الثورة السورية: أسبابها، طابعها وأبعادها

برجوازية تتنافس على الحكم. في سورية بخلاف ذلك، لم تنشأ طبقة برجوازية بالمعنى المألوف لهذه الكلمة. عائلة الأسد ومخلوف وشليش وإلى جوارها الموظّفون والضبّاط وأعضاء البرلمان تحوّلوا إلى ملايين بفضل المؤسّسات الحاكمة منذ عهد حافظ الأسد. تحدّدت معالم هذه العملية من خلال الليبرالية التي انتهجها بشّار الأسد منذ عام 2000، وبمدى أكبر في أعقاب قرار مؤتمر البعث القاضي بتبنّي “اقتصاد السوق الاجتماعي” عام 2005.

العائلة المحاربة والمؤسّسات العسكرية والحكومية، التي تهيمن على معظمها العائلة والطائفة العلوية، هي أوّلاً وقبل كلّ شيء مصدر الثراء. هكذا على سبيل المثال %75 من مدخولات النفط في سورية تصل إلى المقرّبين. بهذه الطريقة نشأت طبقة برجوازية منفصلة عن البرجوازية التقليدية السنّيّة، برجوازية متطفّلة، تعتمد على النظام وعلى رئيسه، وتقف معه حتّى نهايته المريرة، لأنّها جزء لا يتجزّأ منه. عمليًّا أصبح الانضمام إلى الجيش وإلى المؤسّسات الحاكمة طريقة سهلة للثراء، وهذا الانضمام ليس له علاقة بالتضامن الأيديولوجي مع النظام أو مع حزب البعث الحاكم. بالإضافة إلى ذلك أصبحت السيطرة على لبنان مصدرًا مباشرًا للثراء من خلال التهريب المعلن وتجارة المخدّرات، خاصّة لأفراد الجيش السوريين الذين خدموا في لبنان.

هناك ثلاث عائلات حاكمة بينها علاقات نسب- الأسد وشاليش ومخلوف، وعشر عائلات ثرية أخرى من الدرجة الثانية. من لا يتعامل معها في أعماله ويختار العمل مع جهات أخرى، يُعاقب ويُبعد عن عالم الأعمال. في اللحظة التي تبدأ فيها شركة سورية معيّنة في جني الأرباح، يتوجّب عليها تخصيص قسط من هذه الأرباح للنظام، وإن لم تفعل لا يُتاح لها العمل. هذه المجموعة هي التي تسيطر أيضًا على وسائل الإعلام السورية.

عام 2001 حصل رامي مخلوف، ابن خال الأسد على احتكار لشركة سيرياتل للاتّصالات. تقسّمت الملكية بينه (%75) وبين شركة مصرية (%25). عام 2002 اشتكى مخلوف من ذلك، ممّا اضطرّ الشركة المصرية للمغادرة بعد تهديدها. كلّ مستثمر أجنبي يهدّد أرباح العائلات الحاكمة لا يمكنه العمل في سورية.

رياض سيف، عضو برلمان ورجل أعمال، طالب بالتحقيق في الاتّفاقية المبرمة مع سيرياتل. لهذا السبب تمّ سجنه حتّى سنة 2006. عندما أُطلق سراحه، كشف أنّ شركة سيرياتل وشركة الإنترنت عريبا كوّنتا معًا شركة احتكارية أتاحت لهما جباية أسعار أعلى ممّا في الولايات المتّحدة. جنت الشركتان أرباحًا طائلة ودفعتا ضرائب قليلة. رفضت الشركتان نشر وثائقهما وحساباتهما، وزادت عدد زبائنهما إلى 1,700,000- ضعف المتّفق عليه مع الدولة.

عصام زعيم، وزير الصناعة سنة 2003، اضطرّ لمغادرة سورية بعد مصادرة أملاكه، على أثر ارتباطه بشركة ألمانية وليس بإحدى شركات العائلات الثلاث.

تقع مقدّرات الدولة تحت سيطرة مافيا جديدة ورثت الإقطاع والبرجوازية. أصبح الفساد العامل الذي يمنع كلّ تطوّر اقتصادي، وأنشأ اقتصادًا نيوليبراليًّا غريبًا يرتبط بعائلة واحدة.

الاقتصاد النيوليبرالي وأبعاده

لن نخوض في تاريخ الاقتصاد السوري منذ 1970، الذي بدأ بخطط خماسية على غرار النموذج السوڤياتي بدمج اقتصاد خاصّ للتجّار السنّيّين في دمشق وفي حلب ومن الصناعات الصغيرة، بهدف الحفاظ على الهدوء الاجتماعي. نبدأ عام 2000، عندما شرع وليّ العهد بشّار في سياسة

עמודים: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

תגיות:

عن ميخال شفارتس