عن ضرورة المشاركة العربية في الاحتجاجات الإسرائيلية.. ومناقشة رأي محمد علي طه

في مقال نُشر في موقع “كل العرب” للكاتب محمد علي طه دعا فيه الأحزاب العربية للمشاركة في المظاهرات الاحتجاجية في شارع كابلان في تل أبيب، التي تُنظم كل يوم سبت منذ 17 أسبوعاً. وقال الكاتب في مقاله: “نحن نتمتّع بفتات الديموقراطيّة في دولة تعتبر وجودنا خطأً سياسياً ارتكبه دافيد بن غوريون”. وأضاف طه “أعترف أنّني أوافق الاخوة الذين يرون أنّ محكمة العدل العليا فيها عدل لليهود فقط، وأنها لم تُنصف المواطن العربي في معظم القضايا التي لجأ فيها إليها، وعلى الرّغم من ذلك أعتقد أنّ علينا المشاركة في المظاهرات في تل أبيب وحيفا وبئر السبع والقدس لكي نحافظ على نصيبنا من فتات الديموقراطية، ولكي تبقى محكمة العدل العليا فزاعة نشهرها في وجه الظالم”.

وفي مقابلة صحافية أجراها معه الملحق الثقافي لصحيفة “هآرتس” في الأول من أيار/مايو الجاري، بمناسبة نشر كتابه “وزارة المسخوطين” باللغة العبرية، تطرق الأديب محمد علي طه إلى صعوبة مشاركة العرب في مظاهرة تتبنى العلم الإسرائيلي كرمز رئيسي يحمله 150 ألف متظاهر. ويقول طه: “يصعب على العرب الذهاب إلى مظاهرة فيها مئة ألف شخص مع أعلام إسرائيلية. ولكن مع ذلك يجب علينا (العرب في إسرائيل) أن نناضل حتى على فتات الديمقراطية”، والتي يصفها بأنها “الخير الذي فيه باطل”. وبحسب الكاتب، فإن “قليل من الحقوق أفضل من البقاء من دون حقوق”، ويتابع قوله “أنا لست مع رفع العلم الفلسطيني في هذه المظاهرات، لأنه يقوي من ادعاءات اليمين”.

وينتقد طه، في ختام المقابلة، قيادة حركة الاحتجاج لأنها لم تذكر من قريب أو بعيد الاحتلال، ويتسأل “كيف تشكلت هذه الحكومة اليمينية الخالصة؟ كلهم من المستوطنات، وهي نتيجة مباشرة للاحتلال الذي يمثل المشكلة المركزية، وعلى الرغم من ذلك لا يتكلم أحد في إسرائيل عن الاحتلال. فقد نجح نتنياهو بإزالة مسألة الاحتلال من جدول الأعمال”.

الصحيح والخطأ في موقف الكاتب محمد علي طه

مع أن محمد علي طه، الذي يصفه البعض بأنه “مهندس القائمة العربية المشتركة”، التي وحدت الأحزاب العربية في إسرائيل، وصل إلى الاستنتاج الصحيح بنسبة لضرورة المشاركة العربية في حركة الاحتجاج في الشارع الإسرائيلي، ولكنه يخطأ في رأينا في فهم المشهد السياسي الحالي الذي يواجه خطراً حقيقياً في حال انتصار الفاشية والمستوطنين على المعسكر الليبرالي. كما يبدو أنه أخطأ في فهم طبيعة الحركة الاحتجاجية التي يقودها جيل جديد شاب ومثقف ومنفتح على العالم، وأخطأ في قراءة الصراع الكوني الدائر حالياً بين المعسكر الديمقراطي والمعسكر الاستبدادي على نطاق عالمي. وقد يحب طه أن يقتبس من كلام النائب أحمد الطيبي، الذي وصف طبيعة الدولة اليهودية الديمقراطية بأنها “ديمقراطية لليهود ولكنها يهودية للعرب”. لكن في الحقيقة فإن الصراع الدائر اليوم في إسرائيل هو في جوهره ضد تحويلها إلى دولة دينية واستبدادية لليهود وعنصرية تجاه العرب.

يعود عدم إدراك طبيعة حركة الاحتجاج الديمقراطية في إسرائيل الى طبيعة الأحزاب العربية التي تنتقد وبحق الديمقراطية الإسرائيلية التي تميز ضد العرب ولكنه في الوقت نفسه يرفض الوقوف بحزم ضد الطابع الاستبدادي والشمولي للأنظمة العربية وللمجتمع العربي.

الديمقراطية فوق كل الاعتبارات  

إذا أردنا أن نفهم طبيعة الحركة الديمقراطية في إسرائيل علينا أن نصغي إلى ما قالته القيادية الشابة وعالمة الفيزياء، شيكمة بريسلر، التي وضعت مبدأ الديمقراطية كخط فاصل بين المعسكرات المتصارعة في إسرائيل قائلة: “لقد رسمت حركة الاحتجاج خطاً فاصلاً جديداً، ديمقراطية ليبرالية مقابل هؤلاء الذين يرفضونها”. وفي مقابلة مطولة في صحيفة “هآرتس”، بتاريخ  15 آذار 2023، أوضحت بريسلر الفروقات بين المعسكرين بالطريقة التالية: “يوجد معسكر ديمقراطي يؤمن بالحرية وبحقوق المواطن ويؤيد المساواة، مقابل معسكر مناهض يتبنى رؤية التفوق التام على الآخرين، التفوق اليهودي، وكل خط فصل غيره هو مجرد خزعبلات”. 

القوة الديمقراطية العربية.. أين هي؟

أمام هذا التقسيم الواضح التي تقدمه بريسلر، وهي قيادية مركزية في حركة الاحتجاج، هناك سؤال يجب طرحه على الكاتب محمد علي طه: هل توجد في الساحة السياسية العربية والفلسطينية أحزاب أو حركات مستعدة للانضمام إلى المعسكر الديمقراطي؟ هل أحمد الطيبي الذي يفضح، صباح مساء، الإسرائيليين بأنهم غير ديمقراطيين، مستعد أن يتخذ موقفاً حازماً ضد زملائه مثل الشيخ رائد صلاح الذي يكفر بالديمقراطية لدرجة أن الأخير يرفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية؟ وهل الحزب الشيوعي، الذي يرفع العلم الأحمر ورمز المطرقة والمنجل، وينادي بصوت عالٍ من أجل المساواة مستعد للوقوف ضد الديكتاتور الروسي بوتين الذي يرتكب أبشع الجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا؟ وهل يقف الحزب الشيوعي إلى جانب الشعب السوري ضد نظام الأسد الدموي المجرم؟ وهل حزب “التجمع”، التابع لعزمي بشارة، بوسعه انتقاد دولة قطر التي تدعي دعم “المقاومة” الفلسطينية، ولكنها تقمع حرية التعبير وحرية المرأة؟ هل هناك في المجتمع العربي من يدافع عن حق المثليين أو يحارب هيمنة الحمولة (العشائرية) والنظام الأبوي على المجتمع والذي يرفض كل ابداع فني أو أدبي كونه يمس بالعادات والتقاليد؟

الجديد في الحراك الاحتجاجي الإسرائيلي

إن الشيء الجديد والثوري في الاحتجاج الإسرائيلي هو حالة الفرز الواضحة بين أنصار الديمقراطية وبين الاستبداديين شطبت، ولأول مرة في تاريخ إسرائيل، ما يسمى بـ “الإجماع الصهيوني”، القائم على أساس العداوة تجاه العرب والفلسطينيين والتمسك برؤية أمن الدولة كقاسم مشترك بين كل شرائح المجتمع الإسرائيلي. إلا أن اليوم وبعد محاولة اليمين الفاشي الانقلاب على النظام من خلال إخضاع المحكمة العليا لصالح السلطتين التنفيذية والتشريعية قد تحولت حكومة اليمين المتطرفة إلى العدو الرئيسي والاستراتيجي لكل من يريد أن يعيش بمجتمع ليبرالي مناهض للعنصرية. وأصبح اليمين الفاشي خطراً وجودياً يهدد المجتمع الإسرائيلي، الامر الذي دفع النخب الإسرائيلية للانضمام إلى الحركة الاحتجاجية، من أصحاب شركات الهايتك الرئيسية وقادة وعناصر من الجيش والإعلام، من أجل إسقاط الخطر الاستبدادي وكتابة دستور يحدد من جديد طبيعة دولة إسرائيل على أسس ديمقراطية. 

وأمام هذا الاجماع الديمقراطي الجديد لا بد لكل من يطمح إلى الديمقراطية الحقيقية ويعارض الاستبداد في كل مكان، سواء في حالة ترامب في الولايات المتحدة وبوتين في روسيا ومحمد بن سلمان في السعودية والسيسي في مصر وبشار الأسد في سوريا وحتى نتنياهو وائتلافه في إسرائيل، أن يدعم وينضم إلى الحراك الديمقراطي الجماهيري في إسرائيل، وهذا ليس واجب إنساني فقط، بل ضرورة سياسية من الدرجة الأولى.

وإذا كان من الصحيح أنه لا يمكن أن تتعايش الديمقراطية في إسرائيل مع نظام الابرتهايد في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيجب ايضا ان نعترف بأن السلطة الفلسطينية وحركة حماس وحتى الأحزاب العربية في اسرائيل ليست الشريك المناسب في بناء مثل هذا المستقبل الديمقراطي الذي تناضل من أجله حركة الاحتجاج الإسرائيلية.

لا مبررات لعدم المشاركة

يمكن التذرع بمليون حجة، أولها العلم الإسرائيلي أو عدم ذكر الاحتلال وإدانته من قبل المتظاهرين. ولكن الحقيقة هي أن لا أحد يمنع مشاركة العرب أو الفلسطينيين في هذا النضال التاريخي من أجل إنقاذ “فتات” الديمقراطية التي عند مقارنتها بما يحدث في المناطق المحتلة أو في العالم العربي فهي ليست “فتات” بل نموذج يمكن البناء عليه للوصول إلى بناء مجتمع عصري متقدم واقتصاد متطور. حتى ولو اختلفنا مع الكاتب محمد علي طه بتحليله للواقع، فنحن نتفق معه على استنتاجه الصائب وندعو مثل دعوته كل الأحرار العرب والفلسطينيين للمشاركة الفعالة، بل والتأثير على حركة الاحتجاج من خلال طرح برنامج شامل يجمع بين النضال من أجل الديمقراطية في إسرائيل والنضال من أجل إنهاء نظام الابرتهايد في الضفة الغربية وغزة.

في رأينا، وهنا هناك ايضا خلافا بالراي مع الكتاب محمد علي طه، ليس هناك حلاً ديمقراطياً حقيقياً سوى في إطار الدولة الواحدة بين نهر الأردن والبحر الذي سيجمع بين المعسكرين الديمقراطيين الإسرائيلي والفلسطيني اللذين سيناقشان سوية الأسس لبناء هذه الدولة على أنقاض السلطة الفلسطينية وسلطة حماس والسلطة الفاشية الحاكمة في إسرائيل.  

عن حزب دعم

يرى حزب دعم أن برنامج "نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر" هو الحل الأنسب لمعالجة الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها إسرائيل، وهو مرتكز أساسي لبناء شراكة إسرائيلية فلسطينية حقيقية لإنهاء نظام الفصل العنصري "الأبرتهايد" الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين في المناطق المحتلة. هذا الحل مبني على أساس "العدالة المدنية"، ما يعني منح الفلسطينيين كامل الحقوق المدنية ووقف كل أنواع التمييز والتفرقة بين اليهودي والعربي ضمن دولة واحدة من النهر إلى البحر. إن تغيير الأولويات الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الاحتباس الحراري لإنقاذ البشرية من الانقراض ليس مهمة "صهيونية" فحسب أو "فلسطينية"، بل هي مهمة كونية وأممية في جوهرها. ومثلما لا يمكن تطبيق الأجندة الخضراء في أمريكا من دون معالجة العنصرية ضد السود، كذلك لا يمكن تحقيق برنامج أخضر في إسرائيل بمعزل عن إنهاء نظام الأبرتهايد والقضاء على التمييز العنصري تجاه المواطنين العرب في إسرائيل.