هبّة الأقصى تعمّق الفراغ السياسي

ها هيَ هبّة الاقصى قد أُخمدت بفضل الاتفاق بين إسرائيل والأردن الذي أنجز بوساطة أمريكية وحدد مجدداً الصلاحيات حول باحة الحرم الشريف بين الوقف وإسرائيل. وقد صرّح نتانياهو باللغة الإنجليزية أنه لا يحق لليهود الصلاة في باحة الحرم وتحقّ الصلاة للمسلمين فقط. ومع ذلك فإن موجة السكاكين لم تنته بعد لأن ما يرضي الملك الأردني لا يرضي رئيس السلطة الفلسطينية الذي يقول وبحق أن الهبة لم تكن حول مصير الأقصى فقط بل حول مصير فلسطين، وموضوع الاحتلال والإستيطان لا يمكن أن يُحل بإعلان العودة إلى الوضع السابق للهبّة أو من خلال بضع كاميرات لمراقبة ما يجري في باحة الحرم. إن الهبة لم تكن دينيّة بحتة في طبيعتها مثلما صورتها الحركة الإسلامية، بل إنها سياسية وهي ناتجة عن المأزق والجمود في مسار التفاوض والمعاناة المستمرة لسكان الضفّة، غزّة والقدس وخاصة الشباب الفلسطيني الذي لا يجد مستقبلاً له في ظل الاحتلال ولذلك فإنهم يخرجون إلى الشوارع مطالبين بإيجاد حل لأوضاعهم المأساوية.

إن ما فاجأ الحكومة الإسرائيلية لم تكن عمليات الطعن بالسكاكين في القدس، فظاهرة الدهس والطعن مستمرة منذ مقتل وحرق الشاب المقدسي محمد أبو خضير وتضاعفت بعد حرق منزل عائلة الدوابشة في قرية دوما. ولكن ما أقلق الحكومة هي الهبّة الجماهيرية والعمليات التي تمت داخل إسرائيل نفسها من قبل مواطنيها العرب على امتداد فلسطين 48 في الجليل، المثلث والنقب. فالتداخل الساكني بين المواطنين العرب واليهود يشمل كل قطاعات الحياة في إسرائيل. إن الطبيب في المستشفى، الصيدلاني، مقاول البناء، المعلم، سائق الباص والتاكسي، البائع في المراكز التجارية ومئات الآلاف من العمال العرب هم جزء لا يتجزأ من الواقع الاقتصادي والاجتماعي الإسرائيلي. إن التمييز بحق العرب لا يمنع الاختلاط والتعامل اليومي بين الشعبين، والهبّة الجماهيرية الأخيرة وتحديداً الاعتداءات المتبادلة والاعتداء على مواطنين يهود من أصل شرقي من قبل مواطنون يهود اشتبهوا بأنهم عرب، بثّ الرعب والقلق عند المواطنين العرب واليهود على حد سواء وهدد بشلّ الحياة في إسرائيل.

وقد أثر هذا الواقع المرعب تأثيراً بالغاً على الساحة السياسية، ووضع حداً لفرضية اليمين التي تقول بأن الشروط للحل مع الفلسطينيين غير مواتية وكل ما علينا هو إدارة الأزمة بدلاً من حلها. وقد استبدل نتانياهو الحل السياسي ب”السلام الاقتصادي” بالادعاء أن الفلسطينيين سيتعايشون مع الاحتلال مقابل التحسن في وضعهم الاقتصادي. غير أن الهبة الأخيرة أثبتت أن ادعاءات نتانياهو كانت كاذبة ومضللة. إذ يقول كل من له باع في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أن استمرار الجمود السياسي سيقود لا محالة إلى انتفاضة ثالثة ولا بد من الدخول في عملية سياسية ووقف الاستيطان. وقد زادت الهبّة الفلسطينية من عزلة حكومة نتانياهو التي لجأت إلى الملك الأردني وإلى الصديق الأبدي الأمريكي لكي ينقذوها من الورطة، بل وحتى إنه جدد الدعوة لحزب العمل بقيادة إتسحاق هرتسوغ للانضمام إلى “حكومة طوارئ” لمواجهة الوضع الأمني الخطير.

إن رد هرتسوغ في خطاب ناري في الكنيست كان واضحاً: حزب العمل لن ينضم إلى حكومة اليمين التي تقود إسرائيل نحو كارثة سياسية وأمنية. فقد استغل هرتسوغ فشل نتانياهو في ضمان سلامة المواطن الإسرائيلي وأمنه لكي يفتح شبه حملة انتخابية من خلال التهجم على حكومة اليمين التي تقود حسب أقواله إلى تشكيل دولة واحدة يسميها “إسراطين” والتي سيفقد اليهود الأغلبية فيها، ستمتد من النهر إلى البحر وإسرائيل ستفقد هويتها اليهودية والديمقراطية.

واضح من هذا الكلام أن هرتسوغ يلعب بعواطف المواطن وخوفه من العرب ويعمل على سحب البساط من تحت أقدام اليمين من خلال خطاب يميني وعنصري جذاب للقاعدة الانتخابية لليمين. إن الحل السياسي الذي يقترحه حزب العمل ليس أفضل من الليكود، ويدعو هرتسوغ إلى “مؤتمر إقليمي” يشمل حلفاء إسرائيل العرب مثل مصر، الأردن والسعودية برعاية أمريكية بدلاً من الإشتباك بمفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، فهرتسوغ مثل نتانياهو يعتقد أن ليس لإسرائيل شريكاً فلسطينياً للوصول إلى حل.

لكن الملاحظ أيضا أن حزب العمل لا يرى في القائمة العربية المشتركة التي تجمع بين الحركة الإسلامية والحزب الشيوعي والتجمع شريكاً في المعركة ضد اليمين بل يرى في الأحزاب الدينية الأرثوذكسية وحزب “كلنا” (برئاسة وزير المالية كاحلون) المتحالفة حلياً مع نتانياهو إضافة إلى حزب “يوجد مستقبل” المعارض، كحلفاء في حكومة مستقبلية بقيادة حزب العمل علماً بأن كل هذه الأحزاب تقف إلى يمينه.

وقد حيّد هذا الموقف دور القائمة المشتركة في البرلمان مما دفعها بشكل مباشر نحو نفس الخندق مع الحركة الإسلامية إلى تبنّي الشعار المشهور “الأقصى في خطر” والذي ليس سوى غطاء لفكرة الخلافة الإسلامية على نمط تنظيم القاعدة بكل أشكاله وفروعه.

إن القائمة المشتركة تشكلت تلبية لمطلب جماهيري واسع في صفوف المواطنين العرب الذين أرادوا أن تتوحد كل الأحزاب العربية من أجل تشكيل كتلة انتخابية كبيرة ومؤثرة لتغيير السياسة الحكومية تجاه المواطنين العرب وتحديداً بكل ما يتعلق بالقضايا المعيشية الحيوية مثل التعليم، التشغيل، الإسكان وتطوير البنية التحتية في القرى والمدن العربية. إن الرسالة كانت واضحة – علينا ان نستغل ثقلنا الانتخابي من أجل إحداث تغيير حقيقي وليس من أجل زيادة عدد المقاعد من خلال شعارات قومجية رنانة لا فعل حقيقي لها. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً. فمن حدد الأجندة السياسية كان الشيخ رائد صلاح رئيس الجناح “الشمالي” للحركة الإسلامية وهو لا يؤمن من حيث المبدأ بالعمل البرلماني ومن هنا فإنه مستعد لحرق كل الجسور مع المجتمع الإسرائيلي.

وقد كشفت هبّة الأقصى عن طبيعة الكتل السياسية المختلفة، ففي الوقت الذي يبقى اليمين دون برنامج واقعي يضمن للمواطن اليهودي الأمن والطمأنينة فإن اليسار الصهيوني ينافس الحكومة من خلال التوجه نحو اليمين في الوقت الذي تراجعت القائمة المشتركة إلى مواقف قومية ودينية تضع المواطن العربي في مواجهة مباشرة مع المجتمع الإسرائيلي ككل دون أن تكون له أبسط مقومات الصمود أو حتى الإستعداد لمثل هذه المواجهة.

في ظلّ هذا الواقع يبقى المواطن العربي الذي يطمح إلى حل سلمي وحقوق متساوية ومجتمع منفتح دون عنوان سياسي مثلما يبقى المواطن اليهودي الذي يبحث عن حل جذري والتعايش السلمي مع الفلسطينيين ليس على أساس الابتعاد بل على أساس حياة مشتركة مبني على الإحترام للحقوق القومية للفلسطينيين دون عنوان سياسي. فالكثير ممّن صوتوا لحزب العمل وميريتس مستائين من خطاب هرتسوغ اليميني وفي نفس الوقت يستاء كثيرون من ناخبي القائمة المشتركة العرب من أدائها الضعيف وانجرارها وراء التطرف الديني.

إن التغيير الجذري داخل المجتمع الإسرائيلي لا يمكن أن يحدث في حالة الإنقسام القائم بين اليهود والعرب في البلاد. من البديهي أنه لا يمكن للعرب أن يغيّروا من السياسة الحكومية دون أن يكون لهم حليف في الشارع الإسرائيلي، ومن البديهي أيضاً أنه لا يمكن إسقاط اليمين دون حليف عربي. إن الإنقسام بين اليهود وبين العرب يخدم اليمين الذي يدّعي بأن هذه الوحدة مستحيلة نظراً لطبيعة العرب وعدوانيتهم تجاه اليهود مثلما تدّعي الحركات الإسلامية بأن اليهود كفّار لا يمكن التحالف معهم. والحقيقة هي أنه يوجد قاسم مشترك واسع بين هؤلاء اليهود الذي يؤمنون بالمساواة ويرفضون الاحتلال رفضاً قاطعاً وبين العرب الذين يرفضون التطرف الإسلامي الذي يكفّر كل من لا يخضع لاجتهاداته.

فاذا كان اليمين خطراً على المجتمع الإسرائيلي فإن التطرف الإسلامي خطر على المجتمع العربي. وكل من يريد تغييراً اجتماعياً لا يمكنه أن يعتمد على مبادئ العنصرية التي تحكم الانسان حسب أصله العرقي أو الديني بل على مبادئ القيم العامة التي تحكم المجتمع الديمقراطي العصري.

إن الفراغ السياسي الراهن لا بد أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تشكيل جبهة سياسية يهودية عربية على أساس قواسم مشتركة لكلا الشعبين كي نضع حداً لحلقات سفك الدم المتكررة. نعم الاحتلال هو مصدر النزاع والحرب، الإستيطان هو الخطر الحقيقي على المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، والطريقة الأمثل لمكافحتهم هي الوحدة بين كل من يؤمن بالقيم الديمقراطية والمساواة بين الناس. هذا هو الرد المناسب والبديل للسياسات المسيطرة على الساحة منذ عقدين من الزمن والتي قادت البلاد والمنطقة إلى الهاوية الحالية.

תגיות:

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.