الولايات المتّحدة تمهّد لاتّفاقيّة مثيلة لأوسلو في سورية

إعلان الشيخ أحمد معاذ خطيب، الذي يترأّس “الائتلاف الوطني السوريّ”، حول استعداده للتفاوض مع نظام الأسد وقع كالصاعقة في وضح النهار في صفوف المعارضة لنظام الأسد. بضعة أيّام قبل سفره إلى مؤتمر ميونخ الدوليّ للأمن، صرّح خطيب تصريحًا شخصيًّا في صفحته على الفيسبوك، حيث اشترط فيه الشروع في المفاوضات مع النظام بإطلاق سراح 160 ألف سجين سياسيّ وإعادة جوازات السفر لأفراد المعارضة السوريّة المحظور عليهم الدخول إلى بلادهم. وفي الوقت نفسه أعلن “المجلس الوطني السوريّ”، وهو الجهة التي مثلّت المعارضة حصريًّا حتّى قيام “الائتلاف الوطني”، أنّ أقوال خطيب لا تمثّل المعارضة.

في الأصل دُعي خطيب للمشاركة في مؤتمر ميونخ، حيث حُدِّد له لقاء رفيع المستوى مع نائب الرئيس الأمريكيّ جو بايدن. ومن المفاجئ أنّه التقى أيضًا مع وزير الخارجيّة الروسيّ سرچي لڤروڤ ومع وزير الخارجيّة الإيرانيّ علي أكبر صالحي، حليفَي الأسد اللذين يدافعان عنه ويبرّران ذبح شعبه. أضْفَت هذه اللقاءات على أقوال خطيب، التي صرّح بها بتنسيق تامّ مع الأمريكيّين، بُعدًا جديدًا: عمليًّا تدفع هذه الأقوال قُدُمًا خطّة متّفقًا عليها بين الولايات المتّحدة وروسيا بالنسبة لمستقبل سورية.

الأمريكان يتدخّلون في كلّ الأمور

تصرّفات خطيب لا تعتبر مفاجأة. الائتلاف الذي يترأّسه أقيم في تشرين الثاني 2012 في العاصمة القطريّة الدوحة، بخلاف إرادة “المجلس الوطني السوريّ” الذي كان حتّى ذلك الحين الممثّل الحصريّ للشعب السوريّ ولثورته. أقيم هذا الائتلاف بمبادرة أمريكيّة، بعد شهر من دعوة وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة هيلاري كلينتون باستبدال قيادة المعارضة، التي ادّعت بأنّها مقسّمة، بأفراد لديهم علاقات مباشرة مع الثورة والذين يضحّون بحياتهم في النضال ضدّ النظام. وُضعت الخطّة في الأردن، وتمّ اختيار رياض سيف لتنفيذها، وهو عضو برلمان سوريّ تمّ سجنه بعد انتقاده للأسد. اضطرّ المجلس الوطني السوريّ لقبول الائتلاف وأصبح مركّبًا أساسيًّا داخله، حيث اشترط موافقته “بعدم التفاوض مع النظام”.

تمّ بالطبع الإخلال بهذا الشرط، لأنّ المبادرين إلى الائتلاف لم ينووا الإيفاء به أبدًا. خلال سنتين من أهوال الحرب، لم يحرّك الأمريكان وحلفاؤهم ساكنًا لمنع المذابح والتدمير وجرائم الحرب الفظيعة التي نفذّها النظام الفاشيّ السوريّ ضدّ مواطنيه. قاموا بالتوجّه ثلاث مرّات إلى مجلس الأمن مع علمهم التامّ بأنّ روسيا والصين ستستخدمان حقّ النقض الڤيتو، ونظّموا مؤتمرات داعمة لم تثمر عن أيّ دعم حقيقيّ. امتنعوا عن تقديم المساعدة العسكريّة أو الإنسانيّة للمعارضة مدّعين بأنّها مقسّمة وبأنّه لا يمكن الوثوق بالجيش السوريّ الحرّ، في الوقت الذي سلّحت فيه إيران وروسيا النظام ودعمته اقتصاديًّا.

كانت النتيجة الفوريّة مضاعفة: الجيش السوريّ الحرّ الذي يتألّف من المنشقّين من الجيش، والذي مثّل الثورة السوريّة، فقد تأثيره، وحلّت مكانه مجموعات إسلاميّة متطرّفة مثل “جبهة النصرة” التي أعلنت أمريكا عن عدم شرعيّتها القانونيّة، و”التوحيد” في منطقة حلب. من جهة أخرى، مقتل 70 ألف مواطن ودمار مليونَي بيت والمذابح التي تُرتكب بحقّ الأبرياء أدّت إلى هروب أكثر من مليونَي لاجئ، فقدوا بيوتهم ومصدر رزقهم. هكذا حقّقت النبوءة ذاتها. تحوّلت الثورة السوريّة من ثورة شعبيّة إلى حرب أهليّة تحمل طابعًا طائفيًّا، لا يملك أيّ طرف فيها القدرة على حسمها.

في الوقت الذي قامت فيه الولايات المتّحدة بانقلاب ضدّ “المجلس الوطني” داخل المعارضة السوريّة، صرّح نائب الرئيس السوريّ، فاروق الشرع، تصريحًا يتلاءم بمدًى كبير مع أقوال خطيب في ميونخ. في مقابلة مطوّلة في السابع عشر من كانون الأوّل 2012 في الجريدة اللبنانيّة الأخبار، يقول الشرع بأنّه ليس هناك طرف يمكنه حسم المعركة عسكريًّا. بذلك تكوّن القاسم المشترك بين الولايات المتّحدة وروسيا والنظام السوريّ والائتلاف. إذا كان الوضع غير قابل للحسم والقتل والدمار مستمرّان والقاعدة تسيطر على سورية، لذلك يجب التوصّل إلى حلّ. ليس صدفة أنّ خطيب اقترح فاروق الشرع كمن يجب أن يترأّس المفاوضات بين الطرفين.

كما يبدو، توصّلت الدول العظمى إلى اتّفاق حول النموذج اليمنيّ، وهذا يعني تخلّي الأسد عن السلطة والإبقاء على النظام. حول ذلك كتب برهان غليون، الذي أسّس وترأّس المجلس الوطني السوريّ، في موقع “الحوار متمدن”: “أن تتحول من حوار مع النظام على رحيله كما هو معلن اليوم، وهو ما يستبعد أن يتحقق مع معرفتنا بطبيعة النظام السوري ونوايا أصحابه ونوازعهم الأكثر من شريرة، إلى حوار للمعارضة مع النظام حول ما يسمونه مخرجا من الأزمة، أي في الواقع حول تسوية بين المعارضة والنظام ، لا يمكن إلا أن تكون على حساب الثورة ومن أجل إجهاضها.”  يسمّي غليون هذه التسوية “اتّفاقيّة أوسلو جديدة”، التي كما في الحالة الفلسطينيّة، جاءت لوضع حدّ للانتفاضة، وتمّت بدون إشراف دوليّ، وانتهت بتراجيديا كرّست الاحتلال والمستوطنات حتّى هذه الأيّام.

 حتّى هذه اللحظة تجاهل النظام السوريّ مبادرة خطيب. الجريدة السوريّة الوطن، أطلقت على هذه المبادرة اسم “مناورة”، هدفها تبرئة ساحة المعارضة من دعم جبهة النصرة والدمار الذي تفرضه على سورية. النظام من جانبه يعلم هو أيضًا أنّ تأثير خطيب على الثوار في سورية هو معدوم تقريبًا، وينتظر رؤية إذا كان خطيب سينجح في التغلّب على المعارضة الشديدة من جانب المعارضة لتصريحاته. على ضوء عدم الثقة والغضب الهائلين لدى السوريّين تجاه الأمريكان، الذين حرصوا على أن تتدهور سورية نحو حرب أهليّة، ليس من الواضح بتاتًا أنّ خطيب سينجح في تخطّي غضب وشجب المعارضة السوريّة بأجزائها المختلفة.

 إسرائيل والمسألة السوريّة

في هذا السياق يمكن فهم الهجوم الإسرائيليّ، الذي يتحدّثون عنه في وسائل الإعلام، على الأراضي السوريّة. تواجد وزير الدفاع الإسرائيليّ في ميونخ ليس وليد الصدفة، وتصريحه بأنّ إسرائيل جدّيّة في نواياها منع انتقال السلاح السوريّ إلى حزب الله لم يكن زلّة لسان، بل كان تصريحًا مقصودًا. دعوة نتنياهو إلى نقاش أمنيّ عاجل في المسألة السوريّة في اليوم التالي من الانتخابات لم تكن صدفة، وبعد أقلّ من أسبوع وقع الهجوم الإسرائيليّ، في حين سارع براك إلى الاعتراف بأنّ إسرائيل تقف وراء هذا الهجوم.

 إذا كان الأمريكان والروس قد توصّلوا بالفعل إلى اتّفاق بشأن مستقبل سورية، حول الصيغة “الأسد خارج المعادلة، والنظام يبقى على حاله”، فإنّ التوجه الاستراتيجيّ للنظام يبقى سؤالاً مفتوحًا. هل التحالف الاستراتيجيّ بين إيران وحزب الله سيبقى على حاله؟ أم ربّما ستغيّر سورية اتّجاهها وتنضمّ إلى الإخوان المسلمين المصريّين، وإلى الأمريكان والغرب؟ لا شكّ أنّ إيران وإسرائيل هما الدولتان الشرق أوسطيّتان الأكثر قلقًا في هذا السؤال. الهجوم الإسرائيليّ، الذي تمّ بموافقة أمريكيّة تامّة، جاء للتوضيح بصورة لا تقبل التأويل، أنّ كلّ تسوية جديدة في سورية، سواءً كانت بحسب الصيغة اليمنيّة أو صيغة أخرى، ينبغي أن تكون على حساب إيران وحلفائها.

زيارة أوباما العاجلة المرتقبة إلى إسرائيل تعزّز بمدًى أكبر هذا التحليل. المسائل التي على قيد البحث هي إيران وسورية، بحيث سيتمّ طرح المسألة الفلسطينيّة للبحث كضريبة كلاميّة لا غير. ترغب أمريكا في التوصّل إلى تسوية إقليميّة شاملة، يدعو بايدن إلى مفاوضات مباشرة مع إيران في المسألة النوويّة، والعراق تشتعل بنيران التمرّد في المناطق السنّيّة ضدّ النظام الشيعيّ الذي يتزعّمه نوري المالكي، والمسألة السوريّة سيكون لها حصّة كبيرة في رسم معالم مستقبل المنطقة. الأمريكان يتفاوضون مع الروس، لكنّهم بحاجة للتنسيق والاتّفاق الاستراتيجيّ مع إسرائيل. يجب التهدئة والكبح وقطع الوعود كي لا يغضب اليمين الإسرائيليّ.

يبدو أنّ لدى الولايات المتّحدة خططًا كثيرة لجعل الربيع العربيّ أفضليّة استراتيجيّة بالنسبة لها. إلاّ أنّ الأحداث في مصر وفي سورية تثبت أنّه من الصعب جدًّا ترويض الملايين الذين يئسوا من الدكتاتوريّة والرأسماليّة الأمريكيّة والفساد وانعدام الديمقراطيّة. ترغب الولايات المتّحدة في المنطقة في فرض الإخوان المسلمين في مصر وخلفاء الأسد في سورية واتّفاقيّة أوسلو الفلسطينيّة، ولذلك سوف تفشل كما فشلت حتّى الآن. يرغب المصريّون والسوريّون والفلسطينيّون في تحقيق الحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة، وهذا ما لا تستطيع إسرائيل وأمريكا تحقيقه لهم. إذا واصلت إسرائيل التدخّل في شؤون سورية فإنّها ستجد نفسها في حرب لن تنجح فيها أيّة قبّة حديديّة في منع أهوالها ونتائجها الفظيعة.

תגיות:

عن