من نتانياهو “كبح النشاط الاستيطاني” مما أثار الدهشة على وجه نتانياهو الذي تفاجأ مرتين، الأولى عندما تخلى ترامب دون إنذار مسبق عما كان عليه الموقف الأمريكي التقليدي على مدار 20 سنة والثانية عندما طلب بل وأمره بوقف النشاط الاستيطاني. وتتماشى هذه التصريحات مع كثير من التصريحات الغريبة الذي يطلقها ترامب يوميا وآخرها عن عملية إرهابية قام بها مهاجرون إسلاميون في السويد رغم أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث قط.

من يقول أنه مستعد لأن يقبل كل حل يتفق عليه الإسرائيليون والفلسطينيون في الوقت الذي يوسد الجمود بل والقطيعة بين الجانبين منذ فترة طويلة، لا يقصد سوى التهرب من اتخاذ موقف في هذا الموضوع الصعب بل ويقول للطرفين اعملوا ما شئتم وإذا وصلتم إلى نتيجة أخبروني لاحقا، أما في الوقت الراهن فمن المهم أن تبقى كل الاحتمالات مفتوحة مما يستوجب “كبح النشاط الاستيطاني”. نعم ترامب يثمن نتانياهو كثيرا ولكنه لم يعطه علامات ممتازة على أدائه السياسي فنتانياهو مثله مثل الفلسطينيين قد فشل حتى الآن في الوصول إلى حل مرض للطرفين الأمر الذي يخلق للإدارة الأمريكية “وجع رأس” هي في غنى عنه.

من المؤكد أن حل الدولتين لا يحظى من الآن وصاعدا بدعم أمريكي ومن هنا لا مجال للمفاوضات على هذا الأساس بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. رغم التزام ترامب بالعمل من أجل الوصول إلى تسوية في الشرق الأوسط إلّا أن تعيين جيراد كوشنير وهو زوج ابنته إيفانكا، مبعوثا خاصا، وتعيين ديفيد فريدمان سفيرا لدى إسرائيل وجيسون غرينبلات مسؤولا عن ملف الشرق الأوسط يدل على أن الحل الذي يتحدث عنه ترامب ليس سوى ما يريد نتانياهو بالضبط. والسؤال اليوم مطروح وبكل وضوح أمام نتانياهو وأمام أبو مازن: ماذا تريدون وحل الدولتين لم يعد قائما؟ لم نسمع حتى الآن من الطرفين أقوالا واضحة حول الموضوع بل نفس الكلام الذي اعتدنا على سماعه منذ زمن طويل دون أن يغير في الواقع شيئا.

نتانياهو وحكومته اليمينية لا يريدون تطبيق حل الدولتين ولكنهم يرفضون أيضا حل الدولة الواحدة لأسباب بديهية. فلا يمكن لإسرائيل أن تستوعب مليونين ونصف فلسطيني الذين سيشكلون نصف السكان مما سيمنحهم نفوذا سياسيا كبيرا إذا كانت لهم حقوق مدنية كاملة في هذه الدولة الواحدة. أما في حال مُنعوا من حقوقهم المدنية فستتحول إسرائيل من دولة احتلال إلى دولة أبارتهايد. فما يريده نتانياهو هو إبقاء الواقع الحالي على ما هو الآن وهو التعايش مع السلطة الفلسطينية ومع سلطة حماس في غزة على أساس هدنة غير معلنة إلى أجل غير مسمى. إسرائيل لا تريد أن تحسم الأمور الآن وهي تريد أن تكسب الوقت ربما ل 50 سنة إضافية حتى يتعود الفلسطينيون على هذا النمط من الحياة داخل سجن كبير تديره السلطة الفلسطينية مع إمكانية العمل داخل إسرائيل شرط الحصول على تأشيرة مصادقة من قبل الأمن الإسرائيلي.

حسابات إسرائيل المستقبلية تستند إلى الوضع الحالي في العالم العربي وإمكانية إعادة إعمار ما تم تدميره في الحروب الأهلية الراهنة. فإذا أخذنا وضع العراق، وسوريا، واليمن وليبيا وحتى مصر فإعادة بناء هذه الدول على أساس ديمقراطي وعصري خال من القبلية والطائفية من الممكن أن يستغرق 50 سنة وأكثر وما دام العرب والعالم منشغلين بمصائبهم فالمصيبة الفلسطينية تبقى صغيرة مقابل المصائب الكبرى. لا بل والأنظمة العربية مثل السعودية، ومصر والأردن إضافة إلى قطر والإمارات مستعدة للتضحية بفلسطين مقابل الحفاظ على جلدها. إن هذه الدول صديقة لترامب رغم عنصريته تجاه المسلمين ومرسومه الرئاسي بمنع الهجرة من سبع دول إسلامية لا تشمل طبعا الدول العربية المذكورة رغم مسؤوليتها عن بعث التطرف السلفي في كل أنحاء العالم والعالم العربي خصوصا. وفي هذا السياق، أصبحت إيران هي العدو وإسرائيل هي الحليف القوي في منطقة.

ولكن رهان نتانياهو ليس على الحالة في العالم العربي فقط، بل على الحالة السياسية في الساحة الفلسطينية التي انقسمت على بعضها منذ عقد من الزمن وكل الدلالات تشير على استمرار الانقسام بل وتحجره. إن أولوية سلطة فتح في الضفة الغربية وإمارة حماس في غزة ليس إنهاء الاحتلال بل القضاء على الخصم – الواحد ضد الثاني، فتح تعمل كل ما بوسعها لإسقاط حماس في غزة أما حماس فلا تتوقف عن سعيها للاستيلاء على الضفة الغربية. وإذا كان اتفاق أوسلو قد وُلد ميتا وإسرائيل وأمريكيا لا تلتزمان به، فمن يلتزم به ويستند إلى مرجعيته ليس سوى فتح وحماس اللتان شكلتا “حكومتين” وأجهزة للأمن، وسلطتين قضائيتين رغم عجزهما عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن الفلسطيني. واستنادا إلى ما حدث حتى الآن فهذا الانقسام سيستمر ل50 سنة قادمة مما يمنح إسرائيل مسافة شاسعة للتصرف كيفما تريد.

إن حل الدولة الواحدة وحل الدولتين ليسا سوى حلول وهمية في ظل وجود هذين الكيانين الغريبين الذين أصبحا عقبة أمام كل نضال ضد الاحتلال وأمام أي حل “يرضي الطرفين” مثلما قال ترامب. إن الطريقة الوحيدة لاختبار إسرائيل وأمريكا هي بالإعلان الصريح عن التخلي عن اتفاق أوسلو وحل السلطة الفلسطينية مما سيفتح مرحلة جديدة وسيفرض على إسرائيل وعلى العالم الاختيار بين إعادة الاحتلال بشكل كامل أو إعطاء الفلسطينيين حقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم. المصيبة الكبرى هي أن فتح وحماس تهيمنان على الساحة السياسية ولا بديل سياسي لهما، فالفصائل الفلسطينية تتعاون بل وتشارك في السلطة وتكتفي بإطلاق شعارات “معارضة” مثل إنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير التي لا أحد يصدق بإمكانية تحقيقها.

إن حل الدولة الواحدة أو الدولتين يبقى مبهما وعالقا في الهواء طالما لا توجد حركة شعبية عريضة معارضة لسلطتي فتح وحماس وفي نفس الوقت تتشابك مع الحركات الديمقراطية في العالم والشباب الديمقراطي في العالم العربي. إن المظاهرات المستمرة في الولايات المتحدة تدل على أن ولاية ترامب ليست نهاية المطاف بل ظاهرة فاشية تستند إلى شعارات قومية ولكن ليس لديها حلولا حقيقية للشعب الأمريكي علما ان هناك قوى هامة ومؤثرة في الولايات المتحدة التي تتحدى ترامب وخطه. هكذا يكون نتانياهو الذي يستعمل -مثل ترامب- إيران كفزاعة لتضليل الشعب الإسرائيلي بينما يؤجل أهم قضية وجودية له وهي القضية الفلسطينية وكأن الوقت سيجد لها حلا بينما في الواقع ما ينتظرنا هو ليس حل بل المزيد من سفك الدماء. ترامب حسم أمره وكذلك نتانياهو ويبقى على الفلسطينيين أن يقرروا ماذا يريدون في حال انسداد أبواب الدولة الفلسطينية وليست هناك حلول بديلة في الأفق.

 

 

 

 

 

 

 

אודות يعقوب بن افرات