يسقط يسقط حكم العسكر!

عنوان الاهرام اليوم (3/7) لا يدع مجالا للشك – مصر امامانقلاب عسكري تحت غطاء “الاستجابة لإرادة الشعب”. حركة “تمرد” جمعت حسب ادعائها 22 مليون توقيع على عريضة تطالب بتنحي الرئيس لإخواني محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة كما دعت للمظاهرات المليونية في 30 يونيو، يوم تولي مرسي للحكم قبل سنة بالضبط. استجابت الجماهير الغفيرة لنداءات الحركة الشبابية واحتشدت في الميادين كما حدث في 25 يناير 2011، لتثبت للقاصي والداني ان مصر ليست ملكا للاخوان و”مكتب الارشاد” بل لشعب متعطش للحرية، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولكن تزامنا مع هذا المهرجان الشعبي الحافل صدر البيان رقم 1 للقوات المسلحة المصرية التي أمهلت الرئيس المنتخب 48 ساعة للاستجابة لمطالب الشعب، وإلا سيضع “خريطة طريق” للخروج من الازمة الراهنة.

موقع “الاهرام” نشر تفاصيل خريطة الطريق، وحسبها، سيتم إلغاء الدستور ووضع دستور جديد، تشكيل مجلس رئاسي برئاسة رئيس المحكمة الدستورية، تشكيل حكومة مؤقتة يرأسها احد القادة العسكريين لإعداد انتخابات جديدة، وسيشرف الجيش على كل الاجراءات في الفترة الانتقالية. واشار الموقع على لسان مصدرموثوقأنهقد “صدرتتعليماتبالتعاملبحزممعكلمنيقاومهذهالقرارات, ووضعهتحتالإقامةالجبرية, تمهيدالتقديمهإلى محاكمقدتكونثورية. كماصدرتتعليماتبالتعاملمعالخارجينعنالقانونبيدمنحديد,سواءكانذلكفيسيناءأوفيغيرهامنالمواقع, والتعاملبالطريقةنفسهامعأيمحاولاتتخريب”.

الغريب في الأمر ان من دعا قبل سنة واحدة فقط بإسقاط المجلس العسكري يرحب اليوم بموقف الجيش “الوطني” المصري الذي “وقف دائما الى جانب الشعب”. ان موقف المعارضة من الجيش ومحاولته الانقلابية يشهد على مدى الإفلاس السياسي الذي وصلت إليه. ان الشباب الثوار الذين بادروا لتشكيل حركة “تمرد” هم البرهان اليقين على الافلاس الذي وصلته المعارضة السياسية المصرية وتعبير صارخ عن عدم ثقة الجماهير بها. فالمعارضة بدل ان تقود الجماهير على اساس برنامج سياسي واضح، انجرت وراء حركة تتميز بتجرد من أي برنامج او انتماء سياسي. هذه الحركة شبيهة بحركات الاحتجاج الشبابية التي تنشط في انحاء العالم كله، من اسطنبول الى ريو دي جانيرو ومن مدريد الى نيويورك.

لقد استغل شباب حركة “تمرد” الغضب العارم والاستياء العميق من تصرف الاخوان، ونجحوا في تعبئة هذا العدد الضخم من الجماهير، دون طرح أي برنامجسياسيبل اكتفوا بمطلب سلبيواحدوحيد: “ارحل”.

السؤال المطروح تلقائيا هو: اذا كانت المعارضة تتمتع بهذه الاغلبية في الشارع، فلماذا تخاف اذن من خوض الانتخابات، وتلقين الاخوان درسا من خلال صناديق الاقتراع؟ لماذا اللجوء الى الجيش والانقلاب العسكري في حين تتوفر كل الامكانيات لإجراء انتخابات نزيهةيحتكم فيها الجميع للإرادة الشعبية؟ الجواب بسيط، حركة “تمرد” هي حركة غير سياسية ولا قوة منظمة لها، والمعارضة مشتتة وهي الاخرى لا قوة لها منظمة لها، وبدل بذل المجهود الجبار المطلوب لبناء هذه القوة تسعى المعارضة السياسية لاختصار المسافات من خلال الجيش. هكذا حدث ان المعارضة تضحي بالديمقراطية وتفضل عودة العسكر، بدل حماية الديمقراطية التي هي مبدأ اساسي من مبادئها وقيمها، بينما يرى فيها الاخوان بدعة ووسيلة للانفراد بالحكم ليس الا.

نعم على مرسي ان يرحل، صحيح الاخوان غير مؤهلين لحكم مصر، ولكن استبدالهم يجب ان يتم من خلال صندوق الاقتراع وليس من خلال الانقلاب على الديمقراطية. ان تصرف الاخوان منذ ثورة 25 يناير يثبت انهم ضد الثورة، وضد الديمقراطية، وانهم يستغلون الثورة لخدمة أهدافهم الطائفية الضيقة. لجوء مرسي للإعلان الدستوري وتعيين النائب العام الإخواني ضرباعرض الحائط بالشرعية التي يدعي انه يستند اليها ويدافع عنها اليوم. لقد استهتر مرسي بالمعارضة وبالشعب المصري كله عندما دفع لاستفتاء على دستور غير توافقي. اخطأ عندما عيّن الاخواني هشام قنديل لرئاسة الحكومة، واستعجل في تعيين انصاره محافظين في 17 محافظة في انحاء مصر. وزاد الطين بلة عندما جمع انصاره في استاد القاهرة واعلن الجهاد على الشيعة في سورية، واخيرا قارن المعارضة وحركة تمرد بالخارجين على الاسلام.

صحيح، الاسلام ليس الحل، وسنة من حكم مرسي كشفت المضامين الحقيقية لحكم الاسلام السياسي. فحكم الاخوان لا يختلف كثيرا عن النظام السابق من ناحية سياسته الاقتصادية والاجتماعية. العلاقة مع صندوق النقد الدولي، عدم الاعتراف بالنقابات المستقلة الجديدة وعدم الاستجابة لمطالب العمال، كلها أثبتت ان الاخوان يطبقون النهج المتوحش للسوق الحرة الذي يفضل رأس المال الكبير على حساب العامل. كان بمقدور مرسي تطبيق المطلب الاساسي للثورة وهو “العدالة الاجتماعية”، ولكنه استهتر بالعمال والفقراء، مما زاد من تدهور اوضاعهم المعيشية وعمّق من خيبة الامل تجاهه وزاد النقمة على حكمه حتى انفجر لينصب في ميادين مصر كلها.

اليوم تقف مصر ومعها ثورة 25 يناير امام منعطف خطير، فالإخوان لا يؤمنون بالديمقراطية ولا يطبقون العدالة الاجتماعية، ويُقصون عن الحكم كل من لا ينتمي لجماعتهم ويعتبرونهم “فلول” أي توابع النظام القديم؛ اما المعارضة فلا تتصرف بحكمة ولا تعترف بنتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وحركة “تمرد” فلا برنامج لها سوى التمرد على كل حكم دون اقتراح بديل سياسي. ان هذا الوضع السياسي التعيس يفتح المجال واسعا لتدخل الجيش الذي هو شئنا ام ابينا امتداد مباشر للنظام السابق، تابع لأمريكا، ولا يعرف كيف يحكم سوى بالقمع وباليد الحديدية والملاحقة السياسية والاقامة الجبرية.

طالما يرفض الاخوان الاعتراف بشرعية المعارضة السياسية، وتصر المعارضة على نزع الشرعية عن الاخوان،فستبقى مصر في طريق مسدود.

اليوم وبعد ان اتضح لكل الاطراف ان لا احد يمكنه ان يحكم مصر دون ان يأخذ بالحسبان رأي وموقف الآخر، بعد ان اثبت الشعب المصري انه لن يسمح لاحد ان يتحكم به بطريقة استبدادية او ان يفرض عليه تفسيره الخاص للدين، بعد ان كشف الجيش نواياه المبيتة، على طرفي النزاع، الاخوان والمعارضة،انتهاز الفرصة التاريخية للوصول الى حل وسط لانقاذ مصر من براثن العسكر.

على الميدان ان يفرض التوافق التاريخي بين الطرفين لحماية سيادة الشعب والدولة. في حين تدعم قطر الاخوان وتدعم السعودية المعارضة، على الشعب المصري ان يدعم نفسه وان يفرض على كل الاطراف الاحتكام للعبة الديمقراطية.

على مرسي ان يرحل ولكن ليس من خلال الميادين بل من خلال الصندوق. التحدي الكبير هو ان يتحول المهرجان الجماهيري الضخم الذي يهز العالم العربي كله،الى قوة سياسية تنافس الاخوان من خلال العملية الديمقراطية. فالإخوان يتمسكون اليوم بالشرعية لتبرير حكمهم،ولكن ليس من المؤكد أنهم سيخضعون لإرادة الشعب إذا هم خسروا الانتخابات. لذا فالشرعية والعملية الديمقراطية هي مصلحة المعارضة، وعليها هي اولا ان تحترمها وان تثبت جدارتها بالتحكم باللعبة الديمقراطية.

أما شباب تمرد فنقول لهم بشكل واضح إن النوايا الحسنة تقود احيانا الى الجحيم، وما يحدث في مصر اليوم من احتفال شعبي عارم يمكن ان يتحول الى كارثة اذا نفذ الجيش مآربه، وقد يجدون انفسهم اوائل الضحايا للحكم العسكري.على كل الحريصين على ثورة 25 يناير وانجازاتها،سواء كان اخوانيا او ليبراليا، سلفيا او يساريا، ان يهتف في كل الميادين بالصوت العالي: “يسقط، يسقط حكم العسكر”.

 

عن حزب دعم

تأسس حزب دعم عام 1995 بهدف بناء بديل يساري عمالي أممي. ينشط حزب دعم في صفوف الطبقة العاملة والقوى التقدمية من الشرائح المتوسطة، من عرب ويهود، ويناضل من أجل تحقيق التغيير السياسي الثوري داخل المجتمع في إسرائيل، على أساس دحر الاحتلال والعنصرية، وتحقيق السلام العادل، المساواة التامة والعدالة الاجتماعية.