وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم العمالي، تموز 2012

حزب دعم يخترق الساحة السياسية

في الأشهر الثلاثة التي مضت على انعقاد الاجتماع الاخير للجنة المركزية، مر حزب دعم بنقلة نوعية في مكانته على الساحة السياسية، الامر الذي سينعكس على عملية البناء الحزبي. في الوثيقة المقدمة للاجتماع السابق حددنا المهمات الاساسية وهي المشاركة في الحراك الاحتجاجي، دعم الربيع العربي، تشكيل وتعزيز اللجان المحلية والكتل الطلابية، إنجاح الأول من ايار والمؤتمر الفكري في الناصرة أواخر حزيران. وقد انجزنا هذه المهمات على اتم وجه، وفي مناخ جديد تم خلاله كسب تأييد الرأي العام والالتفاف المتزايد حول موقفنا السياسي. 

مشاركتنا في تنظيم مظاهرة الاول من ايار في تل ابيب وحيفا والقدس كسرت الطوق حول حزب دعم، وفنّدت الادعاءات المغرضة حول فئويته وعدم استعداده للتعاون مع المؤسسات الاخرى. مشاركتنا الحماسية في المظاهرة وخطابنا السياسي من على المنصة أكسبانا احترام الجمهور وأبرزا دورنا كحزب ريادي ثوري داعم للثورة العربية والشعبين السوري والفلسطيني ومساند للعمال اليهود والعرب داخل اسرائيل.

بعد ان كسرنا الجليد بذلنا جهدا كبيرا في إعادة احياء الحراك الاحتجاجي، وسعينا لتوحيد قادة الحراك التي انشقت على بعضها البعض لأسباب فئوية، سياسة او شخصية. وكان علينا ان نواجه التيارات الفوضوية داخل الحراك التي آثرت تنظيم حلقات نقاش بدل المظاهرات وسعت جاهدة لعدم إفساح المجال لدخول الحركات السياسية او الاجتماعية المنظمة. بعد جهد مشترك مع عناصر مختلفة تم تنظيم مظاهرة جماهيرية في الثاني من حزيران في تل ابيب.

ومع اننا لعبنا دورا أساسيا في توحيد الحركة الا انه في المظاهرة نفسها منعت مندوبة الحزب وفاء طيارة من القاء كلمتها على المنصة، كونها لا تنسجم مع الرسالة السياسية التي حاول حزب العمل فرضها من خلال حركة الشباب “درور يسرائيل” التي تمثله في الائتلاف ومفادها التركيز على الجانب الاقتصادي الاجتماعي للنضال دون ذكر الاحتلال وانعدام المساواة للمواطنين العرب.

ولكن إقصاء الرفيقة وفاء لم يقابَل منا بالصمت، بل وجد خطابنا طريقه الى الجماهير بشكل اقوى من خلال منصة بديلة وهي اليوتيوب. فقد انتشرت كلمة العتاب للرفيقة اسماء اغبارية من خلال اليوتيوب الى 16000 مشاهد، تفسر فيها بغضب الطريقة الفئوية والعنصرية التي تصرف بها من ادار المنصة من اعضاء حزب العمل والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والذين سعوا لاعادة عجلة التاريخ للوراء وفرض الطوق على حزبنا من جديد، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك وفضحوا على الملأ. ولم يكتف الخطاب بالعتاب، بل بسّط وبشكل دقيق برنامج ورؤية الحزب العمالية والأممية لدرجة أكسبتنا تأييد وتعاطف الجمهور اليساري والديمقراطي في اسرائيل.

كرد فعل على اليوتيوب اتصلت بنا دافني ليف التي تعتبر رمز الحراك الاحتجاجي منذ نصبت اول خيمة في جادة روتشيلد في 14 يوليو الصيف الماضي، لتعرب عن تضامنها واستعدادها للتعاون المستقبلي. ودعتنا للمشاركة في مبادرتها إنشاء خيمة في جادة روتشيلد يوم الجمعة 22 يونيو. وانتهى العمل الاحتجاجي بقيام رجال امن البلدية والشرطة بالاعتداء بالضرب على ليف واعتقالها مع عدد من الناشطين. وردا على ذلك امتلأت شوارع تل ابيب بآلاف المتظاهرين ليلة السبت التالية، وكسر بعضهم واجهات البنوك ولقوا رد فعل عنيف من الشرطة، الذي احتل عناوين الصحف وأثار موجة شجب ضد تصرف الشرطة وبلدية تل ابيب تجاه المحتجين.

بعد شهور طويلة من الفراغ القيادي عادت دافني ليف الى مركز الحدث، وعزلت بذلك الاحزاب المتنفذة التي خنقت الاحتجاج من خلال جره نحو مصالحها الحزبية، الأمر الذي فتح المجال لتنشيط الحركة من ناحية وخلق هامشا لنشاطنا.

توجهت كل الانظار نحو ال14 من يوليو، مناسبة مرور سنة على انشاء اول خيمة في جادة روتشيلد، وكان المخطط تنظيم مظاهرة كبيرة في تل ابيب. ورغم محاولات شق صفوف الحركة التي قادتها ليف مع زملائها من حركة J14، وتنظيم مظاهرة في نفس اليوم في موقع آخر، الا ان ليف نجحت في حشد نحو 10000 متظاهر، مما دل على حيوية الحركة. في هذه المظاهرة دعيت الرفيقة اسماء لالقاء خطاب في احدى المنصات الخمس التي اقيمت على طول شارع كابلان بتل ابيب.

نجح خطابنا الذي ربط بين العدالة الاجتماعية والمساواة للمواطنين والعرب والسلام على اساس انهاء الاحتلال، في كسب تأييد شرائح جديدة من الجمهور الاسرائيلي. وبطبيعة الحال ما سيطر على الحدث كان قيام المتظاهر موشيه سيلمان بإضرام النار في نفسه احتجاجا على وضعه الاقتصادي والاجتماعي الصعب وتحميل المسؤولية لرئيس الحكومة نتانياهو ووزير ماليته يوفال شتاينيتس.

حركة الاحتجاج والجماهير العربية

ماذا يريد الحراك الاحتجاجي؟ تصعب الاجابة على هذا السؤال، فالحركة متعددة التيارات والآراء، وهي تختلف من مدينة لأخرى. ففي حيفا والقدس مثلا يلعب حزب العمل دورا اساسيا، بينما في تل ابيب تنشط جماعات مختلفة والجو السائد هو معارضة مبدئية للاحزاب والسياسة وعدم ثقة مطلق بالكنيست والحكومة. تنقسم المجموعات المختلفة في تل ابيب بين من يريد ان يستند للاحياء الفقيرة في جنوب المدينة رغم عنصريتها السافرة ضد المهاجرين الافارقة والسودانيين بتشجيع من اليمين الفاشي، فيما تسعى مجموعة اخرى للتركيز على النشاط حول غلاء المعيشة او السكن وغيره من المواضيع الاجتماعية؛ وهناك من يريد ان يستغل الاحتجاج من اجل الانضمام لاحقا الى حزب من الاحزاب في الكنيست. اما مجموعة دافني ليف فتريد الاستمرار في التظاهر في مركز تل ابيب وهذه رؤية نشاركها بل واثبتت نجاحها.

اما جمهور المتظاهرين فهم بأغلبيتهم من الشباب الذي وصلوا الى المدينة مع احلامهم الكبيرة بحثا عن مكان عمل، سكن، وامكانية بناء مستقبل في مدينة توفر لهم حياة ثقافية وتربوية غنية. الحراك هو تعبير عن تلاشي الاوهام وانفجار الغضب تبعا لذلك. يستاء هؤلاء الشباب من زواج السلطة برأس المال، وانتقال الجنرالات للعمل في الشركات الاحتكارية لقاء راتب يفوق عشرات اضعاف راتب العامل، انهم يرون كيف يسرق الاغنياء اموال الشعب الكادح وتوفيرات التقاعد، ويشهدون تقلص الخدمات الاجتماعية مثل الصحة، التعليم، السكن، الثقافة. لقد ادركوا انهم شباب بلا مستقبل مضمون.

ما يريده الشباب هو التغيير، التراجع عن النهج الرأسمالي الوحشي والعودة للرأسمالية المعتدلة التي تضمن الخدمات الاساسية للمواطن. ولكن المشكلة الاساسية التي يعاني منها الشباب والناشطين في حركة الاحتجاج هو عدم وجود آلية لتنفيذ برنامجهم، فلا ثقة لهم في الاحزاب ولا يريدون حتى تشكيل احزاب مستقلة، لان السياسة بالنسبة لهم تقود الى الفساد والتعاون مع رأس المال. اما الشباب الذين يرون في السياسة وسيلة، فهم ينخرطون في الاحزاب الموجودة التي تتميز بتحجرها الفكري وانحيازها لرأس المال.

اذن، ما الذي نبحث نحن كحزب في هذه الحركة؟ اولا، من المهم ان نؤكد ان نفوذ الحركة الاحتجاجية على السياسة الاسرائيلية مهم وله انعكاسات عديدة. انها حركة تثير علامات استفهام حول الحكومة ومبادئ الدولة نفسها، رغم انها تتمسك بشكل او بآخر بالصهيونية كايدولوجيا مفادها حق اليهود في “دولة يهودية”، الا ان الاغلبية الساحقة لا تؤمن بمبادئ اليمين المتطرف والمستوطنين ولا تدعم الاحتلال. بل اكثر من ذلك، هؤلاء هم الشباب الذي يرفض، ولو بشكل هادئ، الخدمة العسكرية، كما انه ضد التمييز العنصري بحق المواطنين العرب. هذه الشريحة العلمانية الليبرالية لا تطيق اليمين ومبادئه القومية والدينية وتشكك في اهداف الحكومة مثل التهديد بإعلان الحرب على ايران والقمع المستمر في المناطق المحتلة.

هذا التوجه العام الذي هو نتيجة لتطور مستمر منذ سنوات طويلة من تآكل في مصداقية الجيش الاسرائيلي، الحروب التي لا تحظى بإجماع قومي، والهوة الاجتماعية الشاسعة بين الاغنياء والفقراء، يبقى محدودا سياسيا ما دام معزولا عن المواطنين العرب وطالما انه لا يدمج مطلب انهاء الاحتلال بمطلب العدالة الاجتماعية. التغيير الجذري في المجتمع الاسرائيلي يفترض هزم اليمين والنهج الرأسمالي الوحشي. المجتمع الديمقراطي لا يمكن ان يقوم الا على اساس المساواة بين كل المواطنين دون تمييز قومي، وانهاء الاحتلال وقمع حريات الشعب الفلسطيني.

التغييرات الحاصلة في المجتمع الاسرائيلي تشكل فرصة كبيرة امام الشعب الفلسطيني والمواطنين العرب في اسرائيل لطرح مواقفهم السياسية والاجتماعية في آن. القضايا التي تعاني منها الجماهير العربية في اسرائيل ليست من مسؤولية دافني ليف، بل مسؤولية الشباب العرب. قيام موشيه سيلمان بإضرام النار في نفسه هو علامة بأن الامور وصلت الى ذروتها وان المجتمع الاسرائيلي يتغير باستمرار. واكثر من ذلك، ان ما يطالب به الشباب اليهود والفقراء يتناسب مع مطالب الجماهير العربية في اسرائيل. فقضايا الفقر والبطالة، تقلص الخدمات الصحية، تدني مستوى التعليم، والعمل دون حقوق اجتماعية، تشكل كلها قاسما مشتركا للمجتمعين. خروج الشباب العرب والجماهير عموما لتغيير هذا الواقع يمكن ان يكسبهم دعم وتضامن الشباب اليهود الذين يناضلون على امور مماثلة، بل ويخلق امكانيات وفرص للتنسيق.

ان الانشغال بالموضوع “القومي” وإبراز دور الضحية وفضح الطبيعة العنصرية للدولة لم يجلب النفع حتى الآن، وتوجيه اصابع الاتهام الى المجتمع “اليهودي” ككل دون تمييز بين يمين ويسار بين ديمقراطي وفاشي، يخدم النخبة المثقفة النافذة في المجتمع العربي من ناحية ويصب في مصلحة اليمين الاسرائيلي، ولا يغيّر من وضع الجماهير العربية قيد انملة. ان الموضوع القومي لا يقتصر على النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948، بل تعبيراتها الحالية هي التمييز في كل مرافق الحياة من تشغيل، تعليم، الى سكن وارض واقتصاد وغيره. المهمة الوطنية الآن هي تغيير النهج القديم والانتقال من استراتيجية اتهام المجتمع الاسرائيلي الى قيادة الاحتجاج جنبا الى جنب مع الشباب اليهود الذين سئموا الدولة وسياستها.

ان المهمة الملقاة على الشباب العرب مزدوجة: إحداث التغيير الاجتماعي الداخلي من خلال نقل المجتمع المحافظ من التخلف الاجتماعي نحو مجتمع عصري، من مجتمع ابوي حمائلي نحو مجتمع منفتح ديمقراطي، من مجتمع يقمع المرأة الى مجتمع يضمن المساواة بين الجنسين، من مجتمع يستعمل العنف في كل مرافق الحياة الى مجتمع ينبذ العنف، من مجتمع يفتقد للثقافة الى مجتمع مثقف. في نفس الوقت عليه ان يطرح برنامجا من اجل تغيير المجتمع الاسرائيلي ككل، من مجتمع رأسمالي الى مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية، من مجتمع عنصري الى مجتمع ديمقراطي قائم على المساواة، من مجتمع محتل الى مجتمع قائم على السلام العادل ونبذ الحرب.

الثورة العربية واحتداد صراع الطبقات

في الساحة السياسية العالمية هناك ثلاثة تطورات خطيرة ومتداخلة: الاولى تتعلق بتطور صيرورة الثورة الديمقراطية العربية التي اثمرت عن ثلاث حكومات عربية منتخبة في كل من تونس، مصر وأخيرا ليبيا، وفي سورية تقدمت الثورة لتصل العاصمة دمشق ما يبشر بنهاية النظام الدموي الطاغي. اما التطور الملحوظ الثاني فهو الصراع الطبقي في دول جنوب اوروبا مثل اليونان واسبانيا بين النقابات العمالية والحكومات اليمينية الخاضعة لإملاءات البنوك الالمانية. وفي تطور ثالث وموازٍ، تنكشف مجددا الطبيعة الفاسدة للبنوك الكبيرة مثل بنك Barclays وHBSC. فبينما تلاعب البنك الاول في تحديد نسبة الفائدة LIBOR، قام الثاني بجريمة غسل اموال مصدرها التجارة بالمخدرات.

نتابع عن كثب ما يحدث حولنا من تطورات، وخاصة في مصر التي سيحدد مصير العملية الديمقراطية فيها مصير الشعوب العربية برمّتها. ما يحدث من مشادات بين الجيش المصري والإخوان المسلمين من ناحية وبين القوى الليبرالية واليسارية من ناحية أخرى، يدل على خطأ الاعتقاد بان اللعبة السياسية في مصر محسومة لصالح الاخوان المسلمين. فالثورة الديمقراطية في مصر حددت قوانين لعبة جديدة، والشعب كسب التأثير على القرار السياسي. المشاكل التي خلّفها النظام البائد على كل المستويات، وعلى رأسها الاقتصاد، ضخمة ومعقدة وليس بمقدور الاخوان المسلمين حلها بمفردهم. من ناحية اخرى، واضح ان الاخوان المسلمين يميلون الى الاستمرار بنهج الاقتصاد النيوليبرالي والتبعية للسعودية وأمريكا، مما يؤدي الى صدام مباشر مع الطبقة العاملة المصرية.

القوة التي دفعت الى حدوث الثورة المصرية كانت التحالف بين العمال والشباب المثقف. وفي حين انشغل الشباب ب”السياسة” وبالمواجهات مع المجلس العسكري خوفا من قيامه بسرقة الثورة منهم، استمر العمال بنضالهم من خلال تشكيل نقاباتهم المستقلة وتنظيم سلسلة من الاضرابات المطالبة بتغيير الادارة في المصانع الحكومية وتحسين ظروف العمل السيئة. الثورة المصرية تفتح امام الطبقة العاملة المصرية آفاق جديدة لتقوية تنظيمها ونضالها من اجل تغيير الوضع الاجتماعي لعموم الشعب المصري.

ما يحدث في اوروبا والولايات المتحدة يدل على ان التشكيك في النظام الرأسمالي وخاصة في دور البنوك والبورصة كمحرّكين للاقتصاد، يزداد مع اكتشاف فضيحة جديدة كل يوم. والنتيجة ان الطبقة العاملة في اوروبا والولايات المتحدة مطالبة اليوم بدفع ثمن جرائم رؤوس الاموال ومدراء البنوك الذين يستمرون بالمقامرة في أموال الجمهور ثم يطلبون من الحكومة المساعدة على حساب نفس الجمهور الذي خسر توفيراته. انه نظام غير معقول يفند كل يوم من جديد كل الادعاءات بان “السوق” تعرف كيف تدير نفسها بنفسها وانه لا حاجة لتدخل الحكومات في العملية الاقتصادية.

الثورات العربية الديمقراطية تضع اسرائيل في عزلة وتفضح الطبيعة الاستعمارية والعنصرية للدولة اليهودية. هذه الثورات تشكل تحديا كبيرا لاسرائيل لانها تكسب الرأي العام العالمي لصالحها كونها تتماشى مع النضال العالمي ضد الرأسمالية التي احتكرت القرار السياسي وشطبت العدالة الاجتماعية. من ناحية اخرى، الأزمة الاقتصادية تقترب من الشواطئ الاسرائيلية ونحن نرى كيف بدأت الحكومة الحديث عن رفع الضرائب لمنع العجز في الميزانية.

اسرائيل التي طبّقت النهج الرأسمالي وبات اقتصادها يُدار من قبل موظفي وزارة المالية الذين تربوا في مدرسة “شيكاغو” الامريكية، وصلت اليوم الى انفجار اجتماعي داخلي. فالحكومة سمحت بنمو “الاهرام” الاقتصادية، وهي شبكة من المؤسسات المالية ومشاريع اقتصادية يملكها نفس الشخص، الامر الذي يسمح له بالتلاعب في الاموال ونقلها بين البنوك التي بحوزته وبحوزة شركاته دون رقابة حقيقية من سلطات الدولة. من ناحية اخرى يقترض اصحاب الاهرام من الجمهور من خلال قيام شركات التأمين بشراء سندات دين من هذه الشركات، ولكن هذه السندات تفقد قيمتها بسبب الاستثمارات الفاشلة التي يغامر بها هؤلاء الاشخاص.

الخسائر التي يتكبدها هؤلاء الرأسماليون لا تسبب ضررا كبيرا للجمهور وصناديق التقاعد فحسب، بل تؤثر على الايرادات لخزينة الدولة من الضرائب. زيادة الى ذلك، يتراجع التصدير الصناعي للخارج ويقوم المستثمرون الاجانب بسحب استثماراتهم، مما يؤدي الى تراجع في جباية الضرائب. اذا اضفنا الى هذا التطور غلاء المعيشة في اسرائيل، الناجم عن تحكم الاحتكارات الكبيرة على السوق في مجال الغذاء، الاتصالات، والبنوك اضافة الى غلاء السكن، وفي المقابل المعاشات منخفضة، انعدام الثبات في مكان العمل وتقلص الخدمات الاجتماعية وكلفتها العالية مثل التعليم والصحة، نرى ان الجمهور الاسرائيلي لم يعد مستعدا لتحمل العبء الاقتصادي من خلال زيادة الضرائب عليه او اجراء المزيد من التقليصات في الخدمات، الأمر الذي يزيد النقمة على الحكومة.

ان حكومة نتانياهو تتصرف كثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمل. فهي مثل سابقتها اضاعت الوقت وجمّدت العملية السياسية وتواصل توسيع الاستيطان، وتنوي الاعتراف بالكلية في مستوطنة اريئل كجامعة، شكّلت لجنة قانونية تلغي صفة الاحتلال عن السيطرة على الضفة الغربية، كل هذا يتم وكأن العالم حولها لا يتغير، وكأن الفلسطينيين قد اعتادوا حياة الحصار، البطالة، الفقر، تقييد حرية الحركة وتنازلوا نهائيا عن حلمهم وحقهم في الحرية والديمقراطية.

لقد سبّبت سياسة نتانياهو انفجارا اجتماعيا داخليا، ولكنها تقود لا محالة الى انفجار فلسطيني جديد، الى ربيع فلسطيني اشبه بالربيع السوري. فما يحدث في المناطق الفلسطينية المحتلة يصبح يوما بعد يوم واضحا للعيان. السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية اصبحت سلطة خدمات متعلقة تماما بالمساعدات الخارجية التي تمول 150 الف موظف وشرطي. انها سلطة مهمتها حراسة النظام بقوة الشرطة وتمويل قطاع بسيط من الشعب. على من لا يحظى بوظيفة حكومية ان يبحث عن مصدر رزق بالكاد موجود. فقط 48% من القوى العاملة تشارك في سوق العمل والبطالة تصل الى 20%. اما نسبة الفقر بين العاملين فتصل الى 60% وهذه المعطيات تشير الى ان الوقت لا يحل مشاكل الفلسطينيين كما يتوهم نتانياهو، بل يزيدها تعقيدا. اذا اضفنا الى هذه الصورة العجز في الميزانية الفلسطينية الذي ادى الى وقف دفع الرواتب او صرف 60% منها فقط سنرى ان السلطة الفلسطينية فقدت كل أسباب الوجود. انها سلطة تخدم اسرائيل واحتلالها وتعود بالنفع على نخبة من المستفيدين من المساعدات الخارجية.

المهمة توسيع صفوف الحزب

ان مهمة توسيع صفوف الحزب هي مهمة صحيحة دائما، ولكن الظروف التي تم استعرضها اعلاه تجعل من هذه المهمة أمرا طارئا. فاذا كان الحزب قد كسب في السنة الاخيرة مكانة في صفوف اليسار وجذب الكثير من التأييد، يبقى التحول الى حزب جماهيري مرهون بنهوض الطبقة العاملة العربية وظهور الربيع الفلسطيني الجديد. فمن المهمات الاساسية التي اخذناها على عاتقنا هو تنشيط الوسط العربي ليأخذ دورا رياديا في حركة الاحتجاج.

الى جانب هذه المهمة الاستراتجية لا بد من استغلال التعاطف الكبير مع مواقف الحزب والعمل الميداني الذي نقوم به ليس فقط في المجال العمالي بل الشبابي والنسائي ايضا. فما يميز الحزب هو العلاقة المباشرة مع العمال، الشباب والنساء والعمل على معالجة المشاكل الاجتماعية التي يواجهها المجتمع العربي. ان الخطاب السياسي الواقعي الثوري هو شيء نادر على الساحة السياسية والربط بين القضايا الاجتماعية والسياسية العامة تجذب الجمهور المتعطش الى حزب يساري، اممي يتحدى العنصرية، التعصب الديني والاحتلال.

ان اللجان المحلية هي النواة الاساسية للحزب، من خلالها نطور الكادر الحزبي على اساس الثقافة الثورية والالتزام والاحتكام لمصالح الطبقة العاملة. انها الاطار لمناقشة واستيعاب خط الحزب وفي نفس الوقت تحديد المهمات الاسبوعية التي من خلالها نتمكن من الوصول الى الناس وتوسيع عملنا ونفوذنا. ان توسيع نفوذ الحزب يتطلب المبادرة الى فعاليات وندوات تدعو الجمهور للمشاركة. ان هذه الفعاليات، الاعتصامات، الاجتماعات واللقاءات كلها مناسبات حيوية وهامة لتعريف الجمهور على الحزب وتجنيد اعضاء جدد له.

وهنا لا بد من تذكير اهمية اليوم الدراسي الذي عقدناه في الناصرة حول “حركة الاحتجاج والثورة العربية” الذي كان حدثا استثنائيا علما انه ليس هناك حزب يولي للثورات العربية الاهمية التي نوليها نحن. ان نظرة الاحزاب والمثقفين لهذه التطورات ضيقة الافق وغير جدلية، انهم يركزون على المظاهر الآنية وليس على الانعكاسات المستقبلية والتاريخية لهذه الثورة ولا يفهمون اننا دخلنا في عصر الثورات مجددا بعد عشرين عاما من السبات ونجاح الثورة المضادة. المحاضرات والنقاشات على امتداد يومين قرّبت المؤيدين الجدد من الحزب وشكّلت فرصة فريدة من النوع لتوضيح برنامجنا السياسي ومبادئ الحزب.

ان الزخم الثوري هو الذي يمنح حزب دعم الزخم السياسي، فنحن حزب ثوري عمل في الميدان في فترات الاحباط الجماهيري، واستمد آماله في حدوث انفجار جماهيري كبير سيقلب الامور ويفتح المجال مجددا امام الشعب الفلسطيني للتخلص من الاحتلال. ان التحولات السياسية هي التي تسمح بالتقدم وعلينا ان نطرح برنامجنا الثوري تماشيا مع ما يحدث في العالم العربي والعالم أجمع. علينا عن نعيد الروابط مع الحركة الثورية العربية ومع الحركة العمالية في العالم حتى يكسب عملنا البعد الحقيقي، فلسنا قوميين بل أمميين ومصيرنا هو مصير الطبقة العاملة في كل مكان.

אודות