لا قوميّة للرأسماليّين الكبار

منذ إقامتها تبحث إسرائيل عن هويّتها، ولكن دون نجاح. صحيح أنّها عرّفت نفسها كدولة يهوديّة، لكن أتّضح أنّ ذلك ليس كافيًا، لأنّها لم تنجح في أن تحدّد إذا كانت اليهوديّةُ قوميّةً أم دينًا أم كليهما معًا. أضف إلى ذلك التعايش الغريب الذي تعيش فيه دولة الشريعة اليهوديّة والدولة المدنيّة، والمواطَنة الإسرائيليّة التي لا تتعلّق بالولادة في البلاد أو بالعيش فيها، وإنّما بالمنشأ القوميّ/ الدينيّ. يتمتّع المواطن العربيّ بحقوق مدنيّة وليس بحقوق قوميّة وبمواطَنة مشروطة، لأنّه يمكن سلبها بسبب “عدم الولاء لدولة إسرائيل”. فرنسا هي دولة لجميع الفرنسيّين، وإسرائيل هي دولة مواطنيها اليهود، ومن يعترض على هذا التحديد يُسلب منه حقّه الأساسيّ في الترشّح والتأثير على مصير الدولة.

غياب الحدود والبلبلة في تحديد الهويّة

تتحدّد الهويّة القوميّة أيضًا من خلال الحيّز الجغرافيّ، وهنا أيضًا توجد في إسرائيل عدّة هويّات معًا. الهويّة الأساسيّة هي “أرض إسرائيل”، التي تحوي داخلها المناطق المحتلّة منذ عام 1967 أيضًا. كما أنّ دولة إسرائيل، التي من المفترض أن تكون كيانًا واضح المعالم، لم تحدّد حدودها خلال سنوات قيامها الــ 64. ليس من الواضح إذا كانت تشمل منطقة H1 في الخليل، ومناطق C في الضفّة الغربيّة، وهل الكتل الاستيطانيّة وأريئيل هي جزء من هويّتها الجغرافيّة؟ حتّى قبل زمن قصير كانت غزّة جزءًا من إسرائيل، واليوم ليست كذلك. من جهة ثانية، يمكن لمناطق السلطة الفلسطينيّة بالتأكيد أن تعود إلى السيطرة العسكريّة الإسرائيليّة. حتّى العاصمة غير معترَف بها في العالم، وبمدًى أقلّ على أثر ضمّ إسرائيل لمناطق من بيت لحم إلى رام الله، وشملها في تعريف غامض ضمن حدود “القدس الموحّدة”. ناهيك عن هضبة الجولان التي قامت إسرائيل بضمّها أيضًا.

بكلمات أخرى، أخفقت إسرائيل في تحديد هويّتها القوميّة وحدودها الجغرافيّة. من جهة ثانية، لا تكفّ عن مطالبة الفلسطينيّين بالاعتراف بطابعها اليهوديّ.

إلاّ أنّ قضيّة الهويّة لا تنتهي إلى هذا الحدّ. يجد المجتمع الإسرائيليّ صعوبة في تحديد هويّته الإثنيّة- الثقافيّة. “الإسرائيليّ” يشمل المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل وكذلك الطوائف المختلفة. تعبّر تركيبة الكنيست عن تعدّد الهويّات وعن الأفضليّة السياسيّة لكلّ طائفة. يصوّت المواطنون العرب للأحزاب العربيّة، %80 من الذين يصوّتون للّيكود هم من أصل شرقيّ، شاس تستند هي أيضًا إلى اليهود الشرقيّين وتأخذ مصوّتين لحسابها من الليكود، ميرتس وحزب العمل يمثّلان النُّخَب اليهوديّة الغربيّة (الأشكنازيّة)، ويمثّل ليبرمان المتكلّمين بالروسيّة، البيت اليهوديّ يمثّل المستوطنين، وأچودات يسرائيل يمثّل المتزمّتين اليهود (الحرديم).

القوّة السياسيّة هي التي تحدّد الامتيازات التي تحصل عليها كلّ طائفة: التأمين الوطنيّ والخدمة العسكريّة والإسكان والتعليم والخدمات الدينيّة- كلّها تخضع لاعتبارات طائفيّة بحتّة. وبما أنّ المواطنين العرب بدون قوّة سياسيّة فإنّ حصّتهم في ذلك تؤول إلى الصفر.

 التقسيم الطبقيّ

إلاّ أنّ هناك تقسيمًا آخر داخل المجتمع الإسرائيليّ، يتجاوز جميع الطوائف. إنّه التقسيم الطبقيّ. أثرياء الدولة لا ينتمون لطائفة معيّنة، وإنّما يعبّرون عن الفسيفساء الطائفيّة، باستثناء العرب بالطبع. نجد من بين الرأسماليّين الكبار أثرياء روسيّين وإلى جانبهم رأسماليّون شرقيّون، يتعاونون في أعمالهم مع الرأسماليّين الأشكنازيّين. رجال السياسة يخدمونهم جميعًا بالتساوي، ويحرصون على استمراريّة وجود الرأسماليّة النيوليبراليّة بدون عوائق ورغم الاحتجاجات.

تنتمي الأغلبيّة المطلقة من المواطنين إلى الطبقة العاملة أو إلى الطبقة الآخذة في الزيادة والتي لا تنجح في الاندماج في سوق العمل بسبب التمييز القوميّ/ الطائفيّ/ الجنسويّ وبسبب نقص حقيقيّ في أماكن العمل. هذه الطبقة هي طبقة واسعة، تشمل جميع الطوائف والقوميّات، من اليهود والعرب والشرقيّين والروس والأشكنازيّين، جميعهم يعملون لدى الرأسماليّين الكبار؛ وهذه الطبقة تستثمر أموال صناديق تقاعدها في شركات التأمين التي يمتلكها الرأسماليّون، وهؤلاء بدورهم يستثمرونها في العقارات وخارج البلاد أو يراهنون بها في البورصة. إلاّ أنّ هناك توزيعًا طبقيًّا في الطبقة العاملة أيضًا: فالعامل العربيّ في أسفل السلّم وفوقه الروسيّ والشرقيّ، والأشكنازيّ على رأس السلّم، لكنّه مع تزايد الفجوات الاجتماعيّة بين الرأسماليّين الكبار والعمّال، فإنّ الفجوات في دخل مختلف العمّال آخذة في التقلّص. العمل غير المنظّم والعمل بموجب اتّفاقيّات شخصيّة والعمل عن طريق المقاولين والبطالة المتزايدة واستيراد العمّال الأجانب، كلّ هذه العوامل قلّصت من مستوى الدخل إلى حدّ يجد فيه معظم العمّال صعوبة في تلبية احتياجاتهم المعيشيّة الشهريّة. الطبقة الوسطى تقترب من طبقة العمّال، وطبقة العمّال تقترب من خطّ الفقر، وهذا هو السبب الأساسيّ لنشوب الحراك الاحتجاجيّ في صيف 2011.

يفتقر العمّال للقوّة السياسيّة

من خلال قوّتها السياسيّة، حقّقت الطبقة الحاكمة هيمنتها المطلقة على الأحزاب وعلى الكنيست. تجيد هذه الطبقة حشد قواها وتوحيدها في مواجهة مطالب العمّال، سواءً كانوا مجرّد عمّال أو من الطبقة الوسطى. العمّال أنفسهم يفتقرون للقوّة السياسيّة، لأنّهم يوزّعون أصواتهم في يوم الانتخابات لأحزابهم الفئويّة. الليكود وحزب العمل وشاس وليبرمان ولپيد وليڤني والبيت اليهوديّ وأچودات يسرائيل- جميعها تتّفق على أنّ النهج الاقتصاديّ يجب أن يستمرّ، الذي أساس تمويله يأتي من العمّال، لكنّها جميعًا تقدّس وجود الرأسماليّين الكبار وتلهث وراءهم. لذلك لا يوجد أيّ تمثيل للعمّال في الكنيست، ويقتصر التمثيل فيها على القطاعات والطوائف التي تتحارب فيما بينها على الفتات الذي يتركه الرأسماليّون.

إلاّ أنّ الحقيقة بأنّ معظم المواطنين لا يلبّون احتياجاتهم المعيشيّة الشهريّة، سواءً كان الحزب الذي صوتّوا له في الحكومة أو في المعارضة، تدفع أجزاءً كبيرة من العاملين إلى التحرّر من وهم الطائفيّة- القوميّة. بدأ المواطنون في اختبار الأحزاب بحسب مواقفها الاقتصاديّة- الاجتماعيّة، وكفّوا عن الاستسلام للشعارات القوميّة الخاوية. الحقيقة بأنّ السياسيّين، دون فوارق في الطائفة أو الانتماء الحزبيّ، اتّهموا بالفساد وقُدّموا للمحاكمة، تُضعضِع بمدًى أكبر الثقة بالأحزاب الحاليّة وبالتحريض الطائفيّ والقوميّ الذي تتأسّس عليه.

اليقظة من الفئويّة

يبدو أنّ الحراك الاحتجاجيّ الذي نشب في صيف 2011 قد نجح في وضع مؤشّر جديد، تغلّب على الاعتبارات الأخرى، لاختبار الأحزاب وبرامجها، وهذا المؤشّر هو العدالة الاجتماعيّة. من لا ينجح في إعالة أسرته بكرامة، ومن لا يتمتّع بأمن تشغيليّ ولا يمكنه أخذ قرض إسكان، ومن يرى تدهور مستوى تعليم أبنائه وخصخصة خدمات الرفاه وتلاشيها، يبدأ بالتفكير بشكل مغاير. يدرك أنّ النضال على “أرض إسرائيل” جاء لتحويل الحديث من النضال الحقيقيّ على كسب الرزق ومستقبل الشباب. ويدرك أنّ الشعارات القوميّة والتحريض الجامح ضدّ العرب هدفه إخفاء حقيقة أنّ الدولة قد بيعت لأثريائها ولم تعد ملكًا لمواطنيها. الخطر ليس خارجيًّا وإنّما يأتي من الداخل ويفكّك المجتمع.

لذلك في هذه الانتخابات، السؤال: ما هو الخيار الذي ينبغي أن يقوم به المواطن، يبرز بكلّ حدّته. هل ينبغي عليه أن يتصرّف كيهوديّ أم كعربيّ أم كشرقيّ أم كروسيّ؟ أم أنّ عليه أن يتّخذ خطوة ثوريّة، وأن يدرك مكانته في المجتمع دون الاستسلام للأوهام والشعارات؟ هذا هو التحدّي الذي يضعه اليوم حزب “دعم” أمام الناخبين. يتوجّه حزب “دعم” إلى العمّال من جميع الطوائف والطبقات: الطبقة الوسطى والعمّال الذين يعملون في الأعمال الشاقّة وإلى العاطلين عن العمل بدون ذنب، من معلّمي الكلّيّات وحتّى العاملات العربيّات في الزراعة اللواتي يتمنّين العمل. “دعم” هو حزب يتحدّث بثلاث لغات: العبريّة والعربيّة والروسيّة، لكنّه يتوجّه أيضًا إلى قاسم مشترك واسع لجميع العمّال الذين يشهدون تقلّص أجورهم المتواصل.

من أجل توحيد كلّ هؤلاء، هناك حاجة للتغلّب على جدار الفصل القوميّ. القضيّة الفلسطينيّة قابلة للحلّ على أساس إنهاء الاحتلال، إلاّ أنّ الراغبين في زيادة ثرائهم على حساب العمّال معنيّون في استمرار النزاع. المساواة في الحقوق لأبناء الطبقة العاملة هو شرط لوحدتها، وبدونه لن تنجح في الوقوف في وجه الرأسماليّين الكبار. لذلك برنامج “دعم” يربط بين الحلّ السياسيّ والحلّ الاقتصاديّ، وبين المساواة والمطالبة بالعدالة الاجتماعيّة، ويطالب بعدالة واحدة للجميع. آن الأوان لوضع حدّ للفئويّة وللقوميّة والتوحّد خلف راية واحدة؛ راية الطبقة العاملة.

אודות