ما سر حب نتانياهو لبوتين؟

تعتبر الأزمة في أوكرانيا من أخطر الأزمات منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويرى البعض فيها فاتحة لعودة الحرب الباردة. وفيما اصطف الغرب وراء الولايات المتحدة ضد مساعي روسيا لضم جزيرة القرم، برز امتناع إسرائيل عن دعم حليفتها في واحدة من أهم محن القرن ال21، والتي يشبّهها خبراء أمريكيون بأزمة الصواريخ مع كوبا عام 1962. ورغم الإلحاح الأمريكي بأن يعلن نتانياهو دعمه الصريح لأمريكا، اكتفى بيان الخارجية الإسرائيلية بالإعراب عن أمل إسرائيل بأن يتم حل الأزمة بأساليب دبلوماسية، دون التطرق للتوغل الروسي في جزيرة القرم ودون دعم أحد طرفي النزاع.

الواقع أن الموقف الإسرائيلي غير مفاجئ تماما. مراجعة قصيرة للأحداث الأخيرة تكشف العلاقة الحميمة بين وزير الخارجية الإسرائيلي الروسي الأصل، افيغدور ليبرمان، والرئيس الأوكراني المعزول والمدعوم من روسيا، فيكتور يانوكوفيتش. التعاون الوثيق بين إسرائيل وأوكرانيا برز بوضوح في نوفمبر 2012، عندما خرج السفير الأوكراني من قاعة الجمعية العمومية للأمم المتحدة إبان التصويت على الاعتراف بفلسطين كدولة. وبفضل أوكرانيا أيضا حازت إسرائيل قبل عام على أغلبية ضيقة في الأمم المتحدة، أحبطت طلب العرب البتّ في موضوع النووي الإسرائيلي في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وسابقا، في ديسمبر 2011، استُقبل يانوكوفيتش في إسرائيل استقبال الملوك، وأهداه الرئيس شمعون بيريس مسدّسا من نوع “نسر الصحراء”.

أما علاقة إسرائيل بروسيا فأقوى بما لا يقاس. أحد الدلائل على ذلك تعهد بوتين لنتانياهو بعدم تسليم صواريخ S300 لإيران وسورية، ومنعه أي نقاش في الموضوع النووي الاسرائيلي في المحافل الدولية. ومع ان معظم التفاهمات الاسرائيلية الروسية تبقى سرية، إلا أن الأحداث التي تعصف بالشرق الأوسط منذ بدء الربيع العربي، خلقت قواسم مشتركة عديدة لا تخفى على أحد.

في الموقف من مصر تلتقي إسرائيل مع روسيا في دعم الانقلاب العسكري وتأييد ترشح عبد الفتاح السيسي للرئاسة. ويصطدم هذا بالموقف الأمريكي الذي ينظر بعين القلق لما يحدث في مصر من قمع للحريات وانحراف سافر عن المسار الديمقراطي. ولكن ما يهم بوتين هو استغلال كل ثغرة تهملها أمريكا للدخول منها للساحة السياسية وتوسيع نفوذه، أما إسرائيل فتفضل رؤية الجيش المصري في الحكم كونه الضامن لأمنها على الحدود.

في الموقف من مصر وجدت إسرائيل وروسيا لهما حليفا إضافيا – السعودية. مؤخرا قامت السعودية بسحب سفيرها من قطر احتجاجا على انحياز قطر للإخوان المسلمين في مصر. السعودية وإسرائيل تلتقيان أيضا في العداوة لإيران والخلاف العميق مع الإدارة الأمريكية بسبب مواقفها وتحركاتها في الشرق الأوسط. فالسعودية لا تغفر لأوباما تخليه عن مبارك، أما نتانياهو فيخشى المساعي الأمريكية لحل النزاع مع الفلسطينيين على أساس إقامة دولة فلسطينية وإزالة المستوطنات، ويعمل جاهدا لإحباطها.

السقف الذي يلتقي تحته كل من بوتين ونتانياهو والملك عبد الله السعودي (والأردني أيضا) هو الخوف من كل تطور ديمقراطي. نتانياهو يريد أن تكون الديمقراطية حكرا على إسرائيل، ولكن بالصيغة التي يفهمها: أي متزامنة مع الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم؛ أما بوتين فيقمع كل معارضة لحكمه بيد من حديد. والسعودية التي تخاف الربيع العربي والتطور الديمقراطي الذي منح الإخوان المسلمين الحكم عبر انتخابات نزيهة، تعرف أن الربيع سيدق بابها يوما ما، رغم محاولاتها رشوة الشعب بالمال.

بوتين، نتانياهو وعبد الله يحنون إلى الماضي، مثلهم مثل عبد الفتاح السيسي الذي لم يحسم قراره بعد، هل يكون عبد الناصر أم السادات أم ربما بشار الاسد. بوتين يحن لمجد روسيا إبان الاتحاد السوفييتي، ولكنه لا يريد دولة اشتراكية، بل رأسمالية كبرى تنافس الغرب. من يحكم روسيا اليوم هي طغمة من رفاق بوتين من فترة خدمته في الاستخبارات السوفييتية “الكي جي بي”، والذين باتوا اليوم يستولون على المنشآت الاقتصادية الكبرى ويتعايشون مع نخبة من الرأسماليين الكبار الذين نهبوا خيرات البلد. أما نتانياهو فيحلم هو بإسرائيل الكبرى ويرفض الاعتراف بأن الاستعمار لا يتلاءم مع العصر الحديث.

الى هذا التحالف الغريب ينضم اليوم اليسار الشيوعي التقليدي الذي يحن هو الآخر لأيام الاتحاد السوفييتي. ويرى هذا اليسار في بوتين وريثا لستالين، وفي المشير السيسي وريثا لعبد الناصر، وفي بشار الاسد وريثا (وهذه المرة بحق) لحافظ الاسد. بالنسبة لهذا اليسار المعزول عن الواقع لم تنته الحرب الباردة بعد، ولا يزال المعسكر ضد الامبريالية حيا يرزق ويشمل كوبا، كوريا الشمالية، فنزويلا، إيران، روسيا، مصر. المفارقة أن نتانياهو والملك السعودي أصبحا جزءا من هذا المعسكر. وهكذا اجتمع الشيوعيون التقليديون، وبوتين العلماني الرأسمالي، إيران الشيعية، السعودية الوهابية وإسرائيل الصهيونية الاستعمارية، تحت غطاء العداء للديمقراطية والخوف من الثورات الشعبية.

ورغم اختلاف الأسباب والتوحد وراء الخلاف مع إدارة اوباما، تبقى هذه التحالفات هشة لا يمكن أن تصمد في وجه التطورات التاريخية المتماشية مع التطور العلمي، الاقتصادي والسياسي. لكل هؤلاء الذي يحنون للماضي يقول أوباما: “لقد بقيتم خارج مسار التاريخ”. ولا يقول الرئيس الأمريكي ذلك لأنه أصبح اشتراكيا أو أقل طمعا في السيطرة على الاقتصاد العالمي، كلا، بل لأن الولايات المتحدة تعلمت الدرس من سياسة جورج بوش. حنين بوش للماضي ولاستعادة هيبة أمريكا في العالم، دفعه إلى شن الحرب على العراق، الحرب التي لا يزال الشعب الأمريكي والعالم برمته يدفع ثمنها بأزمة اقتصادية خطيرة ومزمنة.

لقد تعلم اوباما درسا بسيطا، وهو أن زمن الأساطيل والجيوش قد ولى، ومن يحتل العالم اليوم هي جوجل، ميكروسوفت، أبل، فيسبوك، يوتيوب، تويتر، سكايب، أمازون، سمسونغ، وغيرها من الشركات التي استفادت من الثورة المعلوماتية وباتت تتحكم بالعالم. وقد تحولت هذه الشركات الى العدو اللدود لكل زعيم مستبد، فالربيع العربي هو ثورة الفيسبوك، ومن صنع الثورة في العالم العربي هم الشباب المثقف والعمال الذين يريدون مواكبة العصر. ولكن بوتين يلجأ لاستعراض العضلات، للتعويض على ضعفه الاقتصادي. وهي اللغة التي تفهمها إيران، الأسد، السيسي ونتانياهو الذين يعبدون القوة العسكرية.

أمور غريبة بالفعل تحدث، فبينما يُضرب العمال المصريون مطالبين بالحد الأدنى للأجور، بادر أوباما لرفع الحد الأدنى في أمريكا إلى 10،10 دولار للساعة ومكافأة العمال على الساعات الإضافية. لقد تعلم اوباما من بوش أن القوة ليس داء لكل دواء، ومن الربيع العربي فهم أن الفجوات الاجتماعية وترك الثروة بأيدي 1% من المجتمع على حساب ال99% الباقين، تقود إلى ثورة اجتماعية.

أوباما يسعى لإنقاذ الرأسمالية من انهيارها، وهو يحاول بلا نجاح إمساك العصا من الوسط – إرضاء العمال ورأس المال في آن واحد. أما الشعوب فتريد الحرية والعدالة الاجتماعية، ليس فقط في سورية، مصر، السعودية وفلسطين، بل في الولايات المتحدة، روسيا وألمانيا أيضا، ولا مكان في المستقبل لمن يحاول قمع طموحات هذه الشعوب بالقوة.

 

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.