هل من بديل للقائمة المشتركة؟

تشهد الساحة السياسية في إسرائيل حالة من الغليان، ومصير حكومة التناوب بين نتنياهو وغانتس بات على المحك وهي تعيش “من قلة الموت”، والمعارضة تضع مشروع قرار لحل الكنيست على الطاولة، والأجواء تتجه نحو الانتخابات ويبدو أنها قادمة لا محالة. استطلاعات الرأي الأخيرة كانت واضحة جداً وتشير إلى أن حزب الليكود يتفوق على جميع منافسيه، وكتلة اليمين زادت من قوتها في الوقت الذي فيه تجد المعارضة الليبرالية نفسها في حالة من اليأس والإرباك، وهي التي أخذت على عاتقها إسقاط نتنياهو كهدف أساسي.

نتنياهو اليوم يتمتع بدعم من الأحزاب الدينية المحافظة التي تمنحه قاعدة ائتلافية واسعة، بينما المعارضة تعتبر بحكم المهزومة لأن الـ 15 مقعد التابعة للنواب العرب لا تأخذ بالحسبان. ويعود السبب في ذلك إلى نجاح نتنياهو في تحييد “القائمة المشتركة” ونزع شرعيتها السياسية في الساحة الإسرائيلية، وكل من يقترب منها يتهم بالخيانة “والحب الزائد للعرب”.

التحالف الغريب بين الحركة الإسلامية ونتنياهو

الأكثر غرابة أن ما يحاول نتنياهو منعه على المعارضة عبر ضخه خطاب تحريض عنصري ضد النواب العرب، هو نفسه لا يجد حرجاً في استخدام أصوات نواب الحركة الإسلامية لتمرير مآربه وخططه.

والشاهد على هذا هو العلاقة النفعية المتبادلة والضمنية، التي تجمع نتنياهو بالحركة الإسلامية، وعلى الرغم من أنها علاقة غير مباشرة إلا معالمها اتضحت خلال الشهور الأخيرة فقد صوتت الحركة الإسلامية، المرة تلو الأخرى، مع الليكود واليمين، على سبيل المثال في التصويت على اختيار مراقب الدولة وفي إلغاء القرار القاضي بتشكيل لجنة تحقيق في موضوع الغواصات.  والأمر الذي يثبت هذه العلاقة ويحوّل الشبهات إلى دلائل تصل إلى درجة العقيدة السياسية هو اختيار رئيس كتلة الحركة الإسلامية في الكنيست، النائب منصور عباس، “القناة 20” التابعة للمستوطنين لتوضيح موقفه حول العلاقة بينه وبين نتنياهو، وحدد النائب عباس خلال المقابلة التلفزيونية موقفه الذي يشبه العقيدة التي اعتمدت عليها حركة فتح في السابق المتمثلة بمقولتها الشهيرة: “لا يسار ولا يمين فتح هي اليقين“. ولكن منصور عباس لا يقول الحقيقة كلها وهي أنه بالنسبة للحركة الإسلامية لا يوجد فرقاً بين اليمين واليسار الإسرائيلي وتبقى الديمقراطية بالنسبة لها كفراً، ومن أجل إزاحة أي شك بالنسبة لوجهة نظره قال عباس في المقابلة: “في القضايا الاجتماعية وقضايا الدين والدولة نحن نجد أنفسنا قريبين أكثر من اليمين الإسرائيلي وعلينا أن نخدم الجماهير التي انتخبتنا”.

“الأزمة داخل القائمة المشتركة حقيقية وانشقاقها بات مسألة وقت، بسبب فشلها في إسقاط نتنياهو وفي خدمة المجتمع العربي الذي يعاني من فقدان القيادة بسبب فشل القائمة والسلطات المحلية في احتواء الوباء”.

شركاء النائب عباس في القائمة المشتركة من أحزاب الجبهة والتجمع العربية للتغيير عبروا عن اشمئزازهم من مواقفه، لكنه في الواقع قام بتعرية وكشف لفشل القائمة المشتركة الذريع بتحقيق هدفها الرئيسي المعلن وهو إسقاط نتنياهو وكذلك في هدفها الثاني والمعلن بخصوص خدمة الجماهير العربية من خلال مشاريع قوانين وميزانيات تحمي مصالح الجماهير اليومية. فما يكشفه تصرف عباس الانتهازي هو عدم وجود قاسم مشترك لأحزاب المشتركة وغياب الايديولوجيا والبرنامج السياسي المشترك وبقاءها معزولة عن القرار السياسي الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل من أدائها في صفوف الجماهير. فكلما زاد عدد أصوات القائمة المشتركة في الكنيست يزيد الشعور بخيبة أمل جراء عجزها عن تحقيق مكاسب سياسية أو مادية لصالح ناخبيها العرب. وإذا نظرنا لما يحدث في المدن والبلدات العربية في إسرائيل بكل ما يتعلق بتفشي فيروس كورونا حيث يشكل العرب 40% من مجمل مصابي كورونا في إسرائيل، الأمر الذي يكشف فقدان القيادة وفشل السلطة المحلية العربية والقائمة المشتركة في احتواء الوباء كونهما عديمتا المصداقية. ومن هنا فالأزمة داخل القائمة المشتركة حقيقية وانشقاقها أصبح مسألة وقت.

المعارضة اليسارية الإسرائيلية في مأزق

في صفوف أحزاب اليسار الإسرائيلي – العمل وميرتس – هناك شعور قوي بالفشل على ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة (قائمة العمل وميرتس المشتركة حصلت على 7 مقاعد فقط من أصل 120 مقعداً). وقد برزت في الآونة الأخيرة أصوات في اليسار الإسرائيلي توصلت إلى استنتاج مفاده من دون الأصوات العربية لا يمكن إسقاط نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة. وعلى هذا الأساس قامت مبادرات مختلفة لتشكيل ما يسمى “قائمة يهودية – عربية” عشية الانتخابات القادمة. فقد بادر رئيس بلدية حيفا السابق يونا يهاف ورئيس بلدية الناصرة الحالي علي سلام لتشكيل مثل هذه القائمة. وصرح يونا يهاف لجريدة “يديعوت حيفا” (عدد 27/11) بأنه سيترأس القائمة وراح يصفها متفاخراً بالقول: “هذا حدث تاريخي فالعرب سيقرون بأن إسرائيل هي دولة للشعب اليهودي. أعتقد أننا أمام ثورة تحدث داخل الجماهير العربية، نحو الأسرلة، نتيجة الرغبة لتكون شريكًا كاملًا في الحقوق والواجبات”.

لكن يبدو أن هذه المبادرة ولدت ميتة، ولم تستفد من تجارب الماضي، وجاءت هذه المبادرة لتحل المعضلة التي تحدث عنها النائب عباس التي تختصر في السؤال – كيف يمكننا أن نكون شركاء متساويين مع اليهود. ويجاوبه السيد يونا يهاف بوضوح: عليك القبول بيهودية الدولة وبالتالي يصبح العربي “مقبولاً” ويتمكن من نزع تهمة الطابور الخامس عنه ويسهّل الطريق أمام الشراكة مع الأحزاب الإسرائيلية.

حزب ميريتس الذي يعتبر صوت اليسار الإسرائيلي الرئيسي أجرى مؤخراً نقاشاً حول نفس الموضوع، وذلك بعد أن شارك رئيس الحزب، النائب نيتسان هوروفيتس، في حوار مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حول إمكانية خوض الانتخابات القادمة بقائمة مشتركة يهودية-عربية. إلا أن الحوار لم يحقق نتائجه بسبب الخلافات الأيديولوجية، ففي حين يصر زعيم ميريتس على التمسك بالصهيونية كأساس فكري وعقيدة للحزب تبقى الجبهة متمسكة بتراثها الشيوعي مما يفشل أي محاولة لبناء تحالف سياسي جديد. ورغم إدراك كل الأطراف بأنه من دون الوحدة بين اليهود والعرب من المستحيل استبدال تحكم اليمين بالسلطة، إلا أن الأسوار القومية العالية التي يبنيها الجميع حول نفسه تمنع الوحدة. فما دام العرب يتمسكون بأيديولوجياتهم القومية واليهود بالصهيونية فالرابح من دون شك هو اليمين العنصري الذي عبر عن موقفه في سن قانون القومية الذي شطب الوجود العربي وحقوق المواطنين العرب في الدولة ومنح للشعب اليهودي الحق بالسيادة المطلقة والمنفردة على الدولة.

“من المستحيل استبدال تحكم اليمين بالسلطة، من دون الوحدة بين اليهود والعرب، إلا أن الأسوار القومية العالية التي يبنيها الجميع حول نفسه تمنع هذه الوحدة. فما دام العرب يتمسكون بأيديولوجياتهم القومية واليهود بالصهيونية فالرابح من دون شك هو اليمين العنصري”.

الانغلاق القومي يخدم التطرف اليميني في كلا الطرفين

السؤال المصيري الذي لم يُطرح حتى الآن هو: هل من برنامج سياسي أو ايديولوجيا تسمح ببناء شراكة يهودية عربية أو إسرائيلية فلسطينية حقيقية؟ الجواب باعتقادي هو نعم وبالتأكيد. لكن ذلك يتطلب تركيز التفكير نحو المستقبل وليس نحو الماضي. فكل من يعتمد على الماضي، إسرائيلياً كان أو فلسطينياً سيصل إلى طريق مسدود. فعندما نركز على الماضي سنجد أنفسنا في مواجهة مع الطرف الأخر وندخل في معركة حول السؤال هل هو “عيد “الاستقلال” أم أنه “يوم النكبة”؟ يحارب الطرفان بعضهما البعض بين قانون العودة لليهود وبين حق العودة للفلسطينيين، وبين حق تقرير المصير لليهود على حساب حق تقرير مصير للشعب الفلسطيني.

إن استدامة النزاع القومي لفترة تجاوزت المئة عام لعبت دوراً لصالح طرفين هما اليمين الإسرائيلي والتطرف القومي العربي: من ناحية يدعي اليمين الإسرائيلي المتطرف بـأنه لا حل ولا سلام ولا مستقبل مشترك للفلسطينيين وللإسرائيليين والحرب بينهما ستستمر إلى الأبد. ومن الناحية الأخرى يدعي أنصار الحركات الدينية والقومية المتطرفة في الجانب الفلسطيني بأن النزاع مع اليهود هو عقائدي وليس له حل.

إذاً، النتيجة واضحة الملامح بحيث تؤدي سيطرة الجناح المتطرف المنغلق في كلا الطرفين إلى انقسام إيديولوجي داخل المجتمع الاسرائيلي واحتدام الصراع حول شخصية نتنياهو المتهم بثلاثة تهم جنائية خطيرة، وفي المقابل هناك حالة تفكك في المجتمع العربي، الذي يعاني من عنف مستشري وسيطرة العائلات على الحكم المحلي وهيمنة المتدينين على الحيز العام مثلما رأينا مؤخراً عندما منعت النائبة عايدة توما سليمان من إلقاء محاضرة حول العنف ضد المرأة في قرية قلنسوة. وتبرز أزمة القيادة والمجتمع تحديداً في المواجهة الفاشلة للبلدات العربية مع وباء كورونا والانتشار الواسع للوباء في الشارع العربي.

“حان الوقت ليدرك الفلسطينيون بأن حقهم في تقرير المصير لن يتحقق بمعزل عن تغيير سياسي عميق على الساحة الفلسطينية والإسرائيلية في آن واحد”

الربيع العربي وفوز الديمقراطيين.. يشكلان فرصة

الحل للوضع الصعب الذي بينّاه هنا يكمن في النظر لما يحدث في العالم لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشير سقوط ترامب وفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية إلى تغيير سياسي عميق تمر به الولايات المتحدة الأمر، يتمثل في البرنامج الذي طرحه بايدن في مواجهة نهج ترامب القومي العنصري المنغلق، والذي وضع النظام الديمقراطي في خطر. إن أمريكا اليوم تضع النقاط على الحروف من خلال برامج تشدد على: أولا إنقاذ المعمورة من الاحتباس الحراري، ثانياً اقتصاد يخدم العمال وليس الاحتكارات العالمية وأسواق المال، ثالثاً القضاء على العنصرية ضد السود والأقليات وإصلاح قوانين الهجرة، والاستثمار في بنى تحتية خضراء، والتشبيك مع العالم لحل القضايا ذات الشأن المشترك. هذه الأسس ممكن أن تترجم على مستوى العالم العربي فقد حمل الربيع العربي الكثير منها، أما على المستوى الإسرائيلي الفلسطيني فالأمر يستوجب إزالة الحواجز القومية وتبني فكر ديمقراطي يتعاطى مع كل إنسان بشكل متساو.

“أسس الاقتصاد الأخضر الذي يقترحه حزب دعم لا يمكن أن يتحقق من دون بناء دولة واحدة من النهر إلى البحر للإسرائيليين والفلسطينيين كجزء من محيط عربي ديمقراطي جديد “

إن العالم في صيرورة دائمة إلى الأمام ولا ينتظر الإسرائيليين والفلسطينيين لكي يحلوا قضيتهما القومية. فهو يتقدم إلى المرحلة ما بعد القومية. وقد أدرك السود الأمريكان أن الحل لن يكون في حق تقرير مصيرهم بمعزل عن التغيير السياسي في أمريكا، وقد حان الوقت ليدرك الفلسطينيون بأن حقهم في تقرير المصير لن يتحقق بمعزل عن تغيير سياسي عميق على الساحة الفلسطينية والإسرائيلية في آن واحد.

نعم، نحن نعيش واقع مختلف ومع ذلك الاحتباس الحراري يوحدنا والسعي إلى الديمقراطية والمساواة يوحدنا ورغبتنا جميعاً بالعدالة الاجتماعية توحدنا والاقتصاد العالمي وضرورة خلق التعاون والتفكير به توحدنا ووباء كورونا وحاجتنا الملحة لمحاربته توحدنا والإنترنيت يوحدنا وكذلك برمجيات العقل الاصطناعي الذي لا جنس ولا قوم له. الحل السياسي لا يمكن في أن نكون بمعزل عن الثورة الفكرية والتكنولوجيا التي تحتل العالم. نحن في حاجة لاقتصاد واحد، وتحديث تكنولوجي واحد، تعليم واحد، صحة واحدة، مكان عمل محترم للجميع. هذه أسس الاقتصاد الأخضر الذي يقترحه حزب دعم والذي لا يمكن أن يتحقق من دون بناء دولة واحدة من النهر إلى البحر للإسرائيليين والفلسطينيين كجزء من محيط عربي ديمقراطي جديد.   

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.