نتنياهو يعرّي ابو مازن

لم يكن فوز نتنياهو في الانتخابات مفاجأة كبيرة بعد أن تغلب على منافسه إسحاق هرتزوغ في كل استطلاعات الرأي حول الشخصية الأنسب لترؤس الحكومة وبفارق كبير جدا. غير أن ما لم يأخذه في الحسبان عندما حل حكومته وأقال وزيرة العدل تسيبي ليفني ووزير المالية يائر لابيد هو إمكانية تشكل ائتلاف سياسي منافس يجمع بين حزب ليفني وحزب العمل بما سمي “المعسكر الصهيوني”. فاذا فاز نتانياهو في الانتخابات السابقة التي اجريت في سنة 2013 ب 31 مقعد مقابل 15 مقعد لحزب العمل كان ذلك على أساس الائتلاف بقائمة مشتركة مع حزب “إسرائيل بيتنا” الذي يقوده النائب العنصري من أصل روسي أفيغدور ليبرمان. أحد الأسباب التي دفعت نتنياهو إلى حل الحكومة كان الانفصال بين الليكود و”إسرائيل بيتنا” مما أبقى نتنياهو مع 19 مقعداً فقط من مجمل ال 120 مقعد التي تتشكل منهم الكنيست.

وقد أدت الوحدة الغير متوقعة بين ليفني وهرتزوغ إلى تشكيل كتلة منافسة من 21 عضو كنيست مقابل ال 19 عضو الذي بقى في يد نتنياهو مما شكل تهديداً على سلطته وأحدث لأول مرة شعوراً بان التغيير السياسي وشيك ليس بسبب التفوق الطفيف ل “المعسكر الصهيوني” على الليكود في استطلاعات الرأي فحسب بل بسبب الهبوط الحاد في شعبية نتنياهو والاستياء الكبير منه من قبل القاعدة الحزبية بعد أن غض الطرف عنها، لم يقم بمراعاة مصالحها من خلال تعيينات في مناصب حكومية بل فضّل مصاحبة رؤوس الأموال الكبيرة وانتهج سياسة اجتماعية واقتصادية أدت إلى خلق فجوات اجتماعية كبيرة، ارتفاع نسبة الفقر وارتفاع حاد بأسعار العقارات الأمر الذي فتح الطريق أمام حزب العمل لامتلاك فرصة الفوز بعد 15 سنة. وقد استثمر حزب العمل أموالاً غفيرة لتشجيع قاعدتها على التصويت وحتى أنها شجعت المواطنين العرب على التصويت لصالح القائمة العربية المشتركة من أجل توسيع المعسكر المضاد لليمين.

إلا أنه وفي اللحظة الأخيرة لجأ نتنياهو إلى سلاحه التقليدي والفعال وبث من خلال مقطع فيديو قصير إشارة الاستغاثة إلى القاعدة الشعبية قاطني الأحياء الفقيرة والبلدات البعيدة عن المركز وهم في مجملهم من أصل شرقي لكي ينقذوا البلد من العرب “الذين توافدوا بأعداد كبيرة إلى صناديق الاقتراع” وضمناً من اليهود الأشكناز البيض الذين يحملون التهمة التاريخية بإهانة وتهميش الشرقيين بسبب ثقافتهم العربية. ولم يكتف نتنياهو بالتوجه إلى الشرقيين بل كسب أيضا 4 مقاعد من حزب المستوطنين “البيت اليهودي” بقيادة نفتالي بينت وذلك من خلال التعهد بأنه “لن تقوم دولة فلسطينية خلال كل فترة ولايته”. وهكذا فاز “الساحر” بيبي ب 30 مقعد مقابل 24 لهرتزوغ. ولكن الثمن السياسي كان غالٍ للغاية وذلك لسببين: الاول يتعلق بطبيعة الائتلاف الحكومي فبعد أن صرح نتانياهو أنه يسعى لتشكيل حكومة شبيهة لحكومته الثانية (2009-2013) والتي كان حزب العمل شريكا له كونه يريد دائماً غطاءً يسارياً يحميه من العزلة الدولية فسيبقى هذا المرة نتنياهو مع ائتلاف يميني صرف وشركاء مثل نفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان المشهورين بعنصريتهم الفادحة.

أما السبب الثاني فيتعلق برد الفعل الأمريكي على تصريحاته الانتخابية وذلك على خلفية الخلاف بين نتنياهو وأوباما حول الاتفاق المرتقب مع إيران في الموضوع النووي. وإذا تدخل نتنياهو في السياسة الداخلية الأمريكية من خلال إلقائه الخطاب المشهور الذي أدان سياسة أوباما تجاه إيران من على منبر الكونغرس الأمريكي فكان الرد بالمثل من جانب أوباما، إذ وجّه انتقاداً لنتنياهو مما أجبر رئيس الحكومة الإسرائيلية على التراجع عن تصريحاته العنصرية ضد المواطنين العرب وحاول أن يصحح غلطاته من خلال تصريح مبهم يبرر عدم إمكانية الوصول إلى اتفاق مع الفلسطينيين بسبب الوضع المعقد في المنطقة المشحونة بالمخاطر. ومع ذلك بقى أوباما مصراً على موقفه وتوعّد بإعادة النظر في السياسة تجاه القضية الفلسطينية بعد أن اتضح بأن إطار المفاوضات لم يعد قائماً نهائياً. وقد كشفت افتتاحية صحيفة “نيو يورك تايمز” 25 مارس بأن الإدارة الأمريكية تميل إلى السماح بقرار لمجلس الأمن تقدمه فرنسا يحدد بشكل واضح الإطار العام لحل النزاع على أساس حدود 1967، القدس عاصمة مشتركة، وحل قضية اللاجئين.

وإذا أقام أوباما الدنيا وأقعدها فأبو مازن فضّل الصمت ربما بتوصية من الأمريكيين والأصدقاء العرب أو ربما ليس لديه من حل سوى الانتظار. فقد صرح نتنياهو بما كان واضحا منذ اكثر من 15 عاما وهو بأن اتفاق أوسلو قد مات موتاً سريرياً والآن تم دفنه من طرف واحد. الجميع يدرك أنه لا يوجد أي أفق لدولة فلسطينية وليس للسلطة وظيفة سوى إدارة المناطق التي تحت سيطرتها الجزئية، فالسلطة تحكم في النهار والاحتلال يحكم في الليالي، الشرطي الفلسطيني يدير السير أثناء اليوم ويختفي عن الأنظار في الليل تاركاً للاحتلال أن يعيث فساداً واعتداءات على السكان العزل. إن الصمت الفلسطيني يدل على أن السلطة أصبحت هدفاً بحد ذاتها بدل أن تكون وسيلة لإقامة دولة مستقلة. إن ما يشغل بال أبو مازن هو الصراع مع حماس وما يشغل بل حماس هو سيطرتها على غزة. أما ما يفعله نتنياهو فليس من اهتمامهم. كل ما يقومون به هو تهديد بوقف التنسيق الأمني إذا استمرت إسرائيل بمصادرة أموال الجمارك المستحقة للسلطة وكل ما يهمهم هو الرواتب ل- 170 الف موظف في الضفة الغربية وما يهم حماس هو رواتب 40 الف موظف في قطاع غزة، وبين راتب هنا وراتب هناك ضاعت فلسطين.

الاستراتيجية الفلسطينية ما بعد فوز نتانياهو تتمحور حول ما سمي من قبل أشرف العجرمي بمقال نشر على موقع صحيفة “الأيام” تحت عنوان “تغيير في ميزان القوى”. فماذا الذي يقصده الكاتب حين يدعو إلى تغيير في ميزان القوى؟ هو يقصد وحسب أقواله “العامل الدولي والاعتراف بدولة فلسطين في حدود 1967 بدون أي قيد أو شرط ووجودها على طاولة المفاوضات كحقيقة واقعة من خلال التفاوض بين دولتين معترف بهما تناقشان الحدود والأمن والقدس واللاجئين والمستوطنات والمياه والأسرى والعلاقات المستقبلية”. بمعنى آخر، على الشعب الفلسطيني أن يضع مصيره بيد المجتمع الدولي وبالأخص في يد الرئيس أوباما الذي “يعيد حساباته” ويهدد إسرائيل بدعم مشروع القرار الفرنسي. هذا هو نفس الرئيس الذي وضع الشعب السوري فيه كل آماله حتى دمرت سوريا كلها على يد بشار السفاح، وهو الرئيس الذي سلم العراق إلى المليشيات الشيعية التي يقودها الإيراني قاسم سليماني وذلك مقابل صفقة مشبوهة مع إيران، هذا هو الرئيس الذي منح لنتنياهو 6 سنوات كاملة من التفاوض العبثي ولم يتحرك لوقف الاستيطان، والآن وبعد تصريح مجاني سنحت لأبي مازن الفرصة لكي يستمر بسياسته المدمرة.

إن الصمت الفلسطيني هو بمثابة الموافقة مع الموقف الإسرائيلي الذي يدّعي بأن الانسحاب من الضفة الغربية سيؤدي إلى نفس النتيجة التي آلت إليها الأمور في غزة والتنسيق الأمني مع الاحتلال ضد حماس هو أكبر برهان على أن السلطة الفلسطينية تشارك مخاوف إسرائيل بل وتتعاون معها. إن موقف نتنياهو والرد الأمريكي يشيران إلى أن السلطة الفلسطينية جاءت لكي تبقى تحت كل ظرف، فمصالح المنتفعين من هذه السلطة تفوق مصالح الشعب التاريخية. وما دامت السلطة باقية فسيبقى معها الاستيطان، وما دام التنسيق الأمني باقٍ سيبقى معه الانقسام، والقضية نفسها موضع النسيان. التغيير في ميزان القوى يبدأ في التغيير الداخلي قبل الخارجي، في بناء بديل سياسي لفتح وحماس، في بناء جسور التضامن مع القوى الثورية في العالم العربي وفي طرح برنامج ديمقراطي أمام المجتمع الإسرائيلي بعيداً عن التطرف الديني من جهة وعن التنسيق الأمني من جهة أخرى وذلك في سبيل إنهاء الاحتلال. التنازل عن الصراع على كسب الرأي العام الليبرالي في إسرائيل هو خطأ فادح يفيد اليمين الفاشي الذي يدعي بأن لا شريك فلسطيني للسلام. جزء كبير من الشعب الإسرائيلي سئم من نتنياهو واليمين ولكنه لا يجد القيادة السياسية الإسرائيلية التي تضع النقاط على الحروف، إن فقدان البديل السياسي هو مرض اسرائيلي وفلسطيني على حد سواء ودون هذا البديل سيستمر الوضع على ما هو عليه الآن.

אודות