وزير الماليّة لپيد ضدّ العمّال

يدّعي وزير الماليّة لپيد أنّه يدافع عن “الإنسان العامل”. السياسة التي تنتهجها الحكومة الجديدة عمليًّا هي تمامًا تلك السياسة النيوليبراليّة التي تميّزت بها الحكومة التي كان والده- تومي لپيد شريكًا فيها عام 2003 والتي كان نتنياهو وزير ماليّتها. بدلاً من مواجهة هيمنة مجموعة الرأسماليّين الكبار المفلسين على الاقتصاد التي تهدّد بنشوب أزمة، يفضّل لپيد اتّهام اللجان الكبيرة في الهستدروت والحرديم والعرب بالمسؤوليّة عن الأزمة الاقتصاديّة. أقوال لپيد ليست سوى غوغائيّة خاوية. العمّال المنظّمون في الهستدروت ليسوا هم المشكلة. الحرديم لا يعملون لأنّ الحكومة دفعت لهم مخصّصات في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون العرب من الإقصاء والتمييز الواضح الذي لا يسمح لمئات الآلاف منهم بالانخراط في سوق العمل ممّا يؤدّي إلى الفقر والضائقة الاقتصاديّة.

قبل أن يبدأ مهامّ منصبه، أعلن وزير الماليّة لپيد الحرب: على الحرديم والهستدروت وشركات الاحتكار، باختصار- حرب عالميّة. ما بدأه والده تومي لپيد مع نتنياهو عام 2003، ينهيه الابن البارّ بعد مرور عقد من الزمن، وينفّذ وصيّة والده السياسيّة. تومي لپيد مات منذ زمن، لكنّ نتنياهو حصل على قوّة متجدّدة للاستمرار في المسيرة التي بدأها حين كان وزيرًا للماليّة في حكومة شارون. صحيح أنّ نتنياهو دفع في حينه ثمنًا باهظًا في الانتخابات التي خسرها أمام أولمرت (عام 2006) لكنّه ليس من الذين ييأسون، خاصّةً بعد مجيء يئير لپيد الذي أعاد له ثقته بنفسه.

اتّفاقيّة الأجواء المفتوحة كانت اختبارًا. في الوقت الذي تواجه الحكومة فيه مشاكل معقّدة- إيران وسوريا وحزب الله ومحكمة ليبرمان ومشاكل نوحي دنكنر- كلّ هذه المشاكل تبدو الآن متعبة وتدعو إلى اليأس. من جهة أخرى يعدنا نتنياهو ولپيد بأنّه ستكون تطوّرات إيجابيّة في المجال الاقتصاديّ. نرى الحكومة تعلن  كلّ يوم عن “بشائر” جديدة. في الأمس كان ذلك خفض أسعار السفر بالطائرات، واليوم سيّارات رخيصة. بالإضافة إلى ذلك نسمع عن وعود بخفض أسعار الكهرباء والمكالمات الهاتفيّة وحتّى الشقق. بعد أن تنتهي الحرب العالميّة التي أعلنها لپيد، سيكون كلّ شيء أرخص. كلّ ما ينبغي فعله هو خصخصة الحقل الاقتصاديّ الإسرائيليّ وفتحه للمنافسة، الأمر الذي سيجعل الاقتصاد أكثر نجاعة.

الأشياء الرخيصة تكلّف غاليًا

إلاّ أنّ الأشياء الرخيصة تكلّف غاليًا. خصخص نتنياهو صناديق التقاعد، وانتقلت أموال العمّال مباشرةً إلى دنكنر. خصخص الخدمات الصحّيّة، وبدون بطاقة پلاتينوم پلوس لا يمكن الحصول على علاج طبّيّ لائق ولا يمكن تمويل شراء الأدوية. خصحص خدمات الرفاه، ممّا أدّى إلى ازدياد عدد الفقراء. خصخص “تنوڤا” وأصبحنا نشتري الكوتج بسعر أغلى. خصخص “تسيم” لصالح الأخوين عوفر، ومنذ ذلك الحين والشركة تعاني من الخسائر الفادحة. مرّت عشر سنوات، وفي المجتمع الإسرائيليّ اتّسعت الفجوات الاجتماعيّة وأصبحت من الأكثر اتّساعًا في العالم، لكنّ نتنياهو ولپيد يصرّان على سياستهما، كأنّ شيئًا لم يكن وكأنّ الجمهور الإسرائيليّ مغفّل لا يدرك ما يدور حوله.

الأشياء الرخيصة تكلّف غاليًا، لأنّ خلف كلّ خصخصة وفتح الأسواق للمنافسة يقبع مبدأ “النجاعة” التي تعني تقليص القوى العاملة، والتي تعني البطالة. في “إل عال” على سبيل المثال، كما في سائر شركات الطيران، %82 من المصروفات هي مصروفات ثابتة على الوقود وخدمات المطار، وَ %18 فقط- هي مصروفات على القوى العاملة- وهذا هو المكان الذي يمكن التوفير فيه وتقليص المصروفات. المنافسة هي بين من يستطيع أن يجني عملاً أكثر من عدد قليل من العمّال مقابل أجر قليل. لذلك ستقلّص “إل عال” ثلث قوّتها العاملة، وببساطة- ستفصل 2000 عامل من عملهم.

الهدف هو تشغيل عمّال بتكلفة أقلّ، والمنافسة بين العمّال أصبحت قاسية. لا أحد يستطيع منافسة العامل الصينيّ. أصبحت الصين دولة اقتصاديّة عظمى لأنّها تصدّر عمّالاً بأجور رخيصة. بهذه الطريقة انهارت صناعات كثيرة في أنحاء العالم، خاصّة في الولايات المتّحدة وفي إسرائيل أيضًا. وعندما لا توجد إمكانيّة لإخراج المصانع خارج حدود الدولة، يستوردون عمّالاً رخيصين مكان العمّال المحلّيّين. هذا ما حدث في فرع البناء والزراعة والتمريض، بادّعاء أنّ الإسرائيليّين لا يريدون العمل في هذه المجالات.

من المفهوم ضمنًا أنّ الخطوة الأولى بعد الخصخصة هي فصل العمّال، والمصانع الجديدة تحرص على ألاّ تكون نقابة عمالي تحمي اجور وحقوق العمال. بهذه الطريقة تحوّل قانون الأجر الأدنى عمليًّا إلى الأجر الأقصى. أصبحت العادة أنّه يجب العمل بوظيفة ونصف للحصول على الأجر المتوسّط في الحقل الاقتصاديّ. عمّال الصناعة يعملون بورديّات تمتدّ إلى 12 ساعة كي يتقاضوا راتبًا يبلغ 8000 شيقل في الشهر. أضف إلى ذلك العمّال الذين يعملون عن طريق المقاولين وعمّال الجمعيّات والعمّال الذين يعملون باتّفاقيّة شخصيّة، جميعهم يفتقرون للأمان التشغيليّ والحماية المهنيّة. هذا هو الواقع الرديء الذي يعيشه مليونا عامل في إسرائيل.

من الذي فشل في الإدارة؟

يدّعي موظّفو وزارة الماليّة الكبار ادّعاءين: الأوّل، الحكومة لا تجيد الإدارة، ولذلك هناك حاجة لأفراد يتحلّون بروح المبادرة والإرادة للمخاطرة في قيادة الحقل الاقتصاديّ. والثاني، فصل العمّال يوفّر أماكن عمل جديدة. مثلاً الأجواء المفتوحة ستؤدّي إلى فصل 2000 عامل من “إل عال”، لكنّها ستؤدّي أيضًا إلى ازدياد عدد السيّاح، وبالتالي إلى توفّر آلاف أماكن عمل جديدة في فرع السياحة. فرع النسيج أيضًا انهار عن طريق خفض الرسوم الجمركيّة بادّعاء أنّ ذلك سيؤدّي إلى نموّ اقتصاديّ خلال عشر سنوات، لكنّ الواقع يدلّ على أنّ هذا النموّ عاد بالفائدة على القليلين، والأكثريّة لم تجنِ أيّ ربح منه، وآلاف النساء في ضواحي البلاد، في الجنوب وفي البلدات العربيّة خاصّة، بقين عاطلات عن العمل.

بعد تجربة سنوات، من الجدير طرح السؤال، في أيّ مجال أثبت الرأسماليّون الكبار أنّهم أفضل من الدولة في الإدارة؟ “تسيم” غرقت في الديون وتطالب بتقليص ديونها؛ دنكنر على شفا الإفلاس بعد أن هيمن على مجموعة شركات تشغّل 40000 عامل؛ تشوڤا وليڤايڤ وزيسر وبن دوڤ وآخرون خاطروا في أعمالهم على حساب الأموال العامّة، ولا ينوون دفع خساراتهم من جيوبهم. بل وأكثر من ذلك، كي يوافق هؤلاء الرأسماليّون على الاستثمار في الاقتصاد، ينبغي على الدولة أن تعفيهم من دفع الضرائب. هكذا تدفع شركة “طيڤع” صفر بالمئة ضريبة على أرباحها التي تبلغ مليارات. وعندما يطالبونهم بدفع شيء من أجل الوطن، يغضبون وينتقلون للعيش في لندن، ملجأ الضريبة المفضّل.

حسب ادّعاء لپيد، 3 هم المسؤولون عن الوضع الاجتماعيّ الصعب: الحرديم والعرب، لأنّهم لا يشاركون في سوق العمل وألون حسن، رئيس لجنة عمّال ميناء أشدود. إلاّ أنّ الحديث عن الحرديم والعرب كمجموعة واحدة هو فعل غوغائيّ. في الوقت الذي يتقاضى فيه عشرات آلاف الشبّان الحرديم مخصّصات في إطار اتفاق مع الحكومة “ستاتوس كڤو” مع الأحزاب الدينيّة وبذلك لا يعملون باتّفاق، يعاني المواطنون العرب من الإقصاء المقصود والتمييز الممأسس من جانب السلطات. بدون مراكز تشغيل ومواصلات عامّة، ظلّت البلدات العربيّة متخلّفة وراء التطوير الاقتصاديّ الإسرائيليّ الذي تركّز في دولة تل أبيب، ولپيد- مندوب الطبقة الوسطى التل أبيبيّة الغنيّة يلقي عليهم باللائمة بسبب وضعهم هذا ويصفهم بالكسالى.

كذلك اتّهام رئيس لجنة عمّال ميناء أشدود ألون حسن هو امر مضلّل. ألون حسن يحبّ أكل ستيكات اللحم ويشغّل أفراد أسرته في الميناء، ويتقاضى 30000 شيقل شهريًّا، لكنه ليس السبب الأساسيّ لغلاء المعيشة. محاولة لبيد هي اتهام  ألون حسن وسائر لجان العمّال الكبيرة بانهم أعداء الشعب، الأمر الذي يبرّر مهاجمتهم والقضاء على نفوذهم. على ألون حسن أن يوافق على تنجيع العمل في الميناء، وعليه أن يوافق على الخصخصة ونقل ملكيّة الميناء لأحد الرأسماليّين الكبار، وأن يوافق على تشغيل عمّال عن طريق المقاولين مكان العمّال الثابتين. هكذا بدلاً من أن يتقاضى حسن ورفاقه 30000 شيقل، رأسماليّ واحد يجني الملايين لأنّه يستحقّ ذلك، فهو كما نعرف يخاطر على حساب الجمهور.

المبدأ واضح، يجب القضاء على كلّ من يتقاضى 30000 شيقل في الشهر من أجل توفير أماكن عمل جديدة لمن يتقاضى 5000 شيقل. أرباح ميناء أشدود وشركة الكهرباء والغاز والبحر الميّت ستذهب إلى أفراد قلائل، في حين مكانة العمّال آخذة في الضعف والتدهور. العامل والرأسماليّ هما سواء في مجال واحد على الأقلّ، فكلاهما لا يدفعان ضرائب. الأوّل لأنّه لا يتقاضى أجرًا كافيًا، والثاني لأنّه يجني أرباحًا طائلة. النتيجة واضحة- خسارة مدخولات للدولة وتراجع وخصخصة في الخدمات العامّة واتّساع نطاق الفقر وانعدام شبكة اجتماعيّة تدافع عن الضعفاء. رغم الوقفة الصامدة الجماهيريّة ضدّ النهج الاقتصاديّ في صيف 2011، الرأسماليّون الكبار والمستوطنون وممثّلوهم في الحكومة يواصلون الاستهزاء من الجمهور. النهج الاقتصاديّ أفلس، فهو مبنيّ على كذب وافتراء ودمار للعمليّة الديمقراطيّة.

حرب يئير لپيد ليست حرب الإنسان العامل، وإنّما حرب الرأسماليّين الكبار ضد العمال. يشاي دڤيدي، الرأسماليّ الذي على وشك الهيمنة على “إل عال” وفصل عامليها، هو من بين المتبرّعين لحزب لپيد. وعندما يعلن لپيد الحرب على عاملي “إل عال”- فهو يفعل ذلك لصالح الرأسماليّ الذي يتبرّع له بسخاء وليس لصالح الإنسان العامل.

    

 

אודות